استئناف العلاقات السعودية – الإيرانية برعاية صينية.. الدوافع والأهداف

انشغلت الأوساط السياسية والإعلامية في العالم خلال الأيام الماضية بمتابعة استئناف العلاقات السعودية – الإيرانية برعاية صينية وذلك بعد عقود من الخلاف، فما هي الدوافع والأهداف من ذلك؟ وما هي إمكانية التقدم في هذا المسار؟

استئناف العلاقات السعودية – الإيرانية برعاية صينية.. الدوافع والأهداف
استئناف العلاقات السعودية – الإيرانية برعاية صينية.. الدوافع والأهداف
الجمعة 17 آذار, 2023   02:29
مركز الأخبار- كيفارا شيخ نور

أعلنت المملكة العربية السعودية وإيران يوم الجمعة 10 آذار الجاري استئناف علاقاتهما الدبلوماسية المقطوعة منذ 2016، إثر مفاوضات استضافتها الصين، في خطوة؛ قد تؤدي لتغييرات إقليمية دبلوماسية كبرى.

المصالحة السعودية - الإيرانية التي أُعلن عنها، الجمعة، في بيان ثلاثي ضم السعودية وإيران مع الصين، جاءت بعد محادثات مكثفة خلال الفترة من 6 إلى 10 آذار الجاري، بين وفدي البلدين برئاسة كل من مستشار الأمن الوطني في السعودية مساعد بن محمد العيبان، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي شمخاني.

وجرى خلالها الاتفاق على استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران، وإعادة فتح سفارتيهما وممثليتاهما خلال شهرين بحد أقصى.

لم يشكل الإعلان عن عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، صدمة كبيرة بقدر الصدمة حول الراعي لهذه "المصالحة"، ألا وهي رعاية الصين لهذا الاتفاق، حيث أشارت التقارير الأميركية إلى أن دور بكين في الشرق الأوسط بدأ يتعاظم، وأن الصين حلت حقاً كلاعب استراتيجي هام في منطقة الخليج، وذلك على حساب النفوذ الأميركي الذي بدأ يتراجع خاصة بعد الانسحاب الجزئي من شمال وشرق سوريا ولاحقاً من أفغانستان.

وصفت التحليلات المصالحة السعودية - الإيرانية أنه "اختراق كبير لتنافس مرير لطالما قسم الشرق الأوسط"، وخاصة أن هذا الصراع شكّل بعد الغزو الأميركي لعراق مصدراً للتوتر الطائفي في المنطقة.

التركيز على الدور الذي قامت به الصين في هذا الاتفاق ربما يستهدف توجيه رسالة للقوى العظمى، ومن بينها الولايات المتحدة، مفادها أن محور الشرق الأوسط يتغير، حسبما ذكرت ماريا لويزا فانتابي المستشارة الخاصة لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مركز الحوار الإنساني بجنيف.

وانقطعت العلاقات بين الرياض وطهران عام 2016، عندما هاجم محتجّون إيرانيون البعثات الدبلوماسية السعودية في إيران بعدما أعدمت المملكة رجل دين شيعي يُدعى نمر النمر.

بحث سعودي عن تحالف جديد

ورأى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور طارق وهبي في حديث خاص، لوكالتنا أن الأسباب التي دفعت بالرياض إلى المصالحة مع طهران "لا يخفى على أحد، أن المملكة منذ بدء الخلاف السياسي مع الولايات المتحدة؛ جرّاء وفاة الصحفي الخاشقجي، وهي تسعى لخط جديد في العلاقات الدبلوماسية السياسية والاقتصادية مع أميركا".

وأضاف وهبي إن: "قمة التغيير السياسي في السعودية باتجاه إيران هو إقصائها من المحادثات في فيينا التي أوصلت إلى الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، وذلك فتح أمام إيران أن تهدد الخليج عامة والسعودية خاصة بحصولها على شبه بطاقة أمان من هذه الدول وبالتحديد أميركا وأيضاً أعطاها دفعاً مالياً استعملته لدعم مالي وعسكري لأذرعها في المنطقة، اليمن، العراق، سوريا، لبنان وفلسطين".

وأشار وهبي إلى أن "السعودية عانت من التشرذم العربي والخليجي التي كانت جزءً منه ولكنها ظلت صلبة في مطالبها الواضحة وأهمها السيادة وعدم التدخل في شأن الدول الأخرى".

وقال: "هناك جولات مهمة للتقارب بين السعودية وإيران أما في العراق أو في سلطنة عمان وهذا أولاً لعدم منع أي عائق أمام الشعوب المسلمة من زيارة الأماكن المقدسة؛ مكة والمدينة وذلك مع احترام القوانين والأنظمة المعمول بها في السعودية".

تقارب هش

وأبدى الباحث تشاؤمه حيال التقارب قائلاً: "الملفت في التقارب الحالي الذي برأيي لست متفائلاً كثيراً به هو أن الصين هي التي تحركه وتضمنه لأسباب اقتصادية واستثمارية والكل يعلم المشروع الصيني الكبير لغزو العالم في ما يسمى طرق الحرير وأهمية الربط الاقتصادي الذي تسعى إليه الصين وإرساء نوع من الاستقرار في الأمن والعلاقات بين الدول".

وأشار وهبي إلى أن أهم الأسباب التي دفعت الطرفين لتوقيع هذا التفاهم؛ هو "الغوص بمسار اقتصادي جديد بعيد نسبياً عن الفلك الأميركي وحتى أن الطرفين لا يمانعان لاحقاً أن تلتحق بهم أميركا لأن المصالح المشتركة موجودة ولو أن هناك تباعد أو حتى خلافات مبدئية ولكن الاقتصاد يجمع الجميع".

ورأى وهبي أنه "ليس من السهل إقصاء الولايات المتحدة الامريكية ولذلك ما يحصل هو مرتبط بما يسوّق له عن ولادة قطب جديد وهو الصين والتي تسعى إلى مبارزة أمريكا في تأثيراتها على السياسة الدولية"، مضيفاً إن: "هناك تضخيم للموضوع ولو أن هناك أحداث واقعية قد تشير إلى نوع من بناء سياسي جديد ينتهج أسلوب مغاير لما تقدمه أميركا في حلولها أو تدخلاتها في العلاقات الدولية، بناء الثقة ليس بالسهل وهو يتطلب تنازلات".

واستبعد وهبي تنازل المملكة عن بعض نقاطها القوية لتسوية الأوضاع مع إيران، واعتقد وهبي أن "المشروع الإيراني لن يتغير لطالما الملالي يتحكم بإيران وهذا سيكون؛ أحد عوامل نهاية النظام الإيراني".

واعتبر وهبي هذا التفاهم بأنه غير طبيعي ومبني على وسيط لا يطمح إلا أن يستفيد مادياً وسينسحب عند أول زعزعة لأن مصالحه مع الدولتين مرتبطة بالطاقة أولاً التي هو بحاجة لها لتشغيل صناعته والطرف الإيراني يراوغ لكي يبرهن للعالم نوع من نيته الصادقة ولكن رهانه على السلاح النووي الذي سيصبح عند امتلاكه السيف المهدد لكل المنطقة وليس فقط إسرائيل التي لا تستبشر خيراً بهذا الاتفاق.

والأستاذ المشارك للدراسات الشرق أوسطية في جامعة شانشي الصينية الدكتور، سيفان سعيد وفي حديث لوكالتنا قال: "في السابق، كانت أي علاقة ما بين الصين ودول الشرق الأوسط ليست ذات طابع ثنائي بل هو ثلاثي، فأي علاقة بين الصين والسعودية، الولايات المتحدة حاضرة في هذه العلاقة سواء في السر أو في العلن، فكل الأطراف تأخذ الولايات المتحدة في الحسبان، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي".

إلا أنه قال: "من الآن فصاعداً، ونتيجة التراجع الأميركي، وتراجع قوتها وبالتزامن مع تزايد المد الاقتصادي للصين، باتت العلاقات ما بين الصين ودول الشرق الأوسط ثنائية مباشرة، وبذلك تستطيع الصين أن تكون لاعباً رئيسياً في هذه المنطقة".

وعن دور المصالحة في إنهاء النزاع بين السعودية وإيران، اعتقد سعيد أن "المصالحة هي مؤقتة ولن تدوم كثيراً"، معللاً رأيه هذا، أن " البلدين (السعودية وإيران) بلدان دينيان وقمعيان وغير ديمقراطيان، ومن الصعب بمكان أن تغض السعودية النظر عن سعي إيران؛ لنشر التشيع في اليمن والبحرين وسوريا والعراق والعالم، كما أنه لا توجد أي قوة في إيران قادرة على وقف هذا المد وحصرها ضمن إيران فقط".

واستدرك سعيد قائلاً: "لكن نتيجة تدهور العلاقات الإيرانية مع الولايات المتحدة وتدهور علاقات السعودية مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، جعلت من البلدين يقتربان من بعضهما البعض ولو بشكل مؤقت، وبرعاية صينية".

ومع ذلك هنالك أهمية مرحلية لهذا الاتفاق، إلى أن تحصل الانتخابات الأميركية 2024، وسيطرة الجمهوريين على مقاليد السلطة هناك، وهو ما سيؤثر على تفاقم الصراع ما بين واشنطن وبكين والذي سيؤثر بدوره من كل بد على الشرق الأوسط، حسب الأستاذ المشارك للدراسات الشرق أوسطية في جامعة شانشي الصينية.

(ي ح)

ANHA