الجنولوجيا ضد الهيمنة الأبوية

يكافح العنف في شمال وشرق سوريا بقوة وترتكز مكافحة العنف على نقطتين رئيستين، فإلى جانب محاربة نظام الهيمنة الأبوية، تُنظّم عقليّة حرية المرأة أيضاً.

الجنولوجيا ضد الهيمنة الأبوية
الجمعة 24 تشرين الثاني, 2023   03:31
قامشلو

في الذكرى السنويّة الـ 63 لإعلان اليوم العالمي لمناهضة العنف ضدّ المرأة، تتعدّد أشكال مكافحة هذا العنف وتتعزز في كردستان والعالم، فقد زاد عصر المعرفة والتكنولوجيا من محاربة العنف ومكافحته. ويستخدم نظام الهيمنة الأبوية كل العلوم والتكنولوجيا كأداة للعنف، وفي المقابل، ينتشر نهج النضال في سبيل حرية المرأة والمجتمع وينتظم ليتحول إلى عمل مؤسساتي.

يشهد العالم يومياً، ممارسة عقلية الهيمنة الذكورية لمختلف أشكال العنف السياسي والأيديولوجي والجسدي والأسري والجنسي والإلكتروني والثقافي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي وغيره على المجتمع، ويُمارس هذا العنف في كردستان بشكلٍ أعمق، فبالإضافة إلى أشكال العنف هذه، تستخدم القوى الاحتلالية العنف الأيديولوجي والاضطهاد كوسيلة رئيسة في الحرب الخاصة.

وتخوض الحركات المناصرة للديمقراطية والحرية، والحركات النسائية والثورية في جميع أنحاء العالم كفاحاً مستمراً ضد العنف، لكن شبكة وعي وتنظيم الحرية تنتشر أكثر بقيادة حركة حرية المرأة الكردستانية وتصبح حيوية، لا سيما في شمال وشرق سوريا، إذ اتخذت مع ثورة 19 تموز، خطوات مهمة جداً.

الكفاح المتعدّد والمتنوع

ترتكز مكافحة العنف في المنطقة على نقطتين أساسيتين، الأولى والأهم هي بناء عقلية ديمقراطية وحرّة، أما الثانية فتكمن في تطبيق هذه العقلية وهذا الوعي والقضاء على نهج العنف.

وتتنوّع الأعمال الفكريّة تحت مظلّة جنولوجيا وتتعدد وتتعمق، إذ تحوّلت جنولوجيا القائمة على أفكار القائد عبد الله أوجلان لعلم وأصبح لها نظامها وهيكلها الخاص، إذ تجري الأبحاث والدراسات وتصل للاستنتاج من جهة، وتقوم بإعداد المواد والمناهج التعليمية من خلال إنشاء مؤسسات نشر هذا الوعي وهذه العقلية، من جهة أخرى.

الهيمنة الأبوية والذكورية

تهتمّ جنولوجيا بالاستنتاج والتعريف وتضع الحلول وفقاً لهذه الاستنتاجات وإحدى أهم الأبحاث والاستنتاجات التي تقوم بها، هي تلك المتعلّقة بمفاهيم الهيمنة الذكورية والأبوية، وتمّ تعريف الهيمنة الأبوية على أنّها أساس العنف وتشمل جميع أشكال العنف، وهذا العنف لا يطال المرأة وحدها بل يطال الرجل والمجتمع بأسره أيضاً، وحسب تعريف علم جنولوجيا، فإنّ الهيمنة الذكورية تأتي في نطاق ضيق، فهي تمثّل نهجاً مناهضاً للمرأة ويمكن تغيره وتصحيحه.

ويُسمّى أي فعل أو تصرف خارج عن إرادة المرأة عنفاً، إذ يندرج التحرش، والاغتصاب، والإذلال، والشتم، والقتل، والطرد من العمل، والتجسس وتطبيع هذه الممارسات تحت مسمى العنف، ويُشار إلى أنّ للعنف أشكال عدّة، كالعنف الجسدي والنفسي والمادي والجنسي والأسري والسياسي والإلكتروني والاجتماعي.

عقلية الهيمنة.. التمييز الجنسي

يُعرّف العنف ضد المرأة واستعبادها واستغلالها وإخضاعها على أنه أول شكل من أشكال العنف على مرّ التاريخ، لذا وُصف التعصب الجنسي أو التمييز الجنسي بأنه أول أيديولوجية للهيمنة، وتطور معه عقلية التعصب الديني والتعصب القومي والتعصب العلمي، لذا يُعدّ إخضاع المرأة والتحكّم بها، إخضاعاً واستعماراً للوطن والمجتمع.

وفي هذا السياق، يُستنتج أنّ تحرير بلد ما من الاحتلال لا يعني الوصول إلى الحرية والقضاء على العنف، فإن لم يتم تغيير العقلية مع تحرير الوطن فإنّ العنف يستمر بأشكال وأساليب مختلفة، لذا هناك حاجة إلى كفاح أكبر، فلا يمكن حلّ المشكلات ببعض القرارات والقوانين، ولذلك هناك حاجة إلى التوعية.

وفي هذا الإطار، تمّت دراسة المسيرة التاريخية لعقلية الهيمنة الأبوية، وجرى طرحها ومناقشتها اعتماداً على أمثلة ونماذج مختلفة في كردستان والعالم، وبناءً على ذلك، تعرّضت المرأة على مرّ التاريخ لأربعة عمليات كبرى، فخلال العملية الأولى، جعلوا المرأة عبدة للمنزل، وخلال الثانية، جعلوها أداة للجنس، وخلال الثالثة أنكروا جهود المرأة ولم يمنحوها مقابل عملها وهمّشوها اقتصادياً، وفي الرابعة، استُغلّ جسد المرأة كأداة هشّة إذ أصبحت المرأة تستخدم في جميع المجالات (السياسة، والاقتصاد، والجنس، والتكنولوجيا، والدعاية والإعلان، والفن، والرياضة) كأداة.

الذات

تمّ في علم جنولوجيا، وبناءً على هذه الأبحاث والاستنتاجات، تحديد طرق حل المشاكل وأساليب بناء الإرادة، والمعرفة والوعي، وعلى هذا الأساس، ذُكر مفهوم الذات الذي يسلّط القائد عبد الله أوجلان الضوء عليه في مرافعاته، كمفهوم رئيس، ويُشرح مفهوم الذات على أنّه يعني معرفة الذات والتمتّع بالإرادة والانتماء للنفس، وبناءً على هذا، عُرّفت مكافحة العنف على أنّها كفاح فكري، إذ يُشار إلى أن الوعي سيتحقق بالتعليم، والتعليم يكون من خلال التنظيم، وأجريت في شمال وشرق سوريا بناء على هذا الوعي، أبحاثاً تاريخية، واجتماعية، ودينية، وأسرية وغيرها، وأُعدّت المواد والمناهج التعليمية.

الأكاديمية ونظام التعليم

ولتطبيق علم جنولوجيا، افتُتح في حلب والشهباء ومنبج وكوباني والرقة والحسكة وقامشلو وديرك أكاديميات ومراكز للأبحاث، ويتمّ في هذه المراكز التعليم والتدريب، وتأهيل المتدربين وإعداد المواد التدريبية. وتُعرّف حرية المرأة في علم جنولوجيا تماماً كحرية الرجل، لذا تقدّم هذه المراكز دورات تدريبيّة للرجال أيضاً، ويُهدف إلى نشر هذا الوعي في كامل النظام التعليمي في المنطقة، وفي هذا السياق، يجري العمل على إعداد المواد ووضع المناهج بدءاً من رياض الأطفال وحتّى الجامعات.

بالإضافة إلى المناهج التعليمية، يُدرّس علم جنولوجيا في المدارس الثانوية، فيما افتُتحت أقسام خاصة له في الجامعات الثلاث في المنطقة (جامعة روج آفا، وجامعة كوباني، وجامعة الشرق).

كما أُعدّت كتيبات ومناشير حول قضايا التعايش الحر والأسرة والحماية والاقتصاد والسياسة والمجتمع والثقافة، وعُقدت اجتماعات للنساء والرجال وافتُتحت دورات تدريبية، وعرضت عروض مرئية، كما يتمّ إجراء دراسة تفصيلية حول التكنولوجيا وعلاقتها بالعنف، ومن المقرّر إعداد كتاب أو كتيب عن هذه الدراسة.

الهيكلة والتنظيم

ويظهر نشر الوعي في الحياة من خلال المنظمات الخاصة والعامة، فقد تمّ تأسيس عشرات المؤسسات والتنظيمات الخاصة بالمرأة في مختلف المجالات من السياسة، الاقتصاد، الثقافة إلى العدالة، ويُطبّق ضمن مؤسسات نظام الإدارة الذاتية من الكومينات إلى المجالس التشريعية والتنفيذية، اللجان الدبلوماسية، والحماية، والاقتصاد والتعليم ونظام الرئاسة المشتركة.

وتتجلّى نتائج هذا الكفاح في الحياة بطرق وأشكال مختلفة، وعلى الرغم من أنّه لم يتم القضاء على عقلية الهيمنة الأبوية تماماً، وحتّى مع وجود أشكال مختلفة للعنف في الأسرة والمؤسسات والهيئات، إلّا أنّ الكفاح الفكري ينتشر وتُتّخذ إجراءات عديدة ضدّ العنف.

(ر)

ANHA