هدف المؤامرة الدولية تغييب مساعي السلام وتعميق الأزمات

لا تزال منطقة الشرق الأوسط تعاني من تداعيات المؤامرة الدولية التي استهدفت القائد عبد الله أوجلان، والتي أدت لظهور أزمات حقيقية تتعلق بانعدام مساعي السلام، وصولاً إلى تغوّل الأنظمة الاستبدادية والقوى الطائفية والقومية والدينية إلى جانب تحقق أهداف الدول الرأسمالية.

هدف المؤامرة الدولية تغييب مساعي السلام وتعميق الأزمات
الخميس 3 تشرين الأول, 2024   08:55
مركز الأخبار
يحيى الحبيب

تعرض القائد عبد الله أوجلان في 9 تشرين الأول عام 1998، لمؤامرة دولية شاركت فيها قوى الهيمنة في الحداثة الرأسمالية وأذيالها من الدول القومية في المنطقة، التي تطبق سياسات القوى العظمى في المنطقة؛ المؤامرة بدأت في هذا اليوم بإخراج القائد عبد الله أوجلان من سوريا حتى تم اعتقاله في 15 شباط عام 1999؛ والآن بعد مرور أعوام عديدة، فإنها لا تزال مستمرة ولكن بشكل آخر.

المؤامرة وظروفها

أمضى القائد عبد الله أوجلان قرابة 19 عاماً في سوريا، ولكن بسبب الضغوط التي تعرضت لها سوريا، ما كان أمام القائد عبد الله أوجلان إلا الخروج منها؛ حيث هددت تركيا سوريا، ونصبت صواريخ توماهوك على طول حدودها وهددتها بضربها واحتلالها إن لم يخرج القائد عبد الله أوجلان.

ويؤكد القائد بأنه لم يكن هناك سوى طريقين، الأول هو التوجه إلى جبال كردستان وهذا كان سيفتح الباب أمام تعرض الشعب الكردي للإبادة، والثاني الخروج إلى أوروبا من أجل النضال بشكل ديمقراطي وسياسي؛ إلا أن العديد من القوى العالمية والإقليمية تشاركت معاً في المؤامرة عليه، والتي بدأت بخروجه من سوريا، إذ كانت أمريكا وانكلترا وإسرائيل تستخدم كل الأساليب والضغوط على الدول التي زارها القائد.

ويقول القائد عبد الله أوجلان عن المؤامرة التي استهدفته في 9 تشرين الأول: "إنني أرى أن المؤامرة الدولية التي أسفرت عن جلبي إلى تركيا في 15 شباط 1999، إحدى أهم أحداث التقاليد التآمرية للسلطات المهيمنة. سيرتي التي ابتدأت في التاسع من تشرين الأول 1998 بخروجي من سوريا ووضع قدمي على أرض أثينا، استمرت مع روسيا وإيطاليا، واضطراري للعودة إلى روسيا واليونان مرة أخرى، ثم وَصَلَتْ إلى مرحلتها النهائية باختطافي إلى كينيا. سبب تسميتي لسلسلة الأحداث هذه التي ضمت ائتلاف قوى دولية من أربع قارات بالمؤامرة الدولية، هو أنها سياق منسوج من الألاعيب السياسية والمصالح الاقتصادية إلى جانب الكثير من الخيانة والعنف والخداع".

تزامنت المؤامرة مع حدوث تغيرات على مستوى العالم والشرق الأوسط، حيث كان هناك صراع على حكم العالم والهيمنة عليه وكانت تلك المرحلة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991، وأمريكا كانت تسعى إلى تطبيق ما يسمى الشرق الأوسط الجديد، وتريد استقطاب تركيا نتيجة لموقعها الجغرافي وأهميتها الإقليمية لتنفيذ هذه الأهداف.

ماذا حدث بعد المؤامرة؟

إن المؤامرة الدولية التي طالت القائد عبد الله أوجلان، هي مؤامرة استهدفت عموم الشرق الأوسط، وهي بداية التدخل الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية بحجة جلب الديمقراطية، فبعد اعتقال القائد عبد الله أوجلان غزت أميركا العراق عام 2003، وأنشأت القواعد العسكرية في العديد من مناطق الشرق الأوسط، وأجبرت سوريا على التنازل عن لواء إسكندرون لصالح تركيا عام 2004، وصولاً إلى موجة ما تعرف بالربيع العربي عام 2010.

ووفقاً لما يراه القائد عبد الله أوجلان، إن منهجية الدولة القومية في الشرق الأوسط ليست منبع حل للقضايا الوطنية والاجتماعية الأساسية، بل إنها منبع تصعيد وتجذير وتفاقم وعقم هذه القضايا، ذلك أن الدولة القومية لا تحل القضايا بل تنتجها. بل وأبعد من ذلك فالنظام نفسه لا يقتصر على تأليب دول الشرق الأوسط على بعضها بعضاً، بل إنه وسيلة لتأجيج النزاعات بين مجتمعاتها أيضاً إلى أن تخور قواها.

إقصاء الديمقراطية وتعزيز العنصرية والتقسيم

كان غياب القائد عبد الله أوجلان جسدياً عن المنطقة بمثابة إنهاء لآخر قلاع الديمقراطية والتعددية والفكر الحر في المنطقة، وذلك بالنسبة إلى القوى الاستعمارية، حيث كانت جميع الأنظمة السياسية في البلاد متوغلة في الفساد والتحالفات بهدف الحفاظ على السلطة دون أن يكون هناك أي مسعى لمواجهة الأفكار التوسعية والساعية لتكريس الانقسام.

فمثلاً؛ في العراق وبعد الغزو الأميركي وعلى الفور تم تكريس المحاصصة الطائفية والمذهبية والقومية ما جعل العراق حتى الآن يعيش في أتون صراع ذو أبعاد دينية وطائفية، هذا الصراع وتغذية الفكر المتشدد بالإضافة إلى محاولة قوى إقليمية كتركيا وإيران استغلال ما يجري هناك لتكريس مصالحهما، تسبب بإنشاء أقوى التنظيمات "الإرهابية" في العالم وهو داعش إلى جانب تنظيمات أخرى.

وفي سورية أيضاً ومنذ خروج القائد عبد الله أوجلان والتشدد الذي اتجه إلى حزب البعث الحاكم في البلاد، لم تشهد سورية حالة استقرار كامل وطبيعي، فشهدت عدة تغيرات وكان أبرزها اتجاه النظام الحاكم للتصالح مع تركيا عبر اتفاقيات أمنية وعسكرية في وقت رفض التصالح مع القوى الوطنية السورية بما في ذلك الكرد، وهذا ما تسبب بتراكم الأزمات السياسية والقومية والطائفية وخاصة بعد وفاة حافظ الأسد وتولي ابنه بشار الأسد الحكم، والذي كرس بشكل أكبر البعد القومي والطائفي بالبلاد وفتح المجال بشكل كبير لتركيا التي استغلت ذلك لتكريس نفوذها في الداخل السوري، والتنازل عن لواء اسكندرون، ومع انطلاق ما يسمى الربيع العربي استغلت تركيا ذلك لاحتلال ما تستطيع من الأرضي السورية تحت عنوان دعم ما تسمى الثورة السورية.

وفي هذا السياق، يقول القائد عبد الله أوجلان: "ما هدفت إليه أمريكا بمشروعها للشرق الأوسط الكبير هو إظهار القومويات المتصلبة والدويلات القوموية ودفعها إلى الاشتباك فيما بينها لتبقى هي المهيمنة في الشرق الأوسط على مدى قرن آخر. ويبدو جلياً أنه لا مكان لحركات التحرر في مثل هذا المشروع. ولهذا فإن هناك علاقة وثيقة بين مشروع الشرق الأوسط الكبير للولايات المتحدة، وتسليمي إلى تركيا بمؤامرة. علماً بأن المرحلة التي ابتدأت بعام 2003 تُصدِقُني القول. فكوننا نمثل البديل الحقيقي الثالث الذي يدافع عن الوحدة الديمقراطية للشعوب، في مواجهة التوازن الذي تفرضه قوى الهيمنة الدولية على شعوب الشرق الأوسط، أو خيار القوى الرجعية المحلية، فتح المجال أمام أن نكون هدفاً إيديولوجياً وسياسياً".

الصراعات مستمرة حتى الآن

وانطلاقاً مما سبق يتبين بأن أغلب الصراعات والأزمات التي تشهدها المنطقة والعالم كانت عبارة عن صراع بين جبهتين، الجبهة الأولى التي تحمل أفكاراً تحررية وتريد تعزيز الحوار والتفاهم بين القوى والشعوب في المنطقة والعالم، بعيداً عن مساعي الهيمنة والاستبداد والعنصرية والتطرف ويمثل هذه الجبهة القائد عبد الله أوجلان والكثير من الشعوب والمثقفين والأدباء والشخصيات حول العالم التي دعمت أفكاره، أما الجبهة الثانية فتتكون من أنظمة سياسية ورأسمالية تريد الهيمنة والسيطرة على العالم من خلال إشعال الصراعات وفي هذا السياق، رأينا ما يجري في أوكرانيا، حيث تأثرت هذه البلاد بالحرب وصراع الهيمنة بين التحالف الغربي من جهة وروسيا من جهة أخرى، وسبق ذلك أيضاً الصراع في أرمينيا وأذربيجان وكيف استخدمت قوى إقليمية ودولية من بينها تركيا هذا الصراع خدمةِ لمصالحها على حساب جمهورية قره باغ.

وبالإضافة إلى ذلك تثبت الحرب في غزة وجنوب لبنان، ووصولها إلى هذه المرحلة الخطيرة والمؤثرة على جميع دول العالم، من خلال ما تسببت به من ارتفاع للخطاب الطائفي والديني المتطرف، أهمية التقييمات التي تحدث عنها القائد عبد الله أوجلان منذ البداية حول هذا الصراع، حيث عدَّ في مرافعته المعنونة بمانيفستو الحضارة الديمقراطية "المجلد الخامس" أن أحد مصادر أزمة الشرق الأوسط، هو تشييد الدول القومية العربية وإسرائيل بشكل متزامن.

ويؤكد القائد عبد الله أوجلان، أنه لو لم تفتعل هذه الاشتباكات والصراعات، لكان هناك وطن عربي نظير لعشرة أمثال اليابان من حيث وارداته النفطية فقط، وأشار أيضاً إلى أن أهم نتيجة نستخلصها من هذا التشخيص، هي أن منهجية الدولة القومية في الشرق الأوسط ليست منبع حل للقضايا الوطنية والاجتماعية الأساسية حسبما يشير، بل إنها منبع تصعيد وتجذير وتفاقم وعقم هذه القضايا، وأن الدولة القومية باتت وسيلة لتأجيج النزاعات بين مجتمعاتها أيضاً إلى أن تخور قواها.

فكر القائد عبد الله أوجلان وتجربة شمال وشرق سوريا

نتيجة للتراكم في سورية والشرق الأوسط بشكل عام، شهدت سوريا بعد العام 2011 ظروفاً سياسية وعسكرية وأمنية واجتماعية معقدة إلى حد كبير، حيث تزايد الخطاب التكفيري وزادت مشاعر الكراهية والتطرف بين مكونات الشعب السوري وبدأت التحذيرات والمخاوف من إمكانية اندلاع حرب أهلية في البلاد، إلى جانب تمدد التنظيمات المتطرفة والمتشددة وكل ذلك بالتزامن مع احتدام الصراع الإقليمي والدولي على الأرض السورية، وهذا ما جعل الأمور تخرج عن السيطرة نوعاً.

لكن في شمال وشرق سوريا اتجهت شعوب المنطقة نحو تطبيق نظريات وأفكار القائد عبد الله أوجلان حول ما يتعلق بأخوة الشعوب والأمة الديمقراطية، وسلكت طريقاً ثالثاً بعيداً عن الصراعات الطائفية والقومية والتنافس على السلطة كما حصل في المناطق السورية الأخرى، وبالتالي تم مواجهة العنصرية والتطرف في المنطقة وهزيمة التنظيمات الإرهابية إلى جانب بناء مؤسسات مدنية ديمقراطية تدار من قبل ممثلي جميع مكونات وشعوب المنطقة، وهذا ما يثبت أن أفكار القائد أوجلان هي الوحيدة القادرة على تلبية طموحات ومتطلبات الشعوب.

(أ ب)

ANHA