كري سبي.. عامٌ من الجرائم في إطار تكريس الاحتلال

شهدت المناطق المحتلة من مدينة كري سبي خلال العام 2023 جرائم بحق الأهالي المتبقين من قبل مرتزقة الاحتلال الذين استخدموا كافة الوسائل؛ لإرهابهم وعرقلة حياتهم اليومية ومعيشتهم بالتزامن مع مشروع التوطين الذي تسعى دولة الاحتلال التركي لتطبيقه في المناطق السورية المحتلة عبر سياسة التغيير الديموغرافي وتنفيذ مشروعها الاستعماري.

كري سبي.. عامٌ من الجرائم في إطار تكريس الاحتلال
الإثنين 1 كانون الثاني, 2024   05:31
عين عيسى

منذ احتلال كري سبي وأجزاء واسعة من أريافها عقب العدوان الغاشم عليها من قبل المحتل التركي ومرتزقته في الـ 9 من تشرين الأول من العام 2019، ارتكب المحتل التركي شتى الجرائم بحق من تبقى صامداً في أرضه، من قتل واختطاف وترهيب، بالإضافة لنهب الممتلكات، بهدف التضييق على معيشتهم وإجبارهم على ترك ديارهم.

ولم يمر يوم إلا وارتكب مرتزقة المحتل التركي جرائم واعتداءات بحق الأهالي في تلك المناطق بهدف إجبارهم للاذعان لإرادتهم وتطبيق سياسة المحتل التركي، ناهيك عن مضيه في تطبيق مشروعه الاستيطاني وذلك من خلال ترحيل اللاجئين السوريين المتواجدين على أراضيه إلى كري سبي المحتلة.

ووثقت وكالتنا هذه الانتهاكات على مدار العام 2023 من خلال مصادر محلية لها وخصوصاً التي طالت البشر ممن تبقى من أهالي كري سبي المحتلة من قتل واختطاف، واعتقالات.

"الأهالي" ضحايا القتل بيد المحتل والمرتزقة

ارتكب المحتل التركي ومرتزقته عدة جرائم قتل بحق المدنيين الأبرياء في كري سبي المحتلة وريفها خلال العام 2023 حيثُ شهدت بلدة سلوك (15 كيلو متر شرقي كري سبي المحتلة) في الـ 14 من شهر حزيران من العام 2023 جريمة بشعة راح ضحيتها الطفل حمود خضر السلطان (6 سنوات) على يد مجموعة من مرتزقة أحرار الشرقية ضالعة بتجارة الأعضاء البشرية بقيادة المرتزق خالد علوش الملقب جراح.

وفي 18 تموز توفي الشاب فايز علي الحجو، من قرية كفيفة (٢٠ كيلو متر جنوب غرب كري سبي المحتلة) متأثراً بجراح أصيب بها جراء دهسه من قبل مدرعة عسكرية للاحتلال التركي.

وفي 10 أيلول توفي الشاب "محمد خليل المحمد" من أهالي مدينة كري سبي المحتلة متأثراً بطلق ناري أصيب به من مرتزقة "الفيلق الثالث" التابع للاحتلال التركي، من عناصر مجموعتي "أبو عامر" و"أبو أحمد الشامي" التابعتين للفيلق المذكور.

ابتزازات واختطافات بالجملة

يعتبر الخطف أحد الوسائل التي يكسب بها مرتزقة الاحتلال التركي المال من خلال ابتزاز ذوي المخطوفين بدفع مبالغ مالية لقاء الإفراج عنهم، حيثُ وثقت وكالتنا خلال العام 2023 اختطاف عدد من المدنيين حيثُ اختطفت مجموعة من مرتزقة "أحرار الشرقية" في 16 آذار، المواطن محمد علي أوصمان من قرية الزيبقية بريف كري سبي.

تلا الحادثة في الشهر التالي وتحديداً في 6 نيسان قيام المرتزقة باختطاف الشاب محمد العوجان من أهالي حي المنبطح وسرقة 7 آلاف دولار بالإضافة إلى مقتنيات وممتلكات شخصية تعود له ولزوجته (هواتف - مصاغ ذهبي).

فيما قامت مجموعة من مرتزقة ما تسمى "مكافحة الإرهاب" بزعامة المرتزق "أبو ربيع الأدلبي" بتاريخ 24 تموز باختطاف 9 مدنيين من كري سبي الشرقي وطالبوا ذويهم بدفع مبلغ مالي 1000 دولار أمريكي لقاء الإفراج عن كل واحد منهم، وتمكنت وكالتنا من خلال مصادرها من توثيق أسمائهم وهم كل من مؤيد الخلف، ومنير الخلف، وجاسم العرب، وعيسى الموسى، وعبد الستار الدخيل، وإبراهيم العمير، وعجيل حليبي، وسعدون العاشج، وإبراهيم الخليل.

وبتاريخ 16 شهر أيلول قامت مجموعة من مرتزقة "أحرار الشرقية" باختطاف الشاب توفيق عيادة الحلوت 25 عاماً من قرية العماير شرقي قرية الشركراك (30 كيلو متر شمال كري سبي المحتلة)، وهو من عشيرة البدو "فخذ الشميلات".

وانتقاماً لاحد متزعمي المرتزقة في كري سبي المحتلة قامت مجموعة من مرتزقة الجبهة الشامية في الـ 7 من شهر تشرين الثاني بمداهمة حفلة زفاف المدني شاهين أحمد من المكون الكردي وقاموا بالاعتداء عليه وضربه هو ووالده ووالد العروس (الحج يوسف الحسن) وثلاثة من أبناء عمومته وقاموا بعدها باختطافهم واقتيادهم إلى أحد مقراتهم في بلدة عين العروس (2 كيلو متر جنوب كري سبي المحتلة).

وحسب المعلومات التي حصلنا عليها من مصادرنا فإن هذا الاعتداء جاء انتقاماً من المرتزق ( شهاب الدين أبو ياسين) المتزعم في مرتزقة "الجبهة الشامية" لرفض والد العروس تزويجه ابنته التي كان قد خطبها قبل أشهر.

وبتاريخ 27 شهر تشرين الثاني قام المرتزقة باختطاف 3 مواطنين كانوا في طريقهم للهجرة إلى أوروبا وهم كل من "سردار أحمد (٢٧ عاماً)، عمار أحمد (١٥ عاماً)، نوران أحمد (١٩ عاماً)، وهم من أهالي قرية بير حبش التابعة لكري سبي المحتلة.

"الفصل والاعتقال" لكل من يعترض ...!

ترتكب دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها الجرائم بحق كل من يعترض على سياساتها إن كان من خلال التتريك أو غيرها، حيثُ وثقت وكالتنا خلال العام الحالي فصل 11 موظفاً واعتقالهم لاحقاً لرفضهم سياسية المحتل الرامية إلى سلخ هويتهم وثقافتهم.

فقد قام ما يسمى بـ "مجلس تل أبيض المحلي" التابع للاحتلال التركي مع بداية العام الدراسي وتحديداً بتاريخ 21 من شهر تشرين الأول بفصل 5 معلمين لاعتراضهم على إدخال المناهج التركية إلى المدارس ليقوم المرتزقة بعدها باعتقالهم بتهمة التحريض وإثارة الفتنة.

تلاها في الشهر التالي بتاريخ 15 من شهر تشرين الثاني قيام المرتزقة باعتقال 6 موظفين من لجنة الخدمات في "بلدية تل أبيض" بعد فصلهم من قبل ما يسمى "مجلس تل أبيض المحلي"، وذلك لمعارضتهم على تسمية المرافق العامة بأسماء تركية، وبذات التهمة المذكورة آنفاً، وثقت وكالتنا أسماء 3 منهم وهم كل من "أنس الدخيل، محمد رويشد، منصور الدندل".

تتريك وتفريخ للإرهاب

فرضت دولة الاحتلال التركي مع بداية العام الجاري وبتاريخ الـ 18 من شهر كانون الثاني تداول ما يعرف بالنشيد الوطني التركي شفهياً وكتابياً، بالإضافة لقيامها بإدراج صور الشخصيات والرموز القوموية للدولة التركية في المناهج الدراسية.

واوعزت لمرتزقتها في المجلس المحلي بفرض ترديد ما يعرف بـ ( النشيد الوطني التركي) في كافة المدارس التي يديره مع بداية كل أسبوع دراسي الذي يبدأ يوم ( الأحد)، الأمر الذي أثار غضب أولياء أمور الطلاب ولجوء بعضهم إلى إرسال أبنائهم إلى معاهد خاصة كرد فعل على ذلك.

ونشرت وكالتنا في وقت سابق صوراً لـ (أتاتورك) على جدران المرافق العامة والخدمية والتعليمية في كري سبي المحتلة.

وفي ظل نشر الفكر المتطرف والقوموي تفرض الدولة التركية المحتلة منهاجاً دراسياً على طلاب المدارس المحتلة، وتدير مع عدد من المنظمات ذات الطابع المتطرف ( باكستانية ـ شيشانية ـ خليجية) عدداً من المعاهد والجمعيات التي تنشره لتفريخ الارهاب من جديد.

ومن الجمعيات التي تنشط بكثرة في فتح وتمويل المجمعات الدينية في كري سبي وريفها "جمعية أنصار الخيرية، وبيت المال (مؤسسة الإغاثة الوطنية الباكستانية)، حيث أنها تشرف وتمول عدة معاهد تغذي من خلالها التطرف كمعهد أبي بن كعب في بلدة سلوك، وعمر بن الخطاب في بلدة حمام التركمان، ومعهد الرشيد في مركز كري سبي، بالإضافة لتمويلها افتتاح مدارس فرضت فيها تركيا لغتها على التلاميذ كمدرسة أحمد ياسين وأبو بكر الصديق في مركز المدينة، ومدرسة خربة الرز بريفها.

وضع خدمي متردي

تعمد دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها إلى سياسة التضييق معيشياً لمن تبقى صامداً في المناطق المحتلة من خلال تقنين الخدمات ورفع أسعارها بحيث لا يتمكن الأهالي من شرائها في ظل الأوضاع المعيشية والاقتصادية الصعبة التي يعيشونها، فقد قامت برفع سعر الواط الكهربائي مرتين خلال العام 2023 كان آخرها بتاريخ الـ 19 من شهر آب.

ورفعت شركة الكهرباء التركية AK Energy المحتكرة لقطاع الكهرباء في المناطق المحتلة من سوريا سعر الواط الكهربائي للمنازل والقطاع الخدمي في كري سبي المحتلة إلى ٤.٧٥ ليرة تركية للاشتراك المنزلي بعد أن كان ٣.٢٠ للواط الواحد، فيما رفعت سعر اشتراك الواط الخدمي (صناعي- تحاري) لـ ٥.٧٥  بعد أن كان ٥ ليرات تركية للواط الواحد، مع العلم أن حاجة أقل منزل تقدر بمئة واط ساعي من الكهرباء شهرياً.

أما بالنسبة لمادة الخبز التي تعد من المواد الأساسية فقد قام ما يسمى "مجلس تل أبيض المحلي" بتاريخ الـ 14 من شهر شباط بإصدار قرار برفع سعر ربطة الخبز إلى الضعف حيثُ أصبح سعرها 20 ليرة تركية بعد أن كان 10 ليرات تركية.

ومع دخول فصل الشتاء لهذا العام وكسابقاته من الأعوام الماضية من الاحتلال لجأ أهالي كري سبي المحتلة إلى جمع الحطب وتخزين روث الحيوانات لاستخدامها في التدفئة، وذلك في ظل عدم قدرتهم على شراء مواد التدفئة لتحكم مرتزقة المحتل التركي بتجارتها، حيثُ يصل سعر اللتر الواحد من مازوت التدفئة لأكثر من 10 آلاف ليرة سورية.

أرقام مخيفة لعمليات التوطين في كري سبي المحتلة

وصل عدد اللاجئين السوريين المرحلين قسراً من الأراضي التركية إلى كري سبي المحتلة لأكثر من 29 ألفاً بيهم 72 عراقياً منذ إعلان مسؤولي دولة الاحتلال التركي نيتهم ترحيل مليون لاجئ سوري تطبيقاً لمخططها الاستعماري على الأراضي السورية، حيثُ قامت بجلب المواطنين السوريين من مدن (حماة- ادلب- حلب- ريف دمشق..) وغيرها من المدن السورية الذين فر أهلها إلى تركيا نتيجة الأحداث التي تعصف بسوريا منذ 2011 وقامت بإسكانهم في منازل المهجرين قسراً من تلك المناطق وإطلاق يدهم بالاستيلاء على ممتلكاتهم من عقارات (أبنية- أراضي زراعية)، وذلك لترغيبهم في السكن فيها.

هذا وتسكن عشرات العوائل من مرتزقة داعش ممن فروا من مخيم عين عيسى عقب هجوم الاحتلال التركي على كري سبي ٢٠١٩ بعد أن احتضنهم المحتل التركي وأسكنهم في منازل المهجرين قسراً، وهذا ما يمهد لعودة نشاط مرتزقة داعش.

ويأتي ذلك على حساب المهجرين قسراً من كري سبي عقب احتلالها والذين تجاوز عددهم الـ 100 ألف من أصل 150 ألف من سكانها الأصليين، يقطنون حالياً في مخيمات النزوح في كل من مدينتي الرقة والطبقة وأريافهما.

غضب شعبي لمناهضة ممارسات المحتل ومرتزقته

شهدت كل من كري سبي المحتلة وبلدة سلوك في الـ 14 و 17 من شهر تموز من العام 2023 مظاهرات شعبية وإضراباً عاماً وتعليق العمل في كافة المحال التجارية احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية في ظل تحكم المرتزقة بحياتهم اليومية، وفساد ما يسمى "المجلس المحلي" الذي غلبَ مصالح المتنفذين فيه على مصالح الشعب، وغض الطرف عن تصرفات المرتزقة بحق الأهالي من فرض إتاوات وخطف وابتزاز وغيرها، ويصمون آذانهم عن شكاويهم بحقهم، استمرت كل منها لثلاثة أيام متتالية.

وقد كان أهم أسباب خروج تلك المظاهرات هو ما يسمى "المكاتب الاقتصادية" التي يديرها متزعمي المرتزقة وتحكمها بقوت ومقدرات أهالي كري سبي المحتلة، وأصبحت تؤرق سبل حياتهم ومصادر معيشتهم، من حيث فرض الإتاوات على كافة البضائع الداخلة والخارجة إلى كري سبي المحتلة (مواد بناء- مواد تموينية- مواد زراعية وغيرها).

(د)

ANHA