ألغام عديدة في طريق التطبيع بين مصر وتركيا

على الرغم من الحراك الدبلوماسي الذي يشهده مسار العلاقات بين مصر وتركيا، والتطور الحادث في علاقات رئيسي البلدين بعد سنوات من الجفاء والتلاسن، فإن هناك بعض الأزمات والملفات يشبّهها البعض بالألغام في طريق قطار التطبيع المصري التركي. فهل ينجح البلدان في تجاوز هذه الأزمات؟

ألغام عديدة في طريق التطبيع بين مصر وتركيا
الجمعة 22 يلول, 2023   22:36
القاهرة - محسن المصري

على هامش قمة العشرين في الهند، اجتمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان في لقاء اعتبره البعض مؤشراً على تطور جديد في ملف تطبيع العلاقات بين البلدين.

وعلى الرغم من وجود تحرّك سريع في التطبيع التركي المصري خاصة على الصعيد الاقتصادي، فإن هناك العديد من الملفات ما زالت عالقة بين البلدين، بل ربما يمكن القول إن هناك تنافس قد يصل لمرحلة الصراع الخفي بين أنقرة والقاهرة.

وحسب مراقبين، فهناك قضايا تشبه الألغام في مسار التطبيع بين مصر وتركيا، ربما أهمها الأوضاع في ليبيا، فضلاً عن تطورات الحرب في السودان وصراع كلا الطرفين لتحقيق مصالحه بالطريقة ااتي يراها.

سواكن ودانيال

ورأى الكاتب والمحلل السياسي المصري محمد أبو الفضل أن: "التقارب الحاصل في العلاقات بين مصر وتركيا لا يلغي التنافس فيما بينهما على ملفات المنطقة".

وقال لوكالتنا: "هناك ملفات إقليمية محل تنافس بين البلدين، ومصالح الطرفين متناقضة وكل دولة لها طموحات تسعى إلى تحقيقها بالطريقة التي تراها مناسبة".

وأوضح: "الأوضاع في ليبيا والسودان تمثل محوراً أساسياً في العلاقات بين أنقرة والقاهرة، خاصة بالنسبة للأخيرة التي تعتبر البلدين أمناً قومياً بالنسبة لها"، لافتاً إلى أن: "تركيا تراعي ذلك. حتى في ذروة مرحلة الخلافات لم تلجأ تركيا إلى التعدي مباشرة على المصالح المصرية في البلدين".

وحسب أبو الفضل فإن: "المساعدات التي قدمتها مصر لشرق ليبيا على خلفية كارثة إعصار دانيال تمثل جزءاً من حالة التنافس والصراع الإقليمي الحاصل بين البلدين"، لافتاً إلى أن سرعة القاهرة في تقديم العون والمساعدات لليبيين ربما خشية من تكرار سيناريو غرب ليبيا قبل سنوات، حيث بادرت تركيا بالتواجد العسكري ونشر المرتزقة وتوقيع اتفاقيات اقتصادية مع حكومة طرابلس".

وأشار إلى أن "مصر هرعت مبكراً هذه المرة ولم تعلن أنها في صراع مع دولة أو سباق مع قوة إقليمية معينة".

واعتقد المحلل السياسي المصري أن "زيارة قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى أنقرة قبل أيام قد تفتح الباب لخلاف مصري تركي جديد، خاصة أن الرجل ذهب إلى تركيا بحثاً عن مساعدات لم يحصل عليها من القاهرة، وبالتالي فقد تستغل تركيا هذا الموقف وتمنحه مساعدات مقابل وجود تركي في جزيرة سواكن بالبحر الأحمر وهو أمر إن حدث فقد يكون له تداعيات كبيرة على مسار التطبيع بين البلدين".

وحذر أبو الفضل من أن "ما يواجهه البرهان من تداعيات الحرب يمكن أن يدفعه إلى مغازلة تركيا للحصول على دعم عسكري مقابل السماح بإحياء مشروع الوجود التركي في جزيرة سواكن وهو أمر قد يفتح الباب لمناوشات خفية بين القاهرة وأنقرة حول الملف السوداني".

أيديولوجية أردوغان

بدوره، رأى الخبير في الشؤون التركية الدكتور أسامة السعيد أنه "يجب أن ننظر للعلاقات المصرية التركية بمنظور واقعي"، لافتاً إلى ان علاقات البلدين قطعت شوطاً كبيراً منذ بدء مباحثات التقارب في 2021 وصولاً لرفع مستوى العلاقات الدبلوماسية منتصف 2023".

وقال لوكالتنا "ما تحقق في مسار العلاقات بين البلدين يعتبر تقدماً كبيراً للغاية، حيث تجاوز البلدان حالة التوتر والخلافات التي كانت قائمة منذ 2013 وانتقلا لمرحلة تطبيع العلاقات ودخولها في مسارها الطبيعي".

وأشار السعيد إلى أنه "من عدم الواقعية أن نتصور أن هناك تماثلاً أو تطابقاً في الرؤية الخاصة بالبلدين تجاه قضايا المنطقة لأن مصر وتركيا قوتان إقليميتان كبيرتان ولكل منهما حساباته وتقديراته"، لافتاً إلى أن" هذه الرؤية لا تتوافق بالضرورة وهناك اختلافات واضحة في التعاطي مع بعض الملفات".

وعن التناقض بين البلدين، أكد الباحث أن "الرؤية التركية منذ تطبيع العلاقات كانت مغايرة للرؤية المصرية في أكثر من ملف ربما منها محاولات تركيا التدخل في الملف الفلسطيني وعقد لقاء بين الرئيس الفلسطيني وإسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي بحماس، وذلك على الرغم من حساسية الملف الفلسطيني للقاهرة".

 وأكد السعيد أن "تدخّل الطرف التركي على مدار تاريخه لم يقدّم ما يخدم القضية الفلسطينية؛ نظراً لانحيازه لطرف وتحركه من منطلق أيديولوجي فضلاً عن عدم إدراك أنقرة لأبعاد القضية وتداعياتها وهو ما جعل الدور التركي سلبياً في الملف الفلسطيني".

واعتقد الباحث أن "التدخّل التركي في الملف الفلسطيني أثار حفيظة دوائر عديدة في القاهرة؛ نظراً لما تمثله القضية من أهمية واستراتيجية لمصر".

إضافة إلى ذلك، رأى السعيد أن "قيام الرئيس التركي بزيارة عدة دول عربية مثل السعودية والامارات وتجاهل مصر على الرغم من وجود ترتيبات سابقة لهذه الزيارة قلل من فرص تعميق علاقات البلدين"، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن "هذا لا يدل على وجود خلافات بين الطرفين ولكن لو شملت الزيارة القاهرة لأضافت زخماً كبيراً للعلاقات، ولكن يبدو أن أنقرة كان لها حسابات أخرى".

وأشار الباحث إلى أن "الملف الليبي هو أحد نقاط الخلاف بين القاهرة وأنقرة خاصة أن المواقف التركية تجاه ليبيا لم تصل للمستوى المنشود من دوائر الحكم في القاهرة".

كما اعتبر أن "أحد التناقضات والخلافات بين البلدين أيضاً هو تعهد أردوغان مؤخراً بمنح معاملة تمييزية لبعض المقيمين بطريقة غير شرعية من عناصر جماعة الإخوان بتركيا"، لافتاً إلى أن"هذه الأفعال الصغيرة وإن بدت غير فعالة أو مؤثرة في العلاقات بين البلدين ولكنها تؤكد أن السلوك التركي لم يصل بعد لحجم الإدراك لاستراتيجية العلاقة مع القاهرة، كما أن هناك بعض الأفعال تدل على تصور أيديولوجي أكثر منه تصور سياسي وبراغماتي لحزمة المصالح التي يمكن أن تتحقق من العلاقة بين القاهرة وأنقرة".

وختم السعيد حديثه بالتأكيد "أن الكرة الآن في ملعب أنقرة خاصة أن القاهرة قدمت الكثير من الصبر والحكمة في هذا الملف ولكن سياسة تركيا تجاه مصر دوماً كان يعتريها الكثير من التناقض والتذبذب".

(ي ح)