تصريحات أردوغان بشأن غزة مزاعم يكذبها الواقع وتفضحها الأرقام

عاد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ليطلق تصريحاته الشعبوية حول التصعيد في غزة، في محاولة لتقديم صورة مخالفة للحقيقة حول الموقف التركي من إسرائيل الذي يعتبره مراقبون محاولة لاستغلال الأزمة والقفز عليها من خلال تصريحات قوية يكذبها الواقع وتفضحها الأرقام.

تصريحات أردوغان بشأن غزة مزاعم يكذبها الواقع وتفضحها الأرقام
الخميس 23 تشرين الثاني, 2023   05:30
القاهرة
محسن المصري

في تصريح مثير للجدل تناقلته وسائل إعلام تركية، الأحد 19 تشرين الثاني، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن "حرب الهلال والصليب" متواصلة، وأنه لمس هذا الأمر خلال زيارته الأخيرة إلى ألمانيا، ووصف أردوغان إسرائيل بـ "دولة إرهاب"، مؤكدا أن نتنياهو قد اقتربت نهايته.

وتأتي تصريحات أردوغان رغم حالة التقارب الأخيرة التي شهدتها العلاقات التركية - الإسرائيلية والتي عبر عنها الاستقبال التاريخي الذي حظي به الرئيس الإسرائيلي خلال زيارته لتركيا منتصف أذار العام الماضي، كما كان مقرراً أن يزور أردوغان إسرائيل خلال تشرين الأول الماضي لولا اندلاع الحرب على غزة.

على الصعيد الاقتصادي، تؤكد تقارير صحفية أن الصادرات التركية إلى إسرائيل تبلغ قيمتها 6,4 مليار دولار، بينما واردات تركيا من الآلات المعدنية والوقود من إسرائيل تبلغ أكثر من ملياري دولار.

وبحسب خبراء فإن الموقف التركي والتصريحات العنترية التي يطلقها أردوغان تجاه إسرائيل محاولة لاستغلال الموقف وتحقيق المكاسب والمصالح من الأزمة الإنسانية التي تعيشها غزة جراء العدوان الإسرائيلي، خاصة مع استمرار الهجمات التركية على مناطق الشمال السوري.

سياسة براغماتية

ويرى الباحث في الشؤون التركية الدكتور أسامة السعيد أن: "تركيا تعتمد سياسة براغماتية وتسعى دوماً لتحقيق مكاسب من وراء الأزمات وانتهاز الفرص وتحقيق المصالح من رحم الكوارث".

وقال أسامة السعيد لوكالتنا: "السياسة التركية براغماتية تعتمد على استغلال الظروف ومحاولة اصطناع الفرص من الأزمات التي تواجهها المنطقة، وهو ما ظهر واضحاً خلال فترة ما عرف إعلامياً بالربيع العربي، وكيف حاولت تركيا استغلال هذه الحالة من الاضطرابات والانتفاضات العربية للرجوع للمنطقة وبناء العثمانية الجديدة واستخدام الشرق الأوسط كأداة للضغط على أوروبا التي أدارت ظهرها لتركيا".

وتابع سعيد: "كما ظهر ذلك أيضا في الأزمة الأوكرانية وكيف حاولت تركيا أن تقدم نفسها كوسيط للسلام، على الرغم أنها عضو بحلف الناتو ولديها ارتباطات واضحة وصادرات تسليح مع أوكرانيا، وكيف أمدتها بالمسيرات ما أثر على علاقات تركيا بروسيا ولكن تركيا حافظت على حد أدنى من العلاقة مع روسيا".

وأشار الباحث إلى أنه: "في هذه الأزمة، تركيا تحاول استغلال الحرب وإعادة شحن الرصيد في الشارع العربي الذي أدرك الوجه الحقيقي للسياسة التركية في السنوات السابقة، ذلك الوجه الذي دعم جماعات الاسلام السياسي وحاول التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ثم التراجع عن التصعيد مع الدول العربية مثل مصر والإمارات".

ويعتقد السعيد أن: "تصريحات أردوغان هدفها الرئيسي تركيا مغازلة الشارع العربي والإسلامي خاصة بعد أن استعادت علاقاتها الطيبة مع إسرائيل وكان هناك زيارة مقررة لأردوغان لتل أبيب قبل أحداث السابع من أكتوبر".

وأكد السعيد: "تركيا تسعي للاستفادة من حرب غزة وتحاول تعظيم نفوذها في الشرق الأوسط وبناء تحالفات جديدة قد تكون مصر جزء منها، نظراً للثقل الاستراتيجي للقاهرة والذي تدركه تركيا جيداً وتعلم أن تعاونا مصرياً تركياً قوياً في البحر المتوسط والشرق الأوسط يمكن أن يكون بمثابة تحالف ضاغط على اسرائيل".

استعادة النفوذ العثماني

من جانبه، يرى الباحث المتخصص في الشؤون الدولية هاني الجمل إن: "تركيا تسعى لاستغلال الحرب في استعادة نفوذ السلطنة العثمانية القديمة على حساب دول المنطقة".

وأوضح لوكالتنا إن: "تركيا تخطط للتوسع في المنطقة (الأمنية العازلة) التي تصنعها في الشمال السوري بالضغط على مناطق الكرد بسوريا والعراق، في ظل صمت الحكومات السورية والعراقية أمام التوغلات التركية".

وأشار هاني الجمل إلى أن: "تركيا تستغل انشغال العالم وتركيزه على أحداث غزة لتنفذ ضربات بطائراتها في مناطق الشمال السوري وتستهدف الكثير من المراكز الخدمية والمشافي والمدارس والمؤسسات التابعة للإدارة الذاتية في محاولة لتقويضها".

ولفت هاني الجمل الانتباه إلى أن: "تركيا تتحرك بشكل منفرد من أجل تحقيق أهدافها الخاصة، حيث استغلت الأزمة الانسانية في سوريا وعدم التوافق بين الأطراف السورية لتحقيق مصالحها، والتوسع في الشمال السوري، كما تستغل الأوضاع في غزة لتقضم المزيد من المناطق في سوريا".

وكشف الباحث أن: "تركيا تخطط لعمل جرف أمني كبير يتعدى حدود 50 كيلو متر في الشمال السوري، لتأمين تواجدها الأمني بزعم إعادة توطين اللاجئين السوريين من أراضيها وبناء مساكن لهم في شمال سوريا". ولفت إلى أن: "هذه الخطوة محاولة لإبعاد الكرد عن حدودها وتقطيع أوصال الجنس الكردي وبالتالي تستطيع القضاء على القضية الكردية".

وبحسب الجمل فإنه: "رغم الخلافات التركية - الإيرانية إلا إن طهران تتعاون مع أنقرة في مخططها الساعي للتخلص من القضية الكردية وإنهاءها، نظرا لما تصفه إيران بالخطر الكردي القائم سواء من الداخل أو بالحدود العراقية".

ويرى الباحث أن: " اللغط والتحرك الجيوسياسي الذي تشهده المنطقة حاليا يمثل توقيت مثالي بالنسبة لإدارة أردوغان الذي يدشن المئوية الثانية لتركيا، ويسعي لصناعة دولة جديدة يخلد بها اسمه على غرار كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية، خاصة أنه من المفترض أن هذه أخر فتراته في السلطة وبالتالي يسعى أردوغان لتوسيع مساحة تركيا الحالية وضم رقعة جغرافية جديدة ليس من سوريا والعراق فحسب بل في مناطق أخرى مثل إقليم قره باغ وأرذربيجان وأرمينيا سواء بالتواصل الاقتصادي أو غيره، وهو ما حدا به أن يمد خطوط مواصلات لهذه المناطق".

وأضاف: "كما استطاع من خلال دعم إقليم قره باغ التخلص من الأرمن في هذه المنطقة، ومد جذور التواصل مع أذربيجان، وبالتالي التوسع في هذه الرقعة الجغرافية والاقتصادية المهمة لتركيا، ومن ثم يستطيع أردوغان تجديد فكرة السلطنة العثمانية وفق لأيديولوجياته ومفاهيمه الخاصة التي يسعى لتحقيقها".

ووفقا للباحث فإنه من: "خلال هذا التمدد التركي بهذه المناطق يستطيع أردوغان أن يحقق عدة أهداف أهمها أن يقضي على قضية الكرد وحزب العمال الكردستاني بشكل مباشر، وفكرة الحفاظ على الهوية الكردية، ومن ثم التمدد نحو الشرق والغرب في أن واحد، خاصة أنه في الفترة الأخيرة استطاع أن يمد جذور التواصل مع دول الخليج مرة أخرى، والتي دعمت البنك المركزي التركي بعشرات المليارات فضلا عن الدخول في شراكات مباشرة مع دول الامارات والسعودية".

وأوضح الباحث هاني الجمل: "فضلا عن كون تركيا أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين للكيان الاسرائيلي وفتح الكيان للمجال الجوي التركي أمام اسرائيل هو أبسط دليل على ذلك، فأن الشراكة بين تركيا وإسرائيل تخدم تل أبيب فإنها تنعكس بشكل إيجابي على الاقتصاد التركي".

(ي ح)