التمرير بدلاً من المنافسة والخصومة_رؤوف كاراكوجان

التمرير بدلاً من المنافسة والخصومة_رؤوف كاراكوجان
الخميس 11 مايو, 2023   21:45

بغضّ النظر عن أنّ الانتخابات التركية قد خطفت الضوء منها، إلّا أنّ الأزمة السوريّة التي تعدّ إحدى أبزر الأزمات في المنطقة قد دخلت في مرحلةٍ جديدة. فقد تمّ في الاجتماع الذي عُقد بين وزراء الدول العربيّة (21 دولة) في مصر في الـ 7 من أيار الجاري، التوصّل لاتفاق حول سوريا. أسفرت سلسلة العلاقات الدبلوماسيّة التي تسارعت في أعقاب زلزال 6 شباط المنصرم، عن إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية بعد أن كان قد جرى تعليق عضويتها فيها، منذ بداية اندلاع الحرب الأهليّة السوريّة عام 2011، وبالرغم من معارضة بعض الدول العربيّة ولاسيما قطر لإعادتها، إلّا أن قبول سوريا في اجتماعات الجامعة يُعدّ أمراً مهمّاً.

ويعني هذا القرار أنّ الجامعة العربيّة ستلعب دوراً في إنهاء الحرب الأهليّة السورية ويشير إلى بدء مرحلةٍ جديدة. وأكّدت القمة العربيّة على وحدة الأراضي السوريّة واعتبرت أنّه من المناسب مشاركة سوريا في الاجتماعات من أجل حلّ قضية اللاجئين، الأمن، ومكافحة المخدرات وعدد من القضايا الأخرى، بالتوازي مع العمل على إنهاء الحرب الأهليّة السوريّة على أساس قرارات الأمم المتّحدة.

الحركة الدبلوماسيّة المتبادلة تأتي بثمارها

على الرغم من استمرار استبعاد نظام الأسد عن الجامعة العربيّة لـ 12 عاماً، اتّضح أنّه لم يعد مجدياً. فقد عانى كلٌّ من سوريا والمجتمع العربي من عدم جدوى السياسات المؤقّتة وعدم تحقيقها لأي حل. فلو كان إسقاط الأسد ممكناً، لما تمكّنت القوى التي كانت تتمنّى ذلك، من التوصّل إلى اتفاق.

نشطت الحركة الدبلوماسيّة المتبادلة، منها زيارة الأسد للإمارات، زيارة العديد من الوفود من مصر والسعوديّة لدمشق، علاقات دمشق مع تونس والجزائر، وقد اتّضح الملف السوري الذي جرى مناقشته في اجتماعي جدّة وعمان، بعد اجتماع القاهرة بشكلٍ أفضل.

 بعد أن توفّرت فرصة الاستئناف، أُعيد إلى دمشق مقعدها في جامعة الدول العربيّة، ولم يتّضح بعد ما إن كان الحل العربي للأزمة السوريّة سيؤثّر على التوازنات السياسيّة في المنطقة أم لا. تتعامل العديد من الأطراف مع الأزمة السوريّة. وتتضارب مواقف روسيا، إيران، أمريكا، تركيا وأخيراً الجامعة العربيّة. وبأخذ حسابات ما وراء الكواليس لهذه الأطراف بعين الاعتبار، فإنّه لا يمكن إحداث تغييرٍ حقيقي في وقتٍ قصير.

إحدى أهمّ القضايا أيضاً، قضيّة الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا، فهيّ قضيّة حساسة جدّاً داخل سوريا. جاء الموقف الأوّلي للإدارة الذاتيّة تجاه قرار الجامعة العربيّة إيجابيّاً، فعلى الرغم من أنّها لم تشغل الحيّز الكافي، إلّا أنّها عبّرت عن دعمها لمبادرات الحل. ومن الواضح أنّ هذا القرار قد لقي ترحيباً ووقعاً إيجابيّاً لدى الكرد، في حين أنّه يشكّل قلقاً بالنسبة لتركيا.

خلقت عودة سوريا إلى الجامعة العربيّة مناخاً سياسيّاً اتّفقت فيه 21 دولة عربيّة، وتعتبره الإدارة الذاتيّة إيجابيّاً، وتلتزم الولايات المتّحدة الصمت حياله رغم معارضتها لذلك، فيما لم تبدِ لا روسيا ولا إيران معارضتهما. أمّا الدولة الوحيدة التي لم تحدّد موقفها حيال عودة سوريا إلى الجامعة العربيّة، فهي تركيا التي تعتبر الفاعل الرئيس في الحرب الأهلية السوريّة. إنّ تركيا موجودة خارج الإجماع الحالي، لأنّ سياسات العدوان والاحتلال قد وصلت إلى نهايتها وفقدت المبادرة.

أخطأت الحسابات

إذا تذكرنا، نرى أنّ جميع الحسابات والتقديرات التي جرت في الأزمة السوريّة قد أخطأت ولم تصب. فمع اندلاع الحرب الأهلية السوريّة عام 2011، تمّ وضع جميع الخطط بناءً على رحيل الأسد، فقد منحوا مقعد سوريا في الجامعة العربيّة للمعارضة، وقامت تركيا في البداية بمدّ يدها للكرد، حيث دعوا مسؤولي حزب الاتحاد الديمقراطي إلى أنقرة، وعندما لم تجرِ الأمور كما يريدون لها أن تكون، فتحوا جبهة ضدّ الكرد وبدأوا الحرب، ثمّ سعوا إلى استبدال الأسد بالزعيم السابق لقوى المعارضة، معاذ الخطيب (إمام سابق في الجامع الأموي) والسير معه. في الواقع سعت تركيا إلى الإطاحة بالأسد وبسط نفوذها في سوريا. أرادت تغيير التوازنات والحفاظ عليها. إلّا أنّ كلّ شيء قد سار نحو الأسوأ. فقد تنافست المجموعات التي تقودها قطر والسعوديّة في الميدان، فيما قادت تركيا مجموعاتٍ أخرى ودخلت اللعبة.  

من الفاعلين الرئيسيين في سوريا أيضاً، إيران، حيث تدخّلت في سوريا منذ بداية الحرب الأهليّة السوريّة وأبقت نظام الأسد على قدميه. لاحقاً، وعندما دخلت روسيا أيضاً على الخط، فشلت مخططات ما بعد رحيل الأسد وخطط تغيير السلطة. وعندما وجدت الدول العربيّة أنّ الأسد لن يترك السلطة، رأت أنّ هناك حاجةً للتغيير، إذ أنّ الإصرار على السياسات الحالية يفاقم من حالة عدم الاستقرار أكثر. ولأنّ قطر تعاونت في الشأن السوري مع تركيا وموّلت مجموعات المرتزقة، وبالرغم من أنّ الدول العربيّة قد أبدت اعتراضات جزئيّة على طلب التغيير، فقد اضطرّت إلى الموافقة.

أمّا الموضوع الرئيس فهو الموقف التركي. فبالرغم من انشغال تركيا بالانتخابات، إلّا أنّها أدركت أنّها لن تستطيع الاستمرار بسياساتها حيال سوريا. ولم يسفر سعي أردوغان للحوار مع دمشق، الاجتماعات التي تجري بوساطةٍ روسيّة، المفاوضات الرباعيّة التي انضمّت إليها إيران أيضاً عن أي حل. عزّز قرار الجامعة العربيّة موقف الأسد أمام تركيا لذا سيكون أكثر حزماً حيالها.

لا يمكن أن تلعب تركيا دوراً في الشرق الأوسط وسوريا خصوصاً ما لم تتخلّص من شراستها وجشعها تجاه الكرد. لا يمكن أن يسفر الاجتماع الرباعي أو غيره من القصص عن حل طالما أنّ نهجهم قائمٌ على إقصاء الكرد والقضاء على الإدارة الذاتيّة. والاجتماع مع الأسد غير وارد حتّى يتمّ إنهاء الاحتلال والتوقّف عن دعم المرتزقة. إن أسفرت الانتخابات المقبلة عن تغيير السلطة في تركيا، فمن الممكن حينها أن تغيّر سياساتها حيال سوريا أيضاً.

يتطلّب إنهاء السعوديّة للحرب في اليمن، اتفاقها مع إيران فيما يتطلّب التقارب الإيراني السعودي بوساطة صينيّة اتّخاذ بعض الخطوات بشأن سوريا. أي عندما ننظر إلى الوضع الحالي، نرى أنّهم بحاجة لفتح صفحةٍ جديدة كبدايةٍ جديدة في الشأن السوري.  

هذا ويبدو أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة وإسرائيل ليستا مستعدّتين بعد للحوار مع الأسد. لا يمكن القول بسهولة إنّ جامعة الدول العربيّة قد وجدت القرار المتعلّق بسوريا إيجابيّاً. فالسياسات المعارضة للوجود الإيراني في سوريا مستمرّة. إنّهم يتّخذون موقفاً جاداً حيال الوجود والنفوذ الإيراني في كلّ من سوريا، العراق، لبنان واليمن، كما أنّ التقارب بين إيران والسعوديّة يؤثّر أيضاً على السياسات الأمريكيّة في الشرق الأوسط. ولم يعد انتزاع الدور على أساس معارضة إيران مقبولاً كما في السابق. وعلى الرغم من أنّ عواقب التدخّل في أفغانستان والعراق واضحة، فإنّ الإصرار على سياسات الحرب لا يكتمل. وأحد أسباب التزام أمريكا الصمت حيال قبول جامعة الدول العربية لعودة سوريا إليها، هو التغيير السعودي الأخير.

تُعدّ سوريا اليوم من أعقد أزمات الشرق الأوسط. ويجب تناولها بكافة جوانبها الداخليّة والخارجيّة. في المرحلة الحالية، ولم يعرف ما هي التنازلات التي سيقدّمها الجانب السوري، أو ما هي الخطوات التي سيتّخذها الأسد. لكنّ القبول في جامعة الدول العربيّة سيكون له ثمنه بالتأكيد.

تراجع الموقف التركي بعد التطورات الأخيرة بسبب سياساتها العدوانيّة. انتهت التهديدات. واجتماعات موسكو الرباعيّة بعيدة عن الحل. وفي حال هُزمت السلطة الفاشيّة لحزبي العدالة والتنمية والحركة القوميّة في الانتخابات، فمن غير المعروف كيف ستتغيّر السياسات التركيّة حيال سوريا. لكن هناك حقيقة واضحة، هي أنّ العدوان والاحتلال لم يعودا مقبولين.

يمكن أن تكون الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا فاعلاً مهمّاً في هذه المرحلة. لأنّها تفسح المجال لسياسات الاتفاق والحل وتتعامل مع اجتماع القاهرة بحرارة. وكانت قد أعربت عن نيتها للحل في بيانٍ لها، حيث أكّدت على أنّ السلم الدائم والمستمر متعلّق بقبول الإرادة الشعبية المشتركة.

ما يجب القيام به من الآن فصاعداً هو إنهاء الاحتلال، إعادة الأهالي وإعادة بناء سوريا. والإدارة الذاتيّة هي القوّة الوحيدة التي لديها توجّه سياسي جديد في إرساء الديمقراطيّة كقوّة حلّ في مستقبل سوريا.

(ر)