أزمات الشرق الأوسط بين تعقيدات الحداثة وأطروحات الأمة الديمقراطية- الدكتور  طه علي أحمد

أزمات الشرق الأوسط بين تعقيدات الحداثة وأطروحات الأمة الديمقراطية- الدكتور  طه علي أحمد
الأحد 15 يلول, 2024   03:00
مركز الأخبار

 عِنْد الكتابةِ عن قضايا تتصل بِعُمْقِ الواقع السياسي والاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط، ينبغي الإشارةُ بدايةً إلى منهاجيتين من خلال إحداهما، وليس كليهما معا، فيتم تناول مثل هذه الإشكالية. تنصرفُ الأولى إلى الـ "ما ينبغي أن يكون" بمعنى الإغراق فيما يَودُّ ويأمل الكاتب أن يكون، وفي هذه الحالة يَسْرَح الكاتبُ بطموحاتِه إلى إمكانيةِ تأسيسِ واقعٍ سياسيٍ يتماشى مع الـ "يوتوبيا المُتَخَيَّلةِ" في ذِهْنِه، والمُرتبطة بطموحاته. كأن يقول مثلاً أنه انطلاقاً من أهميةِ هذه القضية للسِلمِ والاستقرار الإقليمي، ينبغي تأسيس تحالفٍ إقليميٍ للدفاعِ عن قضيةٍ إنسانيةٍ عادلةٍ كالقضيةِ الفلسطينية أو الكُرْدية مثلاً، أو يذهب إلى ضرورةِ عَقْدِ مؤتمرٍ دوليٍ لمناقشةِ سُبلِ تسوية هذه القضية أو تلك. ورُغم ضرورة مثل هذه الـ "ينبغيات" (نسبة إلى كلمة ينبغي)، إلا أن هذه المقاربة تنطلق من التحليق في فضاء الـ "غير المُمكن" في ضوء الترتيبات الإقليمية والدولية المُسْتَقَر عليها منذ تأسيس النظام أو النسق العالمي وما انبثق عنه من أنساق فرعية كالشرق الأوسط مثلاً فيما يتعلق بالقضايا الرئيسية. وهو ما يُحيلنا إلى المقاربة الثانية، التي تتنطلق من "ما هو واقع بالفعل"، أي الحديث في ضوء ذلك الواقع المحكوم بالتوازنات السياسية (ديناميات القوى والمصالح) بين القوى الدولية والإقليمية المعنية بالقضيتين الفلسطينية والكردية. فهاتين القضيتين تتصلان وما يتصل بهما من حوارٍ، وباعتبارها إفرازاً لمعطياتٍ سياسيةٍ يتداخل فيها التاريخ بالجغرافيا مع الأيديولوجيا في كافة الأحوال، يَصْعُب التعامل معهما بعيداً عن فَهْمِ السياسةِ باعتبارها "فَن المُمكن". إننا في هذا المقال آثرنا اتباع المقاربة الأخيرة التي تؤمن بأهمية، بل وحتمية، ما ينبغي أن يكون، لكنها لا تغفل أنه لن يكون إلا في ضوء ما هو واقع بالفعل.

ولأغراض الموضوعية، يتعين الربطُ بين واقعِ الأزمةِ الخانِقة والصراعات التي تَمُوجُ بها منطقة الشرق الأوسط، بظروفِ نشأةِ الدولةِ القوميةِ في المنطقة والتي لم تراعي الظروف والتكوينات الديمغرافية لشعوبها وبلدانها، بل إن هذه الإشكاليات إنما هي تكرارٌ لسيناريو شهدته الدول التي وقَعَت تحت الاستعمار، والتي أضحت عند حصولها على الاستقلال، على واقعٍ اجتماعي مُجَزَّأٍ نتيجة لتأسيس هذه "الكيانات" المُسْتَقِلّة (إسمياً)  في الشرق الأوسط، وأفريقيا أيضاً، إذ تجاهلت الحدود السياسية واقعَ شعوب المنطقة فأُقِيمَت الدولةُ وهناك شعوب تم تقطيعُ أوصالِها على الخارطةِ الاستعمارية بطرقٍ هندسيةٍ، بما يجعل بعض الجماعات العرقية والشعوب والقبائل مُنْقَسِمةً بين أكثر من بلد. ففي أفريقيا توزَّعَت القبائل على الدول عَبْر الحدود المُسْتَحْدَثة بإرادةٍ استعمارية في إطار مؤتمر برلين (1884 – 1885م)، وفي الشرق الأوسط يتوزع الكرد على أربع دول (إيران، العراق، سوريا، وتركيا)، ومنحت الأراضي الفلسطينية للحركة الصهيونية العالمية لحساب إقامة "دولة وظيفية" لخدمة مصالح القوى الاستعمارية، كما يتوزع الأذريون والبلوش بين إيران ودول وجوارها الإقليمي، وهكذا تتجذَّرُ الصراعات الراهنة بالشرق الأوسط في تاريخِ وبنية الدول القومية منذ مطلع القرن العشرين. وعليه، لم يكن للدول القومية بالمنطقة ومن بينها تركيا وإيران أن تحظى بالاعتراف الدولي إلا بعد السير في ركب الاعتراف بإسرائيل.

لقد تمحورت هذه الإرادة الاستعمارية بطبيعتها حول تأمين الهيمنة العالمية والسيطرة على واحدة من أهم المفاصل الجيوستراتيجية على الخريطة العالمية وهي منطقة الشرق الأوسط. وبعد مائة عام على تأسيس الدول القومية التي تكونت منها هذه المنطقة المحورية جغرافياً واقتصادياً بل وحضارياً، تغرق شعوبها في عدد من الصراعات والقضايا المترابطة فيما بينها. ولذلك، فإن فَهماً أعمق لهذه القضايا، يبرز أهمية الوقوف على اثنتين من القضايا الرئيسة التي تلقيان بظلالهما على أمن المنطقة واستقرارها، بل وتقفان كعثرات أمام استغلال مواردها بما يكفل تحقيق تقدم حقيقي لشعوب المنطقة؛ وهما القضية الفلسطينية والقضية الكردية.

القضية الفلسطينية

إن وقفةً أمام القضيةِ الفلسطينيةِ ومآلاتها نجد أنه رُغمَ أهمية الديناميات التي شهدها الربع الأخير من القرن الـ 19، والتي انتهت بتأسيس اسرائيل ككيان وظيفي لخدمة المصالح الرئيسة للقوى الغربية (الاستعماري) والمتمثلة أساساً في ضمان الهيمنة على المنطقة واستغلالها ثرواتها، إلا أن هذه القضية تضرب بجذورها في مراحل تاريخية أبعد  من ذلك، لاسيما  مع التحول الاجتماعي والسياسي الذي شهدته أوروبا خلال حقبة الثورات التي تزامنت مع نشوء الأفكار القومية والتي لعب اليهود دوراً مهما فيها من خلال نفوذهم ورأسماليتهم لاسيما في الثورتين الفرنسية والروسية، فقد كان الملوك الفرنسيون من الكاثوليك المتشددين في نظرتهم لليهود منذ العصور الوسطي، والحال نفسه بالنسبة للقياصرة الأروثوذكس الذين يتهمهم اليهود بلعب دورٍ فيما يصفونه بـ "إبادة اليهود". وكان الكتاب اليهود يتربصون للانتقام منهم وقد مثَّلت الثورتان الروسية والفرنسية فرصةً سانحةً لذلك. وعلى هذا لعب المفكرون وقوى رأس المال اليهودي دوراً في إرشاد حلفائهم في إطار ما عرف بـ "الثورة البورجوازية" عبر الحشد الأيديولوجي أو التحفيز على إعدام الملكيين بل تطورت الثورتان في كنف هيمنة البورجوازية. وفي هذا السياق جاء دور اليهود في حروب القرن التاسع عشر ودعمهم لمشروع الدولة القومية الانجلوسكسونية وللحداثة الرأسمالية وصولاً لإنهيار الإمبراطورية العثمانية وتطيبق مقررات المؤتمر الصهيوني عام 1896م الذي اعترف بفلسطين وطناً لليهود، فسيطر أعضاء جمعية تركيا الفتاة ومؤسسوا جمعية الاتحاد والترقي على الحكم ونجحوا في الانقلاب على الملكية العثمانية في 31 مارس 1909 تماماً كما فعلوا مع الملك الفرنسي والقيصر الروسي.

وعلى هذا، لم تكن إسرائيل مجرد دولة قومية يهودية فحسب بقدر ما كانت حلقة محورية في سلسلة الترتيبات التي تشكلت بموجبها منطقة الشرق الأوسط بداية من انعقاد المؤتمر الصهيوني 1896م، والانقلاب على السلطان عبد الحميد والإطاحة به في 31 مارس 1909، واستيلاء جمعية الاتحاد والتركي على السلطة بانقلاب 23 كانون الثاني 1913، ودخول العرب  الحرب العالمية الأولى كأمر واقع في 1914، وتقسيم الشرق الأوسط بين انجلترا وفرنسا بناءً على اتفاقية سايكس – بيكو، ووعد بلفور بتأسيس وطن يهودي في قلب فلسطين سنة 1917، وقيام الدولة القومية التركية، والمجازر الكردية 1925 – 1938، والإعلان رسمياً عن إقامة إسرائيل  بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 1818 لعام 1947، ودخول تركيا حلف الناتو 1952 وسلسلة الانقلابات التي تعرضت لها في أعوام 1960، و1971، و1980، و1997، وصولاً إلى الإتيان بحكومة حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا عام 2002، وحرب الخليج الثانية 1991، واحتلال أفغانستان 2001 والعراق 2003 وغيرها من الأحداث التي تتمحور في مجملها في حول ضمان أمن إسرائيل. وبالتالي، فما كان إنشاء إسرائيل إلا مؤشراً على تصاعد الهيمنة الأنجلوسكسونية على الشرق الأوسط، وفي هذا السياق أيضاً تم الدفع بالقومية الإسلامية المعتدلة في تركيا كسبيل لإزالة ما تعتبره الدول الغربية خطراً تحمله القومية الفارسية الإيرانية أو القومية العربية من طريق إسرائيل.

القضية الكردية

في ذات سياق القضية الفلسطينية، تقف القضية الكردية في آتون التفاعلات الدولية وظلالها الممتدة في الشرق الأوسط، بما لها من أهميةٍ الجيو – استراتيجية أو الجيو – اقتصادية لدى للقوى العالمية على مدار القرنين التاسع عشر العشرين. فقد تشكَّل الموقفُ الأوروبي تجاه القضية الكردية في ضوء الصيرورة التاريخية التي تضرب بجذورها في آتون الصراع بين العثماني الصفوي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكانت من أهم نتائج هذا الصراع إضعاف الامبراطوريتين العثمانية والصفوية مما فتح الآفاق لتكالب القوى الغربية نحو السيطرة على الشرق الأوسط، لاسيما بعد بروز نابليون بونابرت على المسرح السياسي لأوروبا، فجاءت الحملة الفرنسية على مصر (1799 – 1801م)،  ثم تقارب فرنسا وبريطانيا مع إيران لمواجهة روسيا القيصرية، ثم الاحتلال البريطاني لمصر في 1882م لمدة سبعين عاماً، وصولاً إلى تقسيم مناطق تواجد الكرد (كردستان) بين أربعة دول (تركيا، وإيران، والعراق، وسوريا)، لتترسخ القضية الكردية مع إقامة الدول القومية (الفارسية والتركية والعربية) التي أسهمت في تأسيسها الدول الأوروبية، وعلى هذا تصبح أوروبا هي "بيت القصيد" في القضية الكردية التي عقَّدتها "سياسات التقسيم" للدول الاستعمارية، والتي شملت تقسيم فلسطين بموجب القرار 181 لعام 1947م، وكذلك تقسيم  الأراضي الكردية بين أربعة دول (تركيا وإيران وسوريا والعراق)، وكانت معاهدة "لوزان" (1923م) قد صاغت الملامح الرئيسة للقضية الكردية على مدار المائة عام التالية، إذ قضت على حقوق الكرد في إقامة أي كيان سياسي خاص بهم بما يخدم مصالح القوى الدولية التي تصارعت فيما بينها للاستحواذ على الممتلكات العثمانية، وبخاصة روسيا القيصرية التي كانت قد اهتمت بهندسة وضع الأكراد لصالحها وخصوصاً خلال الحرب الروسية – التركية (1928 – 1829)، وخلال حرب القرم (1853 – 1856) لاستمالة الأكراد لجانبهم أو على الأقل لتحييدهم و عدم استخدامهم ضدها.

وفي هذه الأثناء، كان الاهتمام البريطاني بالمناطق الكردية قد تزايد مع بروز أهميتها النفطية مع مطلع القرن العشرين، فعملت على إحكام السيطرة على زمام الأمور بهذه المنطقة بهدف خلق ضمانات تأمين استمرار تدفق النفط، على اعتبار أن المنطقة الكردية تقع بمحاذاة إحدى أكبر الاحتياجات النفطية في العالم، فاتبعت بريطانيا العديد من الأساليب للعب دور هام في المسألة الكردية واستغلالها لتحقيق أهدافها في الشرق الأوسط، حيث سعت لتعبئة الكرد ضد روسيا واستمالة العديد من الزعماء الأكراد لجانبها، كما سعت لتأليب العشائر الكردية على بعضها البعض من خلال استمالة بعض الزعامات القبائلية الكردية وتقوية نفوذهم، وبرزت أيضاً فكرة استخدام البدرخانيين ضد الكماليين وهي الفكرة التي اقترحها الرائد نوئيل الذي قام بزيارة عدد من الزعامات العشائرية سنة 1919 وقدم لهم وعوداً بحل المسألة الكردية لكن بريطانيا كالعادة نكثت بوعودها لصالح الحركة الكمالية خلال مؤتمر الصلح الذي أسفر عن معاهدة لوزان.

ولم تتردد بريطانيا في تقديم الدعم للحكومة الإيرانية لدعم الحكومة الإيرانية في مواجهة تجربة إقامة دويلة كردية تحت مسمى "جمهورية مهاباد" بزعم أنها مدعومة من الاتحاد السوفيتي، إذ رأت لندن وواشنطن أن نجاح هذا الكيان الكردي الوليد من شأنه أن يعزز نفوذ السوفيت في إيران التي كانت تتفتح فيها آفاق الثروة البترولية. كما تشير الوثائق أن بريطانيا لعبت دوراً في القضاء على جمهورية كردستان في إيران من خلال تقديم المشورة للحكومتين الإيرانية والعراقية، ففي كانون الأول من عام 1946، وقبل بدء هجوم القوات الإيرانية على مهاباد رتَّب الدبلوماسيون البريطانيون لقاءً بين قادة من الجيش العراقي والقادة العسكريين الإيرانيين لتنسيق الجهود بينهم إذا وقعت المعارك، وقد تم التوقيع آنذاك على "الاتفاقية الاقليمية ضد جمهورية كردستان، بإشراف بريطانيا. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية لصالح دول "الحلفاء" بقيادة بريطانيا والولايات المتحدة تركز دور القوى الغربية المنتصر في إضعاف جمهورية كردستان إيران وتقوية الحكومة المركزية في إيران لجعلها حليفاً استراتيجياً لهم بالمنطقة لتعود مناطق كردستان كما كانت عليه قبل الحرب. وعلى هذا، فقد تأسس الموقف الأوروبي من القضية الكردية في ضوء الوقائع التاريخية التي كرست الواقع الحالي.

النخب القومية وأزمة الاندماج الوطني

لا تنفصل المُشكلات الراهنة عن السياسات التي اتبعتها أنظمةُ الحُكمِ في دول الشرق الأوسط منذ حصولِها على الاستقلال، وقد ارتكزت هذه السياسات على شعاراتٍ قوميةٍ مُتَشَدِّدَةٍ؛ ففي تركيا مثَّلت سياسات التتريك، بمعنى فرض الهوية التركية بأساليبٍ قَسْريةٍ، عنواناً رئيساً لمشروع بناء الدولة بداية منذ عام 1923م، وقد استهدفت هذه السياسات المُكَوِّن الكردي رُغم مشاركتهم في حرب الاستقلال (19 – 1923م)، وقد توالت الإجراءات الرامية لطمس الهوية الكُردية وتوحيد الجميع تحت رايةِ الهوية التركية، والتي مثَّلت "الطورانية" عمودها الفقري بنزعتها الإقصائية. والحال نفسه بالنسبةِ للدولة الإيرانية من خلال سياسات "التفريس"، التي جعلت المجتمع الإيراني يتربَّع على بركانٍ هوياتي، لاسيما وأن كافةَ المكونات العرقية الأخرى، ما دون الفارسية، كالعرب والكُرد والبلوش والأذريين وغيرهم، يخوضون مَسيرةً نضاليةً للحصول على حقوقهم الثقافية والدفاع عن نفسهم أمام تطرف الحكومات الإيرانية المتعاقبة في إطار سياسات التفريس. كما لا يختلف الأمرُ – أيضاً – عن سياسات التعريب التي انتهجتها الدول العربية عقب استقلالها من خلال ممارسات حزبَيِّ البعث في سوريا والعراق، وكذلك التعريب الذي تطرفَّت النظمُ الحاكمة في تطبيقه ضد المكون الأمازيغي في المغرب وتونس والجزائر وليبيا التي وصل فيها الحال إلى إنكار وجود الأمازيغ بالأساس طوال فترة حكم معمر القذافي، إلى أن أضحت هذه البلدان على شَفا صراعٍ هوياتي تجلَّى في المُطالبة بحقِّ تقرير المصير في المغرب (منطقة القبائل)، والجزائر (إقليم القبائل)، وليبيا (إقليم برقة).

ورُغم انحياز النظم السياسية التي رفعت شعارات القومية منذ الاستقلال، ورغم سياسات التعريب، إلا أن الهوية العربية ذاتها قد تاثَّرت سَلباً بسبب  "التوظيف السياسي" لها لخدمة مصالحها الضَيِّقة، وقد ترتب على ذلك أن عانت المنطقة من فراغٍ هوياتي وتيهٍ ثقافيٍ بعد زوال هذه النُخَب، حيث أضحت المنطقة بصدد تنافسٍ بين عددٍ من المشروعات الهوياتية مثل مشروع العولمة Globalization والمشروع التركي، والفارسي، والصهيوني. وبعبارة أخرى، فنتيجة لفشل مشروع الاندماج السياسي والاجتماعي للنخب القومية، لاصطدامه بالجهوية وقوة الولاءات الفرعية تَعَمَّقَت المشاكل التي تمر بها هذه النظم لاسيما وأنها في غالبيتها عجزت عن تبني ديمقراطية تعددية من شأنها مصالحة التعددية المجتمعية، وذلك عبر دمج الجماعات المتنوعة، والتي طالما تم اقصاؤها تاريخياً، في بَوتَقة المواطنة والانتماء الوجداني للوطن المشترك. وفي هذا السياق، كان طبيعياً أن تتراجع لدى الشعوب مشاعر الانتماء والمواطنة والولاء. وما الأزمات التي اجتاحت المنطقة منذ عام 2011م، في غالبية بلدان ما اصطلح عليه بـ "الربيع العربي"، ومن قبلها العراق منذ 2003م، إلا تجلِّيات لأزمة الهوية المترتبة على إخفاقات النخب القومية الحاكمة في تحقيق اندماج وطني حقيقي.

وبطبيعة الحال لا تنفصل القضيتان الكُردية والفلسطينية عن هذا السياق؛ فلو أن ثَمَّةَ إرادةٌ غربية لحل إشكاليةٍ عميقةٍ كالقضيةِ الكُردية لَتَم ذلك بالفعل، إلا أنه نظراً لارتباط هاتين القضيتين بتوازنات القوة واتجاهات المصالح، فقد غابت الإرادةُ الحقيقةُ من جانب المجتمع الدولي، ولم يتوفر صوتٌ مُوَحَّد للتعامل بجدية مع هذه القضية. فما تضمَّنَته معاهدة "سيفر" 1920م من مَنْحِ "بعض الحق" في تأسيس كيانٍ سياسيٍ في نطاقٍ جغرافيٍ مُحدد، إنما كان مشروطاً بتوازن القوى والمصالح الأمر الذي يؤكده انقلاب الأتراك على معاهدة سيفر، حيث فرضت نتائج الحروب التي قادها مصطفى كمال أتاتورك، تحت مُسَمَّى "حروب الاستقلال" صياغة معاهدة لوزان 1923م، التي انقلبت جذريا على سيفر ونسفتها، رغم مشاركة الكُرد في هذه الحروب أملاً في الحصول على مُكتسبات بشأن حقوقهم الثقافية والسياسية ...إلخ. وبعبارةٍ أخرى، فإن غياب الإرادة الدولية المرهون بمصالح القوى العظمى إنما يعكس أحد العوامل الرسمية في عدم حَلِّ الصراعات المُزْمِنَة في الشرق الأوسط كالقضية الفلسطينية والقضية الكُردية وغيرها، وهو ما يؤكده تغافل الدول الغربية عما تقوم به السلطات التركية "تتريك قسري" للمناطق التي يتواجد بها الكُرد في شمال غرب سوريا، أو الموقف الدولي المنحاز – بشكلٍ مُطلق – جرائم الحرب التي تمارسها السلطات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.

وعليه، فقد أفضت السياسات المُتبعة لتعزيز الاندماج الوطني في الشرق الأوسط في مسارٍ مُتعرجٍ غَلَب عليه الطابع الصراعي والقمعي الأمر الذي يُفَسِّر المدركات السلبية المُتَجَذِّرة بين شعوب المنطقة. وبعبارة أخرى، يُمكن إرجاع التعقيدات التي تشوب العلاقات الكردية العربية وكذا الأمازيغية العربية وغيرها، بجانب عوامل أخرى،  إلى ممارسات الُنَخب الحاكمة التي رفعت شعارات القومية بتشدد من خلال التفريس والتعريب والتتريك كما سبقت الإشارة.

بعبارة أخرى، فقد أهدرت النُخَب القومية الفرصة التاريخية لأن تُكَوِّن حركةً مُناهضةً للنعرات القبلية، والاستعلاء القومي، والتعصب والطائفية، وكغيرها من مظاهر التطرف القومي الذي تزخر به المنطقة، إذ كان من المأمول أن تبدو القومية العربية كميدان للتلاقح مع القوميات الأخرى كالكُردية والأمازيغيه وغيرها، وذلك إطار الدولة القومية التي قامت في الشرق الأوسط كعامل قوةٍ ومصدرٍ للخصوبة والثراء الفكري وتنوع الثقافات.

ولهذا، فمع الانفجار الذي طرأ على مجتمعات الشرق الأوسط خلال العقد الأخير بين انتفاضات شعبية أعقبها هزَّات أمنية أحدثت تغيرات هيكلية في بنية العديد من دول المنطقة، وقد ارتبط هذا الواقع بسلسلةٍ من المؤامرات الخارجية التي دُبِّرَت بواسطة قوى خارجية في مجملها، فما بين بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة فيما بعد وصولا إلى مسارات حل جينيف وأستانا بخصوص الأزمة السورية ، ومؤتمرات باريس وبرلين بخصوص الأزمة الليبية، بين هذا وذاك تجسَّدت كافة مسارات تسوية أزمات الشرق الأوسط في مبادرات خارجية، وقد غاب أو غُيِّبَت المبادرات النابعة من كيانات وجهات إقليمية مثل جامعة الدول العربية التي فشلت في احتواء الأزمات لتنتقل إلى المؤسسات الدولية. بين هذا وذاك غابت أو غيبت عن خريطة أزمات المنطقة منطق "أهل مكة أدرى بشعابها".

الأمة الديمقراطية وتجاوز أزمات الشرق الأوسط

إن الغياب الواضح لمبادرات الإصلاح في الشرق الأوسط تؤكده استثناءات مُتَمَثِّلة في إطروحات تخرج من رحم منطقة الشرق الأوسط يمكن الإشارة إلى واحدة منها من خلال اجتهادات القائد والمفكر الكردي عبد الله أوجلان تحت مُسَمَّى "الأمة الديمقراطية"، وهو طرحٌ راعَى فيه أوجلان تجاوز الأطر التقليدية لتناول أزمة الشرق الأوسط حيث وسَّعَ نطاقَ تحليله زمانياً ومكانياً. فأوجلان يرجع أزمات المنطقة إلى خضوع البشرية لهيمنة "المدنية" والابتعاد عن جوهر الطبيعة التقليدية للجغرافيا الثقافية للمنطقة، وبالتالي تتوسط قضايا المنطقة الأزمة الأكبر التي تعيشها الإنسانية والتي طغت فيها الطبيعة التَسَلُّطية للهيمنة الذكورية على المرأة سواء على مستوى الأسرة كبنيةٍ تحتيةٍ للمجتمع أو مستوى السلطة السياسية والاقتصادية بشكل عام.

وفي هذا السياق يقول أوجلان أنه لطالما لعبت المدنية دوراً رئيساً في الثقافة الشرق أوسطية ذلك أنها ارتبطت بالسلطة المتمركزة والمتفاعلة في إطار علاقة جدلية ترمي إلى بَسْطِ الهيمنة على الشرق الأوسط كمنطقةٍ محوريةٍ جغرافياً واقتصادياً وحضارياً. وقد ارتبط شكل الهيمنة بوجود بؤر للقوى المحلية التي اتخذت تاريخياً إما إمارات ريفية أو هرميات عشائرية وقبلية أو دويلات مدينية. وقد دخلت هذه الوحدات في حروب لمضاعفة الحصة فيما بينها وهو ما أسفر عن أشكال معينة ترسم الحدود التي تشكل فيما بعد حدود السلطات المحلية. ومع اتساع نطاق هذه السلطات المحلية تصبح بصدد التصادم والمواجهة مرة أخرى والتي تتأثر بدورها بشكل التقنيات السائدة من الأسلحة وأنماط اقتصادية وثروات مادية وبشرية وطموحات متسعة.

ويقدم أوجلان مفهوم "الأمة الديمقراطية" كبديل عصري يَتَشَكَّل في إطاره المجتمع الذي يختفي فيه التهميش والاستهلاك الاجتماعي. ففي إطار هذا المجتمع لا تُعَدُّ الجغرافيا ولا اللغة بين مُحَدِّدات الأُمَّة؛ ذلك أنها أمةٌ تقومُ على التنوعِ وإدارته بطريقةٍ ديمقراطية. وكسبيلٍ لجعل هذا المفهوم، أو ذلك الطرح، إنسانياً، ليس حكراً على جماعةٍ أو فئةٍ بعينها، يسعى أوجلان لِدَمْجِ المكونِ الكُردي في مُحيطةِ البشري (الإنساني) في إطارٍ تكاملي. فالعنصر الكردي، كما يرى أوجلان، يمكنه العيش المُشتَرك مع التعدديات والأقوام المختلفة استناداً لمفهوم "الأمة الديمقراطية"، مع تمكين كافة مكونات المجتمع من العيشِ في ظِّلِ حرية ممارسة الثقافة واللغة. وعلى هذا تتشكل الأمة الديمقراطية في نموذج تندمج خلاله اللغة مع الثقافة. فاللغة ما هي إلا الإرث مجتمعي للذهنية والأخلاق والجماليات والعواطف والأفكار التي اكتسبها مجتمع ما، وهي الهوية واللحظة التي يدرك بها ذاته، وبالتالي فكلما ارتقى مستوى اللغة، زاد تقدم الحياة. في حين تتشكل الثقافة من مجموع كينونات المعاني التي كونها المجتمع البشري على مدار تاريخه، فالثقافة تعكس مضمون المعاني المتنوعة والمترابطة ضمن كافة أشكال المؤسسات بالمجتمع.         

ما الحل؟!

أمام ما سبق يبقى السؤال الأهم: ما دامت المبادرات التي فرضتها القوى الخارجية قد فشلت في معالجة أزمات الشرق الأوسط، فما الذي يمنع تبني مبادرات تنبع من عمق المنطقة؟ وبعبارة أخرى، ما الذي يحول دون تبني أطروحات من البيئة الشرق أوسطية مثل "الأمة الديمقراطية" التي يقدمها عبد الله أوجلان نحو تَبَوأِ مكانتها بين مساعي تجاوز أزمات المنطقة لاسيما في ظل الانفجار التي تعيشه الأراضي الفلسطينية، وكذا الاستنزاف المستمر الذي يتعرض له الكرد بواسطة القوات التركية في سوريا والعراق فضلاً عن الخناق الذي تفرضه السلطات الإيرانية على أكراد ايران؟

هنا يمكن القول بأن الإرث الذي خَلَّفَته قوى المدنية والاستعمار الغربي في البنية الذهنية لشعوب الشرق الأوسط تقف بدورها كحائلٍ دون تبني أطروحة "الأمة الديمقراطية" التي تتأسس على أرضية "الذهنية الديمقراطية المشتركة" التي تتجاوز خلالها الشعوب تبايناتهم العرقية واللغوية والسياسية ...إلخ لتتشكل من خلال أمةٍ تؤمن بالثقافة الديمقراطية بشكل يتجاوز الإجراءات والترتيبات الشكلية التي دأبت على ترسيخها القوى الغربية بعيداً عن تعميقها في ذهنية الشعوب. فلا حرية حقيقية للاختيار تقف في مقدمة أولويات النخب المدنية، ولا نهضة حقيقية لشأن المرأة بعيداً عن وضعها في إطار "السلعة" والدوران في فلك حرية الجسد وهو ما دأب أوجالان على نقده بعمق في أطروحاته.

وعلى هذا، تبقى الذهنية المشتركة هي حجر الزاوية والميدان الأساس لتبني "الحل الديمقراطي" الذي يتجاوز حدود التنوع والتعددية وتعقيداتها التي تعمق أزمات الشرق الأوسط. وأخيراً، فمن غير المتوقع أن تعرف القضية الفلسطينية ولا الكردية سبيلاً للتسوية الحقيقية بعيداً عن ذهنية قبول الآخر، والتخلص من ذهنية الهيمنة والتسلط والإقصاء التي تجذرت في الممارسات المتطرفة من جانب القومية الصهيونية في إسرائيل والطورانية في تركيا والفارسية في إيران والعربية في عموم دول الشرق الأوسط.

دكتور  طه علي أحمد: باحث في شؤون الشرق الأوسط وسياسات الهوية.