حسابات دولية تعطل قضية إخراج حزب العمال الكردستاني من "قائمة الإرهاب"

أُدرج حزب العمال الكردستاني زوراً وبهتاناً، على "قوائم الإرهاب" منذ ما يقارب 4 عقود، ولا تزال هذه التهمة التي لصقت به تلازمه، ويسعى الكرد وأصدقاؤهم إلى نزع صفة "الإرهاب" عن الحزب، إذ جُمع 7 ملايين توقيع حول العالم بهذا الصدد، فيما تستغل تركيا وتبتز وتضغط باتجاه تعطيل أي قضية تزيل صفة "الإرهاب" عن (PKK).

حسابات دولية تعطل قضية إخراج حزب العمال الكردستاني من "قائمة الإرهاب"
الثلاثاء 28 تشرين الثاني, 2023   02:30
مركز الأخبار
 أحمد سمير

تأسس حزب العمال الكردستاني (PKK)، في 27 تشرين الثاني 1978، سراً على يد مجموعة من الطلاب بريادة القائد عبد الله أوجلان في قرية فيس في مدينة آمد الكردستانية شمال كردستان، للنضال من أجل قضية الشعب الكردي والكردستاني، إلا أن القوى المهيمنة والاستعمارية وضعت حزب العمال الكردستاني على "قوائم الإرهاب".

قبل أكثر من ثلاثة عقود، خرج رئيس وزراء السويد الراحل أولوف بالمه مع زوجته ليلة 28 شباط 1986 لحضور فيلم سينمائي، وفي تلك الليلة صرف فريق حمايته، وأثناء مروره برفقة زوجته من شارع سفيفاغن المكتظ بالمارة، مركز ستوكهولم، أطلق رجل طويل القامة الرصاص على بالمه، فسقط ميتاً على الفور، ولاذ بالفرار.

أولوف بالمه من مواليد 1927، شخصية يسارية، غرد دائماً خارج السرب الغربي، يعرف بمقاومته للطموحات الإمبريالية، وحظت حركات التحرر بعلاقات وطيدة معه.

وبعد مقتل بالمه، أدرجت السويد أول دولة بعد تركيا، حزب العمال الكردستاني على لائحة "الإرهاب"، واتخذت من رواية مقتل أولوف بالمه ظلاً واتهم حزب العمال الكردستاني بذلك.

ومع قتله، بدأت حملة كبيرة ضد حزب العمال الكردستاني PKK في كل من السويد والمانيا والكثير من الدول الأوروبية، وقد تم تجريم الحزب، وعلى هذا الأساس أدى إلى توسيع رقعة التضامن مع تركيا المدعومة من الناتو ضد حزب العمال الكردستاني.

نتيجة التشويه الإعلامي والدبلوماسي والسياسي الذي قادته تركيا ضد حزب العمال الكردستاني تم منع أنشطته السياسية وفعالياته في المانيا عام 1993، وتذرعت السلطات بـ "قانون الجمعيات الأهلية".

في عام 1997 صنفت أمريكا حزب العمال الكردستاني بأنه "منظمة إرهابية أجنبية"، وبريطانيا عام 2000، وكندا واليابان والاتحاد الأوروبي عام 2002، وأستراليا في 2005، ونيوزيلندا 2010. على الرغم من أن حزب العمال الكردستاني لم يرتكب أي جرم في أي دولة من هذه الدول، بل على العكس يدعو إلى بناء وتوطيد القيم الإنسانية والاجتماعية والتآخي بين عموم المجتمعات. 

وأحدث مقتل أولف بالمه صدى واسعاً في جميع أنحاء العالم، حيث صرح هذا الزعيم الاشتراكي والديمقراطي قبل مقتله، بأن من حق الكرد الحصول على حقوقهم كباقي شعوب العالم، ما أثار استياء وامتعاض العديد من الدول الأوروبية وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية.

ونشرت الصحافة التركية عناوين عريضة بعد مقتله مثل (حزب العمال الكردستاني قتل أولوف بالمه)، على الرغم من عدم وجود أي أدلة تورط حزب العمال الكردستاني، ادعى رئيس الشرطة في ستوكهولم هانس هولم أن حزب العمال الكردستاني قتل أولوف بالمه، وأطلق حملة اعتقالات ضد الكرد، ووضع العديد منهم في السجون لسنوات.

وكانت السويد في عهد أولوف بالمه، صديقة للشعب الكردي والقائد عبد الله أوجلان، ولكن بعد جريمة مقتل أولوف بالمه، تحوّل هذا البلد إلى ساحة يصدر فيها أوامر موت بحق مناضلي حزب العمال الكردستاني. فمقتل أولوف بالمه شكل بداية مرحلة إدراج حزب العمال الكردستاني في قائمة المنظمات "الإرهابية" وتجريم الشعب الكردي بعد سنة 1986.

كان هناك دافعان من قبل القوى الدولية المهيمنة لاغتيال أولوف بالمه، الأول إسكاته والتخلص منه لمساندته للشعوب ما تعرف بـ (العالم الثالث)، الأمر الثاني ضرب حركة حرية كردستان وإيقاف تطورها.

كان أولوف بالمه يتبع العديد من السياسات الدولية، نظم مسيرة كبيرة في السويد من أجل فيتنام عام 1968، ونتيجة المسيرة أغلقت الولايات المتحدة سفارتها وقطعت العلاقات مع السويد.

في عام 1968 خرج بالمه ضد الغزو الروسي لتشيكوسلوفاكيا.

وفي عام 1975 زار كوبا، حيث إن الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو كانا يعتبران كوبا دولة إرهابية ورئيس وزرائها فيدل كاسترو إرهابياً.

كان أولوف بالمه، داعماً للقضية الكردية، فقد قدمت أربع دول أوروبية "الدانمارك والنرويج والسويد وهولندا"، شكوى ضد تركيا إلى مجلس أوروبا، وقالوا إن تركيا تنتهك حقوق الإنسان للشعب الكردي، وفي هذا الصدد، جذب انتباه الدول الخارجية.

وفي جنوب أفريقيا، مارس نظام الفصل العنصري قدراً كبيراً من الاضطهاد على السود، وقد تحرك بالمه ضد هذا الأمر أيضاً ونظم عدة دول وعقد عدة اجتماعات لفرض حظر أسلحة على جنوب أفريقيا.

وفي عام 1983، ولأول مرة استقبل بالمه في ستوكهولم شخصاً يعتبر إرهابياً من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ياسر عرفات.

واستخدم أولوف بالمه خطاباً قاسياً ضد القوى الكبرى المهيمنة مثل روسيا وأمريكا، هذه القوى شريكة في التخلص منه للأسباب التي ذكرناها أعلاه.

بعد 34 سنة، وفي العاشر من شهر حزيران من عام 2020، عقد كل من رئيس لجنة التحقيق في حادث مقتل أولوف بالمه، كريستر بيترسون وعضو اللجنة هانز ماليندر مؤتمراً صحفياً للإعلان عن نتائج التحقيقيات في القضية، وأعلن كريستر أن قاتل أولوف بالمه هو عضو في إحدى الأحزاب اليمينية ويُدعى ستيغ بيغرستروم، وأنّ الدعوى أغلقت لأن مرتكب الجريمة متوفى.

وكشف مكتب المدعي العام السويدي في مؤتمر صحفي أن قاتل بالمه مواطن سويدي يدعي Stig Engstrom، وقد انتحر عام 2000، ليغلق ملف اغتيال بالمه وبُرّئ حزب العمال الكردستاني.

ولم يكن العالم والدولة السويدية عادلين تجاه الشعب الكردي، حيث اتُهم وجُرّم حزب العمال الكردستاني لـ 3 عقود زوراً، فتعرض الكرد طيلة هذه السنوات لمذابح ومجازر بأشبع الطرق والأساليب.

محكمة العدل الأوروبية: إدراج الحزب على "قائمة الإرهاب" كان ظلماً كبيراً

ورفع حزب العمال الكردستاني (PKK) دعوى قضائية ضد "قائمة المنظمات الإرهابية" بين عامي 2014/2020، أمام مجلس أوروبا.

وفي عام 2018، قضت محكمة العدل الأوروبية حول قضية إخراج حزب العمال الكردستاني من قائمة الإرهاب، وأكدت أن إدراج الحزب على قائمة الإرهاب بين عامي 2014/2018، كان ظلماً كبيراً.

وأصدرت محكمة العدل الأوروبية قرارها بشأن قضية إزالة اسم حزب العمال الكردستاني عن "قائمة التنظيمات الإرهابية"، وعلى الرغم من أن المحكمة قد قضت في قرارها بضرورة عدم إبقاء الحزب مدرجاً على القائمة، حصل تحول فجائي في قرار المحكمة عام 2022، حيث رفضت محكمة العدل الأوروبية في لوكسمبورغ الطلب الذي قدمه حزب العمال الكردستاني عام 2021 احتجاجاً على إدراجه في "قائمة المنظمات الإرهابية"، في كانون الأول 2020.

محكمة التمييز البلجيكية العليا تنزع صفة "الإرهاب" عن حزب العمال الكردستاني

في كانون الثاني 2020، أسقطت محكمة التمييز البلجيكية العليا وهي أعلى سلطة تقاضي في البلاد، تهمة الإرهاب عن حزب العمال الكردستاني بشكل نهائي، ورفضت طعن الحكومة التركية في قرار محكمة الاستئناف، وأوضحت أن حزب العمال الكردستاني في نزاع داخلي مسلح.

وقالت المحكمة إن: "الحزب يخوض نضالاً من أجل حقوق الكرد، ولا يستهدف المدنيين، لذلك لا يعتبر "منظمة إرهابية"، وهذا القرار أثار غضب تركيا التي استدعت سفير بروكسل لديها.

جمع 7 ملايين توقيع لإزالة اسم حزب العمال الكردستاني من "قائمة الإرهاب"

وفي 5 تشرين الثاني 2021، أطلقت 29 شخصية مشهورة بارزة من (سياسيين، وكتاب، وفلاسفة، ونشطاء سلام، ومحامين، وفنانين ونشطاء سلام) مبادرة العدالة الدولية للكرد، لإزالة اسم حزب العمال الكردستاني من "قائمة الإرهاب" في الاتحاد الأوروبي.

ثم انضمت 1000 شخصية مرموقة في أكثر من 30 دولة حول العالم، وتولت قيادة الحملة، التي حملت شعار "باسم السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، ندعو مفوضية الاتحاد الأوروبي إلى إزالة حزب العمال الكردستاني من قائمة المنظمات الإرهابية المحظورة".

والحملة باشرت جمع التواقيع في مختلف دول العالم، انطلاقاً من أواخر عام 2021. وجمع في أوروبا لوحدها 3 ملايين توقيع، وسُلّمت إلى مفوضية الاتحاد الأوروبي في بروكسل. وفي جنوب كردستان جمع مليون توقيع، وفي شنكال جمع40 ألف و446 توقيعاً.

وكشفت المبادرة الشعبية لشمال وشرق سوريا أنها جمعت ما يقرب من مليوني، و476 ألفاً، و173 توقيعاً.

تركيا تعطّل أي قضية تزيل صفة "الإرهاب" عن PKK

الدولة السويدية التي ظلمت حزب العمال الكردستاني لـ 3 عقود، واتهمته بمقتل بالمه، تدعم التصريحات التركية من جديد بإعلان حزب العمال الكردستاني "منظمة إرهابية"، وذلك لقبول عضويتها في الناتو.

كما تبتز تركيا الدول الغربية والأوروبية بهذا الموضوع، ولحسابات ومصالح سياسية وأمنية وأخرى اقتصادية، وتضغط باتجاه تعطيل أي قضية تزيل صفة "الإرهاب" عن PKK.

(أ ب)

ANHA