بيريتان.. ملحمة بطولية عنوانها الدفاع عن نهج المرأة الحرة

أضحت بيريتان روحاً وفكراً وحقيقة اليوم، ورمزاً ومثالاً يقتدي به جيش من المقاتلات، وأظهرت قوة المرأة الحقيقية في التنظيم والحرب والحياة، عبر مفهومها وعشقها للحياة، إنها ملحمة خالدة.

بيريتان.. ملحمة بطولية عنوانها الدفاع عن نهج المرأة الحرة
الثلاثاء 24 تشرين الأول, 2023   23:29
مركز الأخبار
أحمد سمير

دوّنت القيادية بيريتان بعمليتها الفدائية اسمها خالداً في صفحات تاريخ الشعب الكردي المشرق، ورسخّت باستشهادها مفهوم المرأة الحرة، المرأة القوية الجريئة التي أبت الاستسلام والخنوع لأعدائها.

ولدت بيريتان هيفي (كلناز قره تاش)، تلك الشجاعة عام 1971، في مدينة ديرسم المعروفة بمقاومتها والخالدة في الذاكرة الكردية والتي دائماً ما كانت مسرحاً للمذابح وعمليات القتل الجماعي ضد الشعب الكردي في 1937/ 1938، بشمال كردستان.

درست الابتدائية والإعدادية في مدينة آل عزيز، وأكملت دراستها الجامعية في إسطنبول، وهناك تعرفت على الأفكار الثورية وبدأت أولى رحلاتها بحثاً عن الحقيقة والحرية.

اتسمت بذكائها الحاد، وعُرفت بتفوقها في دراستها في كلية الآداب قسم اللغة الإنكليزية، كانت مُحِبة للقراءة ومطالعة الكتب، وتميزت بقوة شخصيتها وإرادتها الفولاذية التي لا تلين.

ذهبت لتحلّق عالياً نحو سفوح جبال كردستان عام 1991، بعد تعرّفها على حركة حرية كردستان، وامتازت بقدراتها وكفاءاتها العالية في القيادة والإرادة، واستطاعت بعد وقت قصير من انضمامها أن تحطم قيود وسلاسل العبودية والعقلية الذكورية المسيطرة على المجتمع.

برز دورها البطولي في توعية المرأة على أساس الفكر الحر الخالي من الشوائب والعبودية، لا تهاب ما يعترض مسارها، تزرع روح الإرادة والمحبة أينما وُجدت، وعرفت بأنها تزيل الخوف من قلوب رفيقات ورفاق دربها.

وهي مثال اقتدت به النساء، بسبب قدرتها على مواجهة الصعاب، وأصبحت قائدة وأشرفت على تدريب مجموعة من المقاتلات، وساهمت بشكل كبير في تجييش المرأة.

كل ذلك لم يأتِ من فراغ، فقد واجهت المناضلة بيريتان تعقيدات من الناحية الذهنية، وذهبت تصارع مواقف الرجل السائدة آنذاك، والقائمة على رفض وإنكار الآخر، ومفهوم طرد المرأة من صفوف النضال، فحطمت بيريتان النظرية التي تقول: "لا تستطيع المرأة أن تحارب دون الرجل، لا يمكن للمرأة أن تعيش على الجبال وتقاتل لوحدها، المقاتلات عبء على أكتافنا".

وراحت تثبت أن النظرية القائلة إن "المرأة ضعيفة ولا تملك القوة"، التي تحطّ من شأن المرأة خاطئة، وفي ردها على ذلك وضعت المناضلة بيريتان معايير جديدة للحرب من أجل حياة كريمة وحرة، بعيدة عن الخنوع والاستسلام للذهنية الذكورية من جهة، ونهج الخيانة الذي يقوده الحزب الديمقراطي الكردستاني في كردستان من جهة أخرى، وحاربت مع رفيقات دربها لوحدهن في عمليات عسكرية نوعية ضد جيش الاحتلال التركي ونسفت تلك المفاهيم.

أثبتت أن المرأة توجد بحربها، وفي الحرب تخلق حقيقتها، وأن المرأة التي تتحرر بحربها ونضالها تُعشق أكثر، والمرأة التي تحارب من أجل أفكارها ليس لها أن تخاف، وقادرة على المحاربة وحدها في أقسى الظروف، إذ تشير القيادية بيريتان: "لا توجد امرأة ضعيفة، هناك امرأة تم سلب قوتها".

حملت مهاماً صعبة على أكتافها، ناضلت بعزم ضد الذهنية الأبوية، وخاضت الحرب ضد خيانة الحزب الديمقراطي الكردستاني، في مرحلة عصيبة وحساسة في تاريخ حزب العمال الكردستاني.

وجّهت القيادية بيريتان كتيبتها المشكّلة من المقاتلات فقط إلى المعركة، وحاربن ضد هجمات تركيا وإيران والحزب الديمقراطي الكردستاني، الذين أبرموا اتفاقاً مشتركاً لإنهاء حركة حرية كردستان.

ومنذ ذلك الحين، لا يتوانى الحزب الديمقراطي الكردستاني عن أن يصبح وقوداً للنيران التركية، كذلك لا يكفّ عن التواطؤ والتعاون مع دولة الاحتلال التركي في معاركها الخاسرة لمواجهة حزب العمال الكردستاني.

في 23 تشرين الأول 1992، اشتدت المعارك بين قوات الكريلا والخونة، وبعد استشهاد جميع رفاقها، حوصرت المناضلة بيريتان من قبل مسلحي الحزب الديمقراطي الكردستاني في 25 من الشهر نفسه، فلم يبقَ أمامها سوى أن تثبت للخونة شجاعة المرأة الحرة وقوتها، لم ترهبها غطرستهم، بل قاومت ودوّنت في مثل هذا اليوم تاريخاً مشرّفاً ومشرقاً للكرد، شكّلت ملحمة جديدة لنضال المرأة مجرداً من الخوف والاستسلام.

قاتلت بيريتان حتى الرصاصة الأخيرة، وبعد نفاد ذخيرتها حطمت سلاحها، طلب مسلحو الحزب الديمقراطي الكردستاني منها الاستسلام حينها، وقالوا إنهم لن يلحقوا بها الأذى لو استسلمت.

خاب الغزاة وقبحت وجوه الخونة من الكرد، عندما ردّت عليهم بيريتان وقالت: "أنتم تحالفتم مع العدو، أنتم خونة، أنتم من عليكم الاستسلام لنا"، وبجسارة وكبرياء ألقت بنفسها من فوق قمم خاكورك العالية، وهي تصرخ "لا للخيانة"، اختارت أن تحلّق نحو الحياة الحرة، ورفضت أن يُحكم عليها بالموت.

صدى صراخها الذي انتشر في كردستان كان يدعو الكرد إلى تحقيق الوحدة الوطنية، هذه الصرخة برهنت مدى جدارة القوة التي تتحلى بها المرأة الكردية، وأثبتت أن الإرادة كفيلة بتحقيق النصر، هذه الصرخة بمثابة رسالة "أنا امرأة لا تنكر وجودي، أنا امرأة قادرة على القتال والتضحية بروحي"، ويذكرنا هذا الصراخ بالكردي الذي يقول: "ها أنا هنا لا تنكروني على أساس هويتي منذ ألف عام".

بعد استشهادها وقيامها بالعملية الفدائية، أمست بيريتان روحاً وفكراً وحقيقة، هي ملحمة خالدة، أضحت اليوم رمزاً ومثالاً يقتدي به جيش من المقاتلات، وأظهرت عن قوة المرأة الحقيقية في التنظيم والحرب والحياة، عبر مفهومها وعشقها للحياة.

جاءت هذه العملية لتكون بمثابة انتقام للذهنية الرجعية المنكرة لحقوق المرأة وجهودها، وأثبتت تعاظم قوة المرأة وعزمها على النضال والبحث عن الحرية، فقيامها بهذه العملية كقيادية على الرغم من عدم مضيّ عام على انضمامها، مؤشر على إدراكها وحسّها الوطني لحقيقة قيادة المرأة للمرحلة.

(ك)

ANHA