مقاومة سرزوري وقصة "الأبطال الخالدون" بلسان قيادي شهيد

"من يرغب بالتعرّف على مقاومة كوباني، عليه التعرّف على مقاومة قرية سرزوري" بهذه الكلمات تحدّث القيادي على جبهات شرق كوباني، الشهيد جودي آمد، عن مقاومة قرية سرزوري التي تُعدّ بداية لملحمة كوباني.

مقاومة سرزوري وقصة "الأبطال الخالدون" بلسان قيادي شهيد
الإثنين 16 يلول, 2024   03:30
كوباني

تقع قرية سرزوري على طريق كري سبي وعلى بعد 40 كم غرب كوباني، وتتألف هذه القرية الصغيرة من 11 منزلاً، واستهدفها مرتزقة داعش خلال هجومهم على منطقة كوباني من 3 اتجاهات في الـ 15 من أيلول عام 2014، حيث استهدف المرتزقة المتطرفون القادمون من كري سبي بأعداد كبيرة وأسلحة ثقيلة، القرية في الـ 16 من أيلول من العام ذاته. 

قامت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة اللتان كانتا تبنيان خط الدفاع والتصدّي لهذه الهجمات، بإجلاء أهالي قرية سرزوري إلى المناطق الآمنة حفاظاً على سلامتهم، ثمّ شُكّلت في القرية جبهة مقاومة قوية أصبحت لاحقاً حلقةً من حلقات ملحمة كوباني التي تردّد صداها في العالم أجمع، إذ سُطّرت أولى الملاحم البطولية على هذه الجبهة.    

وكانت تتمركز في القرية وحدة مكونة من باور عفرين، وبرجم جودي، وبرفين جيا، وباران باور، وجوان هفال، وكلستان قنديل، ومزكين جودي، وبيمان تولهلدان، ورودي عفرين، ورستم جودي، وهبون كوباني وسرخبون غريب، وكانت الوحدة تحت قيادة رودي عفرين وبيمان تولهلدان، وبدأ أعداء الإنسانيّة هجومهم بالدبابات والمدافع وبأعداد كبيرة ليلة الـ 15 من أيلول، وسطّرت الوحدة التي ستوجّه رسالة الإرادة والإيمان للعالم أجمع، في مدرسة القرية، صفحة جديدة من التاريخ بأحرف من ذهب.

الرسالة الأخيرة

استمرّت الاشتباكات العنيفة حتّى مساء الـ 16 من أيلول، ولم يتمّكن المرتزقة الذين لا يعرفون شيئاً عن الإنسانيّة من دخول المدرسة، لكن انتهت ذخيرة الأبطال الأحرار، لذا وجّه قائد الوحدة، رودي عفرين عبر الجهاز اللاسلكي الرسالة الأخيرة لرفاقه وقيادة وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، وقال: "أيّها الرفاق، سنقاتل حتّى النهاية، ولن ندع العدو يعبر، نعلم أنّنا سنستشهد؛ لكننا نعلم جيداً أنّ هناك من سيتابع طريقنا".

وعقب هذه الرسالة، قاتل المناضلون الـ 12 حتّى النهاية وارتقوا إلى مرتبة الشهادة.

تنفيذ الأمر

عدَّ قياديّو وقياديّات وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة والمقاتلون في سبيل الحرية، رسالة رفاقهم في سرزوري أمراً واجب التنفيذ وأساساً للمقاومة، وأثمر النضال الذي وحّد بين الكردستانيين والأمميين الأحرار من جميع أنحاء العالم على الجبهة ذاتها عن تطهير مركز مدينة كوباني من المرتزقة في الـ 26 من تشرين الثاني عام 2015، ثمّ تطهير المنطقة بأسرها بما فيها قرية سرزوري بعد عام.

سرد القيادي في الجبهة الشرقية لمجريات ذاك اليوم

مع انتشار المقاومة وتردّد صداها وتحديداً في الـ 1 من تشرين الثاني عام 2014، تحدّث القيادي في جبهة كوباني الشرقية، يشار دومان (جودي آمد) إلى وكالتنا، وقد سلّط الضوء على خلال حديثه على ملحمة قرية سرزوري وبطولة وشجاعة المقاتلين في سبيل الحرية.

وينحدر القيادي جودي آمد من مدينة آمد في شمال كردستان وهو أحد الفدائيين الذين شاركوا في مقاومة كوباني، واستُشهد القيادي جودي الذي قاتل على الجبهات الأمامية في كوباني في الـ 16 من كانون الأول عام 2014.

وبمناسبة الذكرى السنوية لملحمة سرزوري نعرض لكم هنا مقتطفات من مقابلة القيادي الشهيد، جودي آمد:

"من الصعب جداً الحديث عن الشهداء، إذ الصعب التعبير عن حقيقتهم كما يجب، هناك نقاط عديدة تُسطّر في التاريخ، وهذه هي البطولة والشجاعة التي أبداها هؤلاء الرفاق، لقد بقينا معاً لفترة طويلة، وقبل بدء الحرب في قرية سرزوري، نفّذنا عملية ضدّ المرتزقة في قرية أحمدية، وشارك في تلك العملية الرفيقات بيمان، وبرفين، وبرجم وباقي الرفاق الذين قاوموا في قرية سرزوري، كما شارك فيها الرفيق جيا أيضاً، استخدم المرتزقة الأسلحة الثقيلة، لكن الرفاق لم يتردّدوا أو يتوقّفوا.

وعقب هذه العملية، هجم المرتزقة على قرية سرزوري، حيث بدأ الهجوم في الساعة الـ 10 مساءً، فأبلغ الرفاق القيادة بتعرّضهم للهجوم من قبل العدو، لكننا لم نتمكّن من إرسال قوة لمؤازرتهم حيث كانت هناك هجمات مستمرة على طول الجبهة الشرقية، فقاتل الرفاق هناك وقاوموا حتّى ساعات الفجر، ثمّ حمل الرفيق جوان الذخيرة وانضمّ إليهم، وبعدها ذهبنا لمؤازرتهم، لكننا لم نتمكّن من الوصول إليهم، فقد كانوا محاصرين من قبل العدو الذي ظلّ يقصفهم بالدبابات، ولا يعني ذلك أنّ المرتزقة كانوا أقوياء حتّى تمكّنوا من محاصرتهم لكنّ أسلحتهم كانت متقدمة، وقد قاوم الرفاق ضدّهم فقد كانوا تواقين للمقاومة وكانت قلوبهم تنبض بها.

"استمدّت قوة الانتقام من صوتهم"

تحدّثت مع أولئك الرفاق عبر جهاز اللاسلكي، فارتفعت معنوياتي، أُصيب أحدهم خلال ساعات الفجر، لكنّهم لم يطلبوا سوى ذخائر، وهكذا قاوموا حتّى الساعة الـ 12:00، استُشهد الرفيق جوان ليلاً، واستُشهدت الرفيقة برجم أيضاً، ثمّ انضمّ إليهما الرفيق رودي، لقد تحدّث معنا جميع الرفاق عبر جهاز اللاسلكي، وقالوا جميعاً: "تحياتنا للرفاق"، وقد قال الرفيق رودي "لقد جهزت قنبلتي وانتظر الآن قدوم العدو لأهاجمهم"، لقد قالوا: "فلتثقوا بنا، وتقوموا بإيصال تحياتنا إلى الرفاق، قوّة القائد عظيمة فهو الذي يُستمدّ منه القوة" وآنذاك كان جميع الرفاق يبكون، لقد منحنا صوت هؤلاء الرفاق قوّة الانتقام، وفي النهاية فجّر الرفاق هناك أنفسهم، لقد ضحّوا بأنفسهم عندما تطلّب ذلك، لقد فهموا ونفّذوا بسرعة.

كان من بين الرفاق الذين قاتلوا خلال هذه المقاومة 5 رفاق من كوباني، وكانوا يتحلّون بشجاعة كبيرة، ولم يعرفوا التردّد ولو قيد أنملة، وخاصة الرفيقات بيمان، وبرفين، وبرجم، ومزكين وكلستان، وكنّ هكذا في حياتهن كذلك، فقد كنّ في مقدمة من يقترحن المشاركة في العمليات وهي لا تزال في مرحلة الاستعداد لها، كنّ جميعاً على الجبهة ذاتها، وشكّلن مثالاً يحتذى به من حيث المسؤولية، والانضباط، والرفاقية والتعامل، لقد كنّ متواضعات للغاية، ولم يكنّ يرفضن أداء المهام المطلوبة منهن، وخاصة الرفيقة مزكين فقد كانت مثابرة على الرغم من الصعوبات الجسدية التي عانت منها، أردنا نقلها من هناك مرات عدّة، لكنها رفضت ترك رفاقها ورفيقاتها والمقاومة، لقد تأثّرت جدّاً بموقفهن.

"الأبطال الخالدون"

لقد كانت الرفيقة بيمان أيضاً مثلها، وسبق مقاومة سرزوري استشهاد ابن خالتها، الرفيق شيار، لكنّها لم ترد أن تترك مكانها خالياً، لذا لم تذهب لتقديم العزاء، ويمكن وصف هؤلاء الأشخاص بـ "الأبطال الخالدون" تُستخدم صفة البطل كثيراً لوصف الشهداء، لكن هؤلاء الرفاق كانوا أبطالاً في حياتهم أيضاً، ولا يمكن أن تفيهم الكلمات حقهم مهما وصفناهم.

لقد كانت الرفيقة برفين قائدة الوحدة وكانت الرفيقة بيمان عضوة فيها، وكذلك الرفيقة مزكين، وكانت الرفيقة كلستان الأصغر عمراً بينهن، ولم تكن لديها أي خبرات قتالية عندما انضمّت، لقد تعلّمت شيئاً فشيئاً واندهشنا جميعاً من تقدّمها السريع، لقد أصبحت رفيقة دربنا، وعندما هاجمهم العدو وحاصرهم مع باقي رفاقهن، قاتلوا جميعاً حتّى النهاية وقرروا معاً تنفيذ هذه العملية الفدائيّة.

"وجّهوا رسالتهم عبر اللاسلكي"

قبل تنفيذ العملية، تحدّث معنا الرفيق رودي عبر اللاسلكي وقال: "نعلم أنّنا سنستشهد، لكننا أيضاً نعلم جيداً أنّ هناك من سيتابع مسيرتنا" في تلك اللحظات كانوا يسمعون أصوات المرتزقة وهم يقتربون منهم ودباباتهم موجهة نحوهم، لكنّهم لم يتخلّوا عن عشقهم وارتباطهم ولو قليلاً، لقد ساروا نحو الشهادة بهذا الموقف، لقد كانت الرفيقات بيمان، ومزكين، وبرفين وكلستان يتبعنه، كان الرفاق في الطابق العلوي من المدرسة والمرتزقة في الطابق السفلي، وفي النهاية دمّر العدو المدرسة تماماً للقضاء على الرفاق، ولئلا يستشهد الرفاق على يد المرتزقة قاموا بتفجير أنفسهم، وفي الواقع فإنّ اتّخاذ مثل هذا القرار ليس سهلاً، فلا يمكن لأحدهم اتّخاذ هكذا قرار بسهولة، ويمكن للأشخاص الأوفياء لأرضهم فقط الخلود من خلال هكذا قرار، إذ يمكن للمناضلين في سبيل شعبهم فقط اتّخاذ هذا القرار.

"هكذا يكون قادة الشعوب"

ما يُستخلص من هذا الأمر، هو أنّ هذه المقاومة كانت حقّاً من أجل قضية مشروعة وأخلاقية وإنسانية وعادلة، فهكذا يكون قادة الشعوب، فنحن نضحّي بأنفسنا في سبيل هكذا قضية وفي سبيل البناء، فيما يفجّر الآخرون أنفسهم من أجل التدمير والقتل، هذا هو الفرق بيننا، وأضحى الجميع الآن يعلم أنّ قضيتنا صحيحة.

كان جوان قائد كتيبة شارك في العديد من المعارك وكان مصدر قوّة للجميع، فقد كانت معنوياته العالية وتعامله مع الحياة يمنحان المرء القوة ويدفعانه إلى الاقتداء به، لقد منحنا هؤلاء الرفاق قوة كبيرة، ولا سيما الرفيقة برفين، لقد كانت الرفيقتان كلستان وبرجم مقاتلتين حديثتين، وكانتا ترغبان دائماً بأن تكونا في المقدمة، وكانت سرخبون أيضاً قائدة كتيبة، وأُصيبت في يدها في وقتٍ سابق قبل مقاومة سرزوري.

وليس بوسع المرء إلّا أن يكتب عن أبطال كهؤلاء، نتعهّد بالسير على خطاهم واتّباع مسيرتهم وتعزيزها ما دمنا أحياء.

"كانت دموعي تنهمر"

لقد قضيت وقتاً طويلاً مع أولئك الرفاق، وقدّمت لهم تدريبات مطولة، كانت دموعي تنهمر، أنا نفسي كنت في العملية فقد كنا نتعرض لهجمات عنيفة من محاور ونقاط عديدة ووصلنا إليهم مع ساعات الفجر.

وفي الأساس، من يريد التعرف على مقاومة كوباني عليه التعرّف على مقاومة قرية سرزوري ويبحث فيها، فالتطورات التي حدثت بعد ذلك قائمة عليها، كان داعش يشن هجمات ضارية هناك، فلم يكونوا يتوقعون هكذا مقاومة من هذه الأرض وأبنائها، لقد أرعبت هذه المقاومة العدو.

"يجب كتابتها"

يجب كتابة ملحمة عن حياة وشخصيات هؤلاء الرفاق، فعلى أبناء شعبنا أن يعرفوا شهداء قرية سرزوري ويحيوا ذكراهم حتى لو بعد مئة عام، لقد كان وجود أولئك الرفاق بحدّ ذاته ملحمة، لقد كان بعضهم مقاتلين جدداً، لكنّ موقفهم جعل الأشخاص ذوي النفوس المهزومة واليائسة يخجلون من أنفسهم، لا نستحقّ هذه المقاومة كثيراً، لقد كان الجميع مصاباً، وكنّا نريد من كلّ قلبنا التصرّف في الوقت المناسب وإخراج هؤلاء الرفاق من القرية، ففي الحقيقة، كان بإمكان هؤلاء الرفاق الانسحاب من القرية، لكنّهم تمسّكوا بموقفهم على الرغم من إصابتهم جميعاً، وفي النهاية ودّعوا الرفاق عبر اللاسلكي، حينها وقفت عاجزاً حقاً أمام مقاومتهم، لقد كان المرتزقة يقصفون المدرسة بالدبابات وأحرقوا المدرسة، لكنّهم رفعوا من معنوياتنا، بدلاً من أن نقوم نحن بذلك، لقد أوصونا "حافظوا على معنوياتكم ومرتفعة ولا تبقوا عاجزين، لن تذهب دماؤنا هدراً قط، إنّنا متأكدون من هذا". لقد كانوا يعلمون هذه الحقيقة وقاوموا، لقد كان موقفهم في الحياة سامياً وذا مغزى، لقد عاشوا الثورة وأحيوها، لقد كنا نستمد منهم القوة وخاصة الرفيق رودي، لن أنسى قط كلماتهم الأخيرة، لقد آلمنا وداعهم جداً، ورفاقيتنا هي التي تبقينا صامدين اليوم، لقد كانوا يعلمون أنّ مقاومتهم ستصبح عنوان مقاومة كوباني، سأتذكّر هذا في مسيرتي الثورية دائماً".

(ز س/ر)

ANHA