مجالس الأبعاد.. خطوة أخرى في بناء النظام الديمقراطي

بهدف إشراك جميع أفراد المجتمع في آلية صنع القرار وتطبيق القرارات، يجري مع بناء نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا تشكيل مجالس الأبعاد، وتحدثت الرئيسة المشتركة لهيئة الحقوق والعدالة، مزكين حسن إلى وكالتنا حول هذا الموضوع.

مجالس الأبعاد.. خطوة أخرى في بناء النظام الديمقراطي
السبت 30 تشرين الثاني, 2024   04:00
الحسكة
حسن رمو

 يُستكمل بناء المؤسسات المتبقية في شمال وشرق سوريا بموجب العقد الاجتماعي الذي تمّت المصادقة عليه في 12 كانون الأول عام 2023.

ومن هذه الأعمال، تشكيل مجالس الأبعاد ضمن نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية، فبموجب المادة 97 من العقد الاجتماعي والذي يحمل عنوان "مجالس الهيئات واللجان التنفيذية"، وعلى مبدأ الكونفدرالية الديمقراطية، يتوجب على كل هيئة من المدينة إلى المقاطعة وحتى إقليم شمال وشرق سوريا تنظيم نفسها كمجالس.

وبهدف تطبيق المادة 97، صدر بتاريخ 24 تشرين الأول عام 2024، قانون تنظيم واجبات ومسؤوليات مجالس ومؤسسات الإدارة الذاتية رقم 13/2024.

ويعرّف القانون المجالس التي يجب تشكيلها ب "مجالس الأبعاد" ويحدد مهامها، كما ورد في تعريف المجالس آلية عمل مجالس الأبعاد مع مجالس الشعوب.

وبعد إصدار هذا القانون، بدأ العمل على تشكيل مجالس الأبعاد في الإقليم.

وحول مجالس الأبعاد والهدف منها، آلية عملها وعلاقتها بهيئات الإدارة الذاتية، أجرينا لقاء مع الرئيسة المشتركة لهيئة الحقوق والعدل في الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا، مزكين حسن.

آلية جديدة لمعالجة التحديات

وفي بداية حديثها، أوضحت مزكين حسن أن تشكيل هذه المجالس جاء كآلية جديدة لمعالجة التحديات التي واجهتها الإدارة الذاتية، حيث تسعى إلى تصحيح الخلل في آلية اتخاذ القرارات، وتضمن إشراك المجتمع ومكوناته المختلفة في رسم السياسات وتنفيذها.

أهداف مجالس الأبعاد

ويهدف هذا النظام إلى تحقيق مشاركة أوسع في اتخاذ القرارات، حيث أشارت مزكين حسن إلى أن بعض القرارات الصادرة عن هيئات الإدارة الذاتية كانت سابقاً تواجه بعض الانتقادات لابتعادها أحياناً عن واقع المجتمع ومؤسساته العاملة في المجالات ذاتها. ولذلك تسعى مجالس الأبعاد إلى تلافي هذه التحديات من خلال إشراك المؤسسات المختلفة والمكونات المجتمعية في اتخاذ القرارات وتنفيذها.

نموذج مجلس الاقتصاد والزراعة

مؤخراً، تم تشكيل مجلس الاقتصاد والزراعة كجزء من هذا النظام. في السابق، كانت هيئة الاقتصاد والزراعة تصدر قراراتها بمعزل عن مكونات المجتمع الأخرى الناشطة في هذا المجال، ما أدى إلى مشكلات، كقرار تحديد سعر شراء القمح من المزارعين.

وأضافت مزكين حسن: "أما الآن، فإن مجلس البُعد يجمع ممثلين عن كل الجهات ذات الصلة، مثل اتحادات الفلاحين والمختصين واللجان الاقتصادية، مما يضمن نقاشاً أوسع وقرارات أكثر تمثيلاً وفاعلية".

آلية عمل مجالس الأبعاد

وتنظم مجالس الأبعاد عملها بدءاً من الكومينات (الوحدات الأساسية)، مروراً بالبلدات والمدن والمقاطعات، وصولاً إلى الإقليم. وفي السياق تقول مزكين حسن: "تعمل هذه المجالس على مستوى كل بُعد بشكل مستقل، حيث تُحدد السياسة العامة للبُعد وتُناقش القرارات وآليات تنفيذها".

الكومينات

والكومين يبقى الأساس، لأن مجالس الأبعاد تنظم نفسها انطلاقاً من الكومين، ولكن ليس كمجالس بل على شكل لجان، فالكومين مؤلف من لجان مختلفة مثل (الزراعة والاقتصاد، الحماية، المرأة، الشبيبة، الصحة، البيئة إلخ...).

وتؤكد مزكين حسن أن عدد اللجان يختلف من كومين إلى آخر بحسب حاجة مجتمع ذلك الكومين. وجميع لجان الكومين مع الرئاسة المشتركة وكذلك رئاسة الكومينات الخاصة بالمرأة تشكل مجلس الكومين.

وفي حال اتخاذ القرارات المتعلقة بجغرافية الكومين، فإن تلك القرارات تؤخذ جماعياً من قبل الجميع، وليس من قبل الرئاسة المشتركة للكومين أو المتحدثين باسم اللجان المشكلة للكومين. وبالتالي فإن القرارات المتخذة ستكون ذات تأثير، وهذا الأمر ينطبق على البلدات والمدن والمقاطعات، وفقاً لمزكين حسن.

التمثيل في المجالس وآلية انتخاب الرئاسة المشتركة

وتتألف مجالس الأبعاد من ممثلين عن جميع المؤسسات المرتبطة بالبُعد، حيث يتم اختيار الممثلين عبر المؤسسات نفسها. وتُنتخب الرئاسات المشتركة للمجالس من بين هؤلاء الممثلين وفق نظام الأغلبية (50 + 1)، وتلقائياً يصبح الرئيسان المشتركان لمجلس البُعد عضوين في مجلس الشعوب الديمقراطي لإقليم شمال وشرق سوريا.

وفي الوقت ذاته، يصبح الرئيسان المشتركان لمجلس البُعد رفقة الرئيسين المشتركين للهيئة ذات الصلة في الإدارة الذاتية، إدارةً للبُعد.

التنسيق بين مجالس الأبعاد والهيئات

ويعمل مجلس البُعد كمرجعية للهيئة ذات الصلة في الإدارة الذاتية، حيث يتولى المجلس اتخاذ القرارات العامة ويقوم بمراقبة الهيئة أثناء تنفيذها للقرارات.

وفي السياق، أكدت مزكين حسن، أن مجلس البُعد هو من يعطي القوة للقرارات التي تتخذها الهيئة ذات الصلة في الإدارة الذاتية، وتجعلها تعمل على أسس سليمة لأن الهيئة هي عضو في مجلس البُعد والأخير يعتبر مرجعية للهيئة في اتخاذ القرارات، أي بمنعى أن مجلس البُعد يمثل الهيئة والعكس صحيح، وكلاهما معاً يديران كل ما هو مرتبط بنطاق البُعد، فمجلس البُعد هو المسؤول عن اتخاذ القرارات والهيئة هي المسؤولة عن تنفيذ القرارات، فكلاهما يكملان بعضهما البعض وليسا منفصلين عن بعضهما وهما في تنسيق مستمر من أجل تنظيم العمل في البُعد، ويمكن القول إن مجلس البُعد يلعب دوراً رقابياً على كيفية تنفيذ الهيئة لأعمالها ومدى تطبيقها، علماً أن لكل واحد منهما خصوصيته من الناحية التنظيمية.

ماذا لو كانت الهيئة مقصرة في أعمالها؟

وفي حال وجود قصور في تنفيذ القرارات، يملك مجلس البُعد صلاحية اتخاذ إجراءات قانونية بالتنسيق مع المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية.

وشرحت مزكين حسن، ذلك قائلةً: "على اعتبار مجلس البُعد جهة رقابية على الهيئة ذات الصلة بالبُعد، فإن المجلس بإمكانه اتخاذ قرارات تتعلق بالهيئة عندما لا تقوم بأعمالها وفق المطلوب، ولكن ذلك يحدث وفقاً للقانون، أي نحن هنا أمام طرفين أحدهما الهيئة، وهي جهة مرتبطة بالمجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية، والأخرى تلعب دوراً رقابياً ألا وهي مجلس البُعد".

وأضافت: "فعندما لا تقوم هيئة بعملها بشكل جيد وتم اتخاذ قرار بحقها من قبل مجلس البُعد، فإن ذلك القرار يعود إلى المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في إقليم شمال وشرق سوريا، وحينها يتولى المجلس التنفيذي التحقيق في الأمر، وبعد الانتهاء يصل إلى قرار بخصوص الهيئة بالتوافق مع مجلس البُعد، ويمكن أن يصل القرار حتى تغيير الرئاسة المشتركة للهيئة ذات الصلة".

مجالس الأبعاد: تكامل بين الاستقلالية والتعاون

وفي نظام مجالس الأبعاد ضمن الإدارة الذاتية الديمقراطية، تعمل كل مؤسسة بشكل مستقل في نطاقها، لكنها تلتزم بالقرارات المشتركة الصادرة عن المجلس الذي تنتمي إليه.

وشرحت الرئيسة المشتركة لهيئة الحقوق والعدل، مزكين حسن ذلك عبر إيراد مثال عملي عن هيئة الحقوق والعدل، وقالت: "يضم مجلس بُعد الحقوق والعدل مؤسسات عديدة مثل "منظمات حقوق الإنسان، أكاديميات الحقوق، كليات الحقوق في الجامعات، مجلس العدالة الاجتماعية، اتحاد المحامين، هيئة العدل والحقوق في الإدارة الذاتية ومؤسسات حقوق المرأة وغيرها".

وأضافت أن هذه المؤسسات المجتمعة في مجلس البُعد تُناقش القضايا في اجتماعات جماعية، وتُتخذ القرارات بشكل مشترك، وتلتزم المؤسسات بتنفيذ القرارات ضمن اختصاصاتها، فيما يُراقب المجلس تطبيق القرارات ويتخذ إجراءات بحق المؤسسات المقصّرة إذا لزم الأمر.

وهذا النظام يجمع بين الاستقلالية المؤسسية والعمل الجماعي والاشتراك في وضع السياسة العامة للبُعد واستراتيجيته وتطبيقها على أرض الواقع، مما يعزز كفاءة اتخاذ القرارات وتطبيقها بما يخدم المجتمع بشكل كامل.

مجلس الشعوب الديمقراطي: المظلة الجامعة

وتجتمع الرئاسات المشتركة لمجالس الأبعاد في مجلس الشعوب الديمقراطي لإقليم شمال وشرق سوريا، حيث تُناقش القرارات على مستوى شامل وتُراجع من الجوانب القانونية والمجتمعية كافة قبل اعتمادها.

تطبيق مجالس الأبعاد عملياً

ويشهد إقليم شمال وشرق سوريا حالياً خطوات عملية لتشكيل مجالس الأبعاد في مختلف المجالات. هذه المجالس لا تهدف فقط إلى إصدار قرارات جماعية، بل تسعى أيضاً لتأمين احتياجات المجتمع وتنظيمها بشكل يلبي تطلعات المكونات كافة.

أهمية مجالس الأبعاد للنظام المجتمعي

وتقول مزكين حسن في هذا السياق: "مجالس الأبعاد تمنح قوة للقرارات عبر إشراك كل الجهات ذات الصلة، مما يعزز الديمقراطية المجتمعية. كما تعمل على تقوية النظام المجتمعي من خلال تنظيم العمل المشترك بين الجهات التنفيذية والرقابية، مما يحقق تطوراً مستداماً في جميع المجالات".

نحو نظام ديمقراطي شامل

وأوضحت مزكين حسن أن مجالس الأبعاد تُعدّ أساساً لنظام الكونفدرالية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، لأنها تؤكد على أهمية إشراك المجتمع في المستويات كافة، بما يضمن اتخاذ قرارات تخدم مصالح الجميع، وتُنفذ بشكل ينسجم مع واقع المجتمع واحتياجاته.

وقالت الرئيسة المشتركة لهيئة الحقوق والعدل في الإدارة الذاتية، مزكين حسن، في ختام حديثها، إن هذا النظام يمثل نقلة نوعية في الإدارة، حيث تتحول القرارات من كونها صادرة عن جهة واحدة، إلى قرارات جماعية مبنية على النقاش والتوافق المجتمعي، مما يضمن تمثيلاً أوسع وعدالة أكبر في التنفيذ.

(أم)