​​​​​​​شرارة ثورة جينا أميني لن تنطفئ - هيفيدار خالد

​​​​​​​شرارة ثورة جينا أميني لن تنطفئ - هيفيدار خالد
الأربعاء 9 تشرين الثاني, 2022   21:33

الثورة التي أشعل شرارتها مقتل الشابة الكردية جينا أميني، على يد ما تسمى "شرطة الأخلاق" في إيران، امتدّت وتوسَّعت في جميع الأصقاع، وأصبحت ثورة لجميع النساء في العالم، وذلك بعد أن تضامنت معها جميع الشعوب، معبّرة عن دعمها وتكاتفها مع قضيتها، ومؤكدة إصرارها على محاسبة الجهات التي تسبّبت بقتلها.

فبعد مرور نحو شهرين على بدء الاحتجاجات الشعبية في كافة مدن شرق كردستان وإيران، ما زالت الانتفاضة التي تقودها المرأة محافظةً على ألقها وقوتها، بل ازدادت وتيرتها يوماً بعد آخر، في تطور لافت لأساليب المقاومة التي اتبعها المحتجون ضد سياسات النظام الإيراني والقمع الذي يمارسه بحق المنتفضين ضد سياسات وممارسات النظام الإيراني.

وعلى الرغم من محاولات مسؤولي النظام بالتغطية على الانتفاضة التي يخوضها الشعب، إلا أن روح التحدي والصمود في وجه انتهاكاته التعسفية، ما تزال تهيمن على تظاهراته اليومية، وهذا ما يبعث برسالة واضحة للجميع، بأنّ الشعب هو القوة البنيوية والمحرك الأساسي الوحيد الذي يستطيع تحقيق تغييرات جذرية وحقيقية في بنية المجتمع إذا ما اتّحد ونظّم ذاته وتكاتف معاً في وجه سياسات القمع والإبادة التي تُنفَّذ بحقه.

منذ اليوم الأول لانطلاق الاحتجاجات في البلاد، والنظام الإيراني يحاول، وبشتى الطرق والوسائل، حجب هذه الثورة الشعبية عن الرأي العام العالمي وتحريفها عن مسارها، من خلال قطع الإنترنت وفصل مواقع التواصل وإيقاف تطبيقات المراسلة، بهدف سد الطريق أمام المحتجين وكتم أصواتهم؛ كيلا تصل إلى العالم، إلا أن روح الإصرار والإرادة والعزيمة التي تحلّى بها هؤلاء المحتجون وأظهروها في الميادين والساحات، كانت أقوى بكثير من أساليب القمع التي اتبعها النظام ضدهم، فصعّد المحتجون من روح المقاومة واستطاعوا بذل المستحيل للحفاظ على زخم ثورتهم والإبقاء على شعلتها متقدةً حتى الآن.

ما زالت الشعوب التواقة للحرية في شتى أصقاع العالم تنبض قلوبها سوية مع كافة مكونات الشعب الإيراني، تبعث برسائل دعم وتضامن معها، وتؤكد على أحقية مطالبها ونضالها من أجل الحرية والحياة، ومناشداتها من أجل نظامٍ جديدٍ يتّخذ من الديمقراطية ومبادئها أساساً له، إلا أن ما يسمّى المجتمع الدولي والمنظمات الدولية التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان وحرية التعبير والرأي، يلتزمون الصمت حتى الآن، إزاءَ ما يتعرض له الشعب الإيراني من اعتداءاتٍ وممارساتٍ على يد النظام يومياً، وكأن الأمر لا يعنيهم.

) "Jin Jiyan Azadî" المرأة، الحياة، الحرية)، هذه الكلمات التي اتخذتها التظاهرات شعاراً ومنهجاً لها، سحرت الجميع وبعثت العنفوان في قلوب جميع النساء، وأثارت الخوف والرعب بين مسؤولي النظام ورموزه، وهزت عروشهم، لتتحول احتجاجات جينا أميني إلى ثورة من أجل حياة حرة وديمقراطية، فالنساء في إيران على دراية كاملة بأنهن سيبنين مجتمعاً حراً وديمقراطياً بأفكار ومبادئ بعيدة عن العنف الممنهج والتعذيب والترهيب ومفاهيم النظام الأبوي المتّبع في إيران.

وما يميز الحركة الاحتجاجية الكبيرة التي تشهدها إيران اليوم، عن غيرها أنها خلقت حالة من القلق والذعر لدى أنظمة الحكم الحالية ليس فقط في إيران، بل في الشرق الأوسط بأكمله، لذا تحاول هذه الأنظمة غض الطرف عنها للتقليل من شأنها وإبعادها عن مسارها الحقيقي الذي انطلقت من أجله، إلا أن المرأة في إيران وعلى وجه الخصوص المرأة الكردية اتخذت من أسلوب "النضال من أجل الحرية" هدفاً لها وجعلته من أهدافها الرئيسة، وأظهرت مرة أخرى للجميع بأنها تستطيع صنع المستحيل من أجل تحقيق حريتها وكرامتها، وإيصال صوتها إلى العالم أجمع.

من هنا، نستطيع القول إن هذه الانتفاضة بوسعها تحديد مصير الشعب في شرق كردستان وإيران، إذا ما خاض النضال بطرقٍ وأساليب ديمقراطية وعقلانية مستدامة وفق مخطط وبرنامج مدروس، ضد مفاهيم وسياسات الدولة القومية في الإدارة والحكم المركزي الطبقي. وتحقيق الثورة الذهنية الاجتماعية والأخلاقية، واندفاع السياسة الديمقراطية نحو التشبث بمهامها من خلالِ عقول حقيقية؛ لأن الثورة تتطلب البنى القادرة على إعطاء الجواب اللازم.

الجيل الصاعد في إيران، ليس لديه ما يخسره، بل على العكس من ذلك تماماً، فهناك أشياء يمكن كسبها والوصول إليها لتحقيق خطوات ملموسة، فهؤلاء الشباب والشابات والنساء والأطفال وكل فئات المجتمع الإيراني يريدون خوض نضال حقيقي من أجل ثورة حرة وديمقراطية أكبر من سابقاتها، وبعد عشرات السنين يريدون إعادة الثورة التي تم الاستيلاء عليها مرة أخرى من قبل النظام. فالشعوب الأصيلة القاطنة في شرق كردستان وإيران خليط مشترك، اتحدت إرادتها ضد سياسات النظام الإيراني، لأنها على معرفة بأن مصيرها مشترك، ولا بد أن تتحد معاً من أجل نجاح هذه الانتفاضة ليس فقط على الصعيد السياسي، بل يجب أن تتعداها إلى الميادين الذهنية والفكرية، بالإضافة إلى التعاضد الثقافي، وإلا سيكون مصيرها الفشل كسابقاتها.

لذا، يجب على جميع المكونات القاطنة في إيران تكريس نضالها لتحقيق تطلعاتها في الديمقراطية، والتعريف بما يرتكبه النظام بحقها من سياسات الظلم والاستبداد والإلغاء، من أجل الوصول إلى سبل الحل بالطرق الجادة، وعلى الرغم من أن الشعوب الحرة بدأت بالتعرف على حقيقة الدولة التي أُسّست على حساب دماء الشعوب، إلا أن الخطوة الأولى تتطلب الإلمام بحقيقة هذا النظام السلطوي، والتأكيد على الاعتراف بقيم الشعوب الديمقراطية الأصيلة والتخلي عن سياسة القمع على أساس الإثنية والقومية، فبقدر ما تكون الشعوب منظمة، تكون حينئذ عملياتية.

 يجب عدم النظر إلى هذه التظاهرات على أنها مجرد احتجاجات، بل التأكيد على أنها تستطيع تحقيق نتائج مذهلة أيضاً، ويتطلب من الجميع التحالف مع بعضهم البعض في سبيل تحقيق التكامل الديمقراطي تجاه آلة الظلم والقمع التي يمارسها الحكام وأذيالهم وأعوانهم المتحركون معهم. مع إيلاء الأهمية التامة بأنه من المحال تلبية متطلبات الشعوب في الحرية والمساواة عبر شن حملات القمع والعنف ضدها وتنظيم حملات اعتقال بحق المحتجين والزج بهم في السجون، بل الحل يمكن من خلال تلبية المطالب المحقة لهم.

ثورة جينا أميني ستصبح ثورة جميع النساء والشعوب في إيران والشرق الأوسط والعالم. وستصبح الشرارة التي لن تنطفئ بل ستبقى متقدة بروح العزيمة التي يتحلّى بها أبناء هذه البقعة الجغرافية الذين يؤمنون بفلسفة الحياة والحرية ولهم باع وتاريخ طويل ومشرق في الأصالة والمقاومة ضد الحكام المستبدين المتشبثين بالسلطة.

ANHA