تركيا مصرّة على تنفيذ مخططها الذي عجز داعش عن تنفيذه

لم تتقبل دولة الاحتلال التركي حتى اليوم هزيمة داعش في كوباني وإنهائه جغرافياً في سوريا والعراق؛ لأنها أداة تركيا في سوريا، وحولت المناطق المحتلة إلى بيئة آمنة لداعش، وتصرّ على تنفيذ مخططاتها عبر الهجمات المستمرة ضد المنطقة.

تركيا مصرّة على تنفيذ مخططها الذي عجز داعش عن تنفيذه
الأحد 15 يلول, 2024   04:00
كوباني

من داعش إلى الدولة التركية ومن المرتزق أبو بكر البغدادي إلى أردوغان؛ لا تكاد آلة القتل تتوقف عن إراقة الدماء، وضرب أمن واستقرار المنطقة، وتحويلها إلى منبعٍ للمجموعات المرتزقة التي تشكل خطراً على العالم.

ما إن وصل مرتزقة داعش إلى تخوم مدينة كوباني في تشرين الأول عام 2014، حتى احتشد آلاف الكرد على الحدود قادمين من مناطق مختلفة في شمال كردستان للتعبير عن تضامنهم مع المقاومة.

عشرات المقاتلين في أحياء مدينة كوباني قاوموا تمدد الخطر العالمي "داعش" في الجغرافيا السورية، وسرعان ما تحول إلى حدثٍ تعاطفت معه شعوب عشرات الدول في آسيا، وأوروبا وأمريكا اللاتينية في اتحادٍ أممي، ليعلَن الأول من تشرين الثاني، اليوم العالمي للتضامن مع مقاومة كوباني.

معركة كوباني

عُدَّ الهجوم الذي بدأه داعش في الـ 15 من أيلول عام 2014؛ من 3 محاور باتجاه مدينة كوباني، من أكبر الهجمات التي شنّها داعش خلال السنوات التي نشطَ فيها في سوريا والعراق، بمشاركة الآلاف من المرتزقة من مختلف أنحاء العالم.

حولت تركيا بوصلة داعش باتجاه مقاطعة كوباني في شمال وشرق سوريا، بعد أن أعلنت كوباني إلى جانب مقاطعتي الجزيرة وعفرين، الإدارة الذاتية في روج آفا، ما أثار سخط دولة الاحتلال التركي ودولٍ إقليمية أخرى.

لم تمر سوى 4 أعوام على تحرير مدينة كوباني، حتى أعلنت قوات سوريا الديمقراطية هزيمة داعش في البلاد عقب تدمير آخر معاقله في بلدة الباغوز بريف دير الزور شرقي سوريا على الحدود مع العراق، في آذار عام 2019، بعد عام ونصف من تحرير مدينة الرقة العاصمة المزعومة لداعش.

لم تستطع تركيا قبول انهيار حليفها داعش أمام أنظارها على يد أبناء المنطقة، حيث شنّت عدواناً على مقاطعة عفرين في كانون الثاني 2018 بعد أشهر من تحرير قوات سوريا الديمقراطية مدينة الرقة من يد داعش، وهجّرت تركيا والمجموعات المرتزقة التابعة لها مئات الآلاف من الكرد والعرب من ديارهم انتقاماً لداعش.

عاودت تركيا هجماتها، حيث أطلقت هجوماً وحشياً استهدفَ منطقتي سري كانيه/رأس العين، وكري سبي/ تل أبيض الحدوديتين، خريف عام 2019، بضوءٍ أخضر أمريكي بعد انسحاب الأخير من مناطق واسعة شمال شرق سوريا؛ الهجوم جاء بعد أشهر من هزيمة داعش في الباغوز.

داعش أداة تركيا في سوريا

لا شك في أن دولة الاحتلال التركية كانت ولا تزال أكبر الداعمين لداعش، فقد انتشرت صور جنود الأتراك وداعش يعملون معاً على الحدود التركية السورية في تلك السنوات، وحقيقة أن القنصلية التركية في الموصل قد تم نقلها إلى تركيا عبر مدينة كري سبي/تل أبيض من قبل داعش وحدها، كشفت بوضوح عن الشراكة بين تركيا وداعش.

هذا وسمحت تركيا عبر أراضيها لأكثر من 40 ألف داعشي من العبور إلى سوريا، قادمين من 110 دول حول العالم بين عامي 2014 و2016 بحسب ما أكده المبعوث الأميركي السابق الخاص للتحالف الدولي ضد داعش بريت ماكغورك خلال تغريدةٍ له على تويتر، والذي أكد أن الانسحاب الأميركي من بعض المناطق شمال سوريا "تسبب في جرائم قتل واختطاف وعمليات نهب وتهجيرٍ قسري في المناطق التي سيطرت عليها تركيا".

لم تهدأ التهديدات والقصف التركي الذي طال المناطق الحدودية السورية بهدف إعطاء دفعات معنوية لداعش في حربه المصيرية في آخر جيب له، إذ وثقت عشرات الوكالات والمحطات وأظهرت الوثائق السرية علاقة الاستخبارات التركية وداعش المتينة في خطةٍ لاحتلال مناطق في سوريا والعراق والتي باءت بالفشل.

المناطق المحتلة من قبل تركيا بيئة آمنة لداعش

رغم حديث دولة الاحتلال التركي عما تسمى (المنطقة الآمنة) في شمال وشرق سوريا؛ بالفعل أنشأت تركيا هذه المنطقة برعاية دولية عندما احتلت منطقتي سري كانيه وكري سبي، إلى جانب مقاطعة عفرين ومدن جرابلس والباب وإعزاز، لكنها مناطق آمنة لداعش لا للسوريين.

حيث قتلت القوات الأميركية في سوريا بالتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية عدداً من متزعمي مرتزقة داعش في المناطق التي تحتلها تركيا شمال سوريا؛ وينشط داعش فيها بحرية إلى جانب جيش الاحتلال التركي.

ففي تشرين الأول 2019، أدت عملية استخباراتية مشتركة بين التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية إلى مقتل متزعم داعش أبو بكر البغدادي، على بعد 5 كم من الحدود التركية في منطقة إدلب المحتلة تركياً.

وقتلت طائرةٌ مسيّرة للتحالف الدولي في الـ 23 من تشرين الأول 2021، المتزعم في داعش، صباحي الإبراهيم المصلح، أو ما يعرف بـ "أبو حمزة الشحيل" مع اثنين من مرافقيه؛ في قرية العدوانية بريف سري كانيه/رأس العين المحتلة من قبل تركيا.

وكان الرئيس الأميركي جو بايدن قد أعلن في الثالث من شباط عام 2022 أن متزعم داعش أبو إبراهيم القرشي قد فجّر نفسه خلال عملية شنتها قوات خاصة أميركية في بلدة أطمة التابعة أيضاً لإدلب المحتلة تركياً.

نشاط داعش

يواصل داعش نشاطه في سوريا والعراق، ويعمل عن طريق خلاياه النائمة على زعزعة الأمن في المنطقة والاستفادة من التهديدات التركية التي تشجعه على ارتكاب المزيد من المجازر؛ حيث أشارت تقديرات سابقة إلى وجود ما بين 4000 و6000 مرتزق داعشي في سوريا والعراق على شكل خلايا؛ عدا آلاف المرتزقة المعتقلين وعشرات الآلاف من أفراد أسرهم في المخيمات بمناطق شمال وشرق سوريا والذين يشكلون قنبلة موقوتة.

وتخلق دولة الاحتلال التركي ودعمها المتواصل لداعش والجماعات المرتزقة الأخرى، حالة من انعدام الأمن والاستقرار في المنطقة، على غرار هجوم سجن غويران في الحسكة الذي تسبب باستشهاد نحو 121 مقاتلاً في صفوف قوات سوريا الديمقراطية والمواطنين في مدينة الحسكة، وشكّل قلقاً عالمياً.

ولا تتوانى دولة الاحتلال التركي عن تهديد مدينة كوباني التي تضامنت مع مقاومتها ضد داعش شعوب أكثر من 93 دولة حول العالم، إذ تصف تركيا سكان هذه المنطقة الذين يدافعون عن أرضهم بـ "إرهابيين"، فيما شكل تحرير مدينة كوباني كانون الثاني عام 2015 الهزيمة الأولى لداعش على الرغم من المساندة التركية المباشرة آنذاك.

عقب هزيمة داعش لأول مرة في معركة كوباني رغم الدعم التركي له؛ يبقى داعش الذي يهدد المنطقة والعالم نشطاً في سوريا والعراق برعاية تركية وتجاهلٍ دولي، وتراجع مستوى الاهتمام الدولي بمحاربة "الإرهاب" المدعوم تركياً.

وأشارت تقارير سابقة إلى نقل الدولة التركية لـ 300 داعشي إلى جنوب كردستان لمحاربة حزب العمال الكردستاني، في عملية إحياء داعش من جديد في العراق، ما يكشف النوايا التركية التي تخطط لها منذ معركة كوباني حتى اليوم.

هجمات تركية ضد كوباني

توضح الأرقام الجرائم التي ترتكب دولة الاحتلال التركية بوحشية ضد المدنيين في كوباني من خلال استخدام الطائرات دون طيار.

ففي مقاطعة الفرات، وخلال 4 أعوام، وثقت وكالتنا 33 هجوماً جوياً نفذتها الطائرات المسيّرة التركية ضد المقاطعة، في مدينة كوباني ومدن صرين وعين عيسى وقرى حلنج، ومميت، وإيدقه، وعلبلور، وقومجي، وزور مغار، وكوران، والجلبية وعين بط، وبير عرب، وبير زنار وبغديك.

ونتيجة ذلك استشهد 29 مواطنة ومواطناً، وجرح 19 آخرون؛ وهم عاملون وعاملات في المؤسسات المدنية "مؤتمر ستار؛ مجلس العدالة الاجتماعية وحركة الشبيبة الثورية السورية"، و8 مقاتلين من قوات سوريا الديمقراطية، كان 3 منهم قد توجهوا إلى المدينة لتلقي العلاج، واثنان منهم في زيارات إلى عوائل؛ استهدفتهم طائرة مسيّرة، إلى جانب استشهاد 3 مقاتلات من وحدات حماية المرأة، في الاستهداف الذي وقع في قرية إيدقه جنوب مدينة كوباني في 20 نيسان عام 2022.

كما تسببت الهجمات في تدمير البنى التحتية والمرافق الحيوية وشبكات الكهرباء والمياه في مدينة كوباني.

ودعت الإدارة الذاتية في إقليم شمال وشرق سوريا مراراً وتكراراً، ما تسمى "الدول الضامنة" في سوريا، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية، إلى إيقاف الهجمات التركية ضد المنطقة، إلا أن ذلك لم يلقَ آذاناً صاغية.

وتحظر المادة 37 من البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف، 1977، قتل الخصم أو إصابته أو أسره باللجوء إلى الغدر.

وعلى الرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة الموقّع عام 1945 في سان فرانسيسكو، نصّ على أنه يُمنع على أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية من التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، فإن منظومة التتبع والمحاسبة للدول المنتهكة للميثاق، تجري حسب أهواء الدول المهيمنة ومصالحها.

وتنفق دولة الاحتلال التركي ملايين الدولارات لتطوير الطائرات المسيّرة، وبالتالي تطوير أدوات القتل، وذلك ما تشتهر به، في ظل ما تعانيه من مشكلات في إدارة البلاد والقضية الكردية، والأزمة الاقتصادية التي تعصف بها.

(ز س)

ANHA