​​​​​​​الإبادة الثقافية بأساليب الحرب الخاصة - أورهان كندال

​​​​​​​الإبادة الثقافية بأساليب الحرب الخاصة - أورهان كندال
الجمعة 26 آب, 2022   21:43

الثورة الثقافية هي الثورة الأساسية والرئيسة، ولا يمكن لأي ثورة الحفاظ على استمرارها ما لم تتمكّن من خوض ثورتها الثقافية. إذ ينبغي إتمام الثورة السياسية والعسكرية بالثورة الثقافية.

للثقافة والفن أهمية كبيرة بالنسبة لأي شعب أو مجتمع، ويعني الانحلال الثقافي الابتعاد عن المجتمع. جميع الدول تتلاعب بثقافة الشعوب الأصيلة وتسعى إلى فرض ثقافة جديدة عليها. كما تشنّ الدول المحتلة أكثر هجماتها الفاشية على ثقافة شعبنا وفنه لأنها تدرك أنّها لن تتمكّن من تحقيق أي نتيجة طالما لم تمحُ ثقافتنا.

إنّ ثقافة الدول القومية ذات لون واحد وطابع فردي، فالدولة القومية والتعصب القومي يشكّلان أساس ومنبع الفاشية، وإبادة المجتمع والثقافة. والدولة القومية التركية تنفّذ هذه الإبادة المنقطعة النظير على الشعب الكردي منذ مائة عام.      

تعتبر القوى الحاكمة المهيمنة نفسها إلهاً لهذا العالم، ولا تتخذ قرارات بشأن مصائر الناس فحسب، بل بشأن مصائر الشعوب أيضاً. وأرادت تحديد مصير الشعب الكردي في اتفاقية سايكس - بيكو في مصر عام 1916 ومعاهدة لوزان عام 1923. وكان الموت هو مصير الشعب الكردي بحسب هذه الاتفاقات، فلم يكن للكرد مكان في النظام الذي تأسسه أي في مستقبلها.

وبلوحات المصير مثل سايكس- بيكو ولوزان قسّمت كردستان إلى أربعة أجزاء وشتّتتها بين أربعة دول محتلة، كتقسيم شاة على أربعة ذئاب، وهذه الذئاب هي جِراء نظام الحداثة الرأسمالية هذا.    

عندما قالوا في جبال آرارات؛ إنّ حلم الشعب الكردي مدفون في هذا القبر، نفّذت الجمهورية التركية الفاشية قرار النظام المهيمن هذا. هذه الدول المحتلة الأربعة أسست وجودها على إبادة الشعب الكردي والقضاء عليه، ولا تزال مصرّة على هذا القرار حتى اليوم. تتعاقب العديد من الحكومات ودكتاتورييها لكنّ سياستها واستراتيجيتها هذه ضد الشعب الكردي والتي يعتبرونها خطاً أحمر، لا تتغيّر. والسياسة التي نواجهها اليوم والهجمات التي نتعرّض لها ليست منفصلة عن هذا التاريخ وهذه العقلية.

اليوم، يبدو أن الذين يقاتلون ضد حركة التحرر الكردستانية، هم أردوغان وبهجلي أو حزبا العدالة والتنمية والحركة القومية. في وقت من الأوقات كان هناك "مخطط إصلاح الشرق" و"قانون تونجلي" وما إلى ذلك، والآن هناك "مخطط الإخضاع". إنّ عقلية وسياسة هذه الدولة فاشية واستبدادية. تعيّن رجالها والحكومات التي تخدم هذه العقلية. ووضعت القضاء على حركة التحرر الكردستانية وإبادة الشعب الكردي أمامها منذ 7 أعوام، وفق هذه الذهنية والمخطط. وسخّرت كل إمكاناتها وقوتها لإنجاح هذا المخطط.

ترى الدولة التركية الفاشية وجودها في إبادة الشعب الكردي وترى فناءها في حريته. ولهذا تهاجمه بجميع الطرق والأساليب وتسعى إلى عدم تحقيق الشعب الكردي لأي كيانٍ سياسي، إذ تسعى لصهره عبر الإبادة الثقافية. وفي حال كان هذا غير كافٍ، تحاول إبادة الكرد الأحرار جسديّاً أيضاً. ولا تعترف بأي كرامةٍ إنسانية في سبيل تحقيق هذه الأهداف. إذ تتحرك بشكلٍ لا أخلاقي، وترتكب المجازر. وجميع دول العالم تعلم بهذا الوضع، لكنّها تلتزم الصمت وتكتفي بالمشاهدة فحسب. ذلك لأنّها أيضاً شريكة في سياسات الإبادة هذه. إنّها صاحبة هذه السياسات والقرارات المستبدة. وحتّى أنّها تدعم الدولة التركية المحتلة والفاشية بكلّ قوتها.

إنّ الدولة الفاشية التركية عديمة الأخلاق لدرجة الهجوم على قبور مقاتلي الحرية. لم تقع مثل هذه الهجمات في أي حرب، فالقبور مقدسّة بالنسبة لجميع الشعوب، واحترامها ثقافة وأخلاق مجتمعية. لكنّ هذه مثل هذه القيم والمعايير لا تنطبق على دولة الاحتلال. فهي تشنّ هذه الهجمات اللا إنسانية لبث الرعب في الشعب وإضعاف حركة الحرية للشعب الكردي. وتشير الهجمات التي تشنّها على المقابر كيف تهدف دولة الاحتلال هذه إلى إبادة الشعب الكردي.

تسعى الدولة التركية المستبدّة إلى بسط هيمنتها في الشرق الأوسط بأسره وليس فقط في كردستان. إذ تعتبر نفسها وريثة العثمانيين. كانت العثمانية إمبراطورية محتلة وكانت قد احتلّت أراضي كردستان وعربستان (الأراضي العربية) وتسعى الآن إلى احتلال هذه الدول مرّة أخرى وفرض هيمنتها على هذه الشعوب. وهي تطوّر هيمنتها هذه بطريقتين. إحداها الهجمات العسكرية والسياسية، والمجازر، وتتمثّل الأخرى بأساليب الحرب الخاصة أي بالهيمنة الثقافية، وللهيمنة الثقافية أهمية كبيرة لدى الدول لإدامة سلطتها. فمن يفرض هيمنته الثقافية على مجتمعٍ أو جغرافية ما يكون أمد سلطته أطول. 

تنتج الدولة التركية اليوم، مئات المسلسلات، في سعي منها إلى فرض ثقافتها على الشعوب عبر تكنولوجيا الإعلام ووسائل التواصل الافتراضي. والتأثير فيهم بهذا الشكل وخلق قبولٍ تجاهها في عقولها. فهي تقوم في هذه المسلسلات بعكس الحقائق وتخفي وجهها القذر، الظالم، الغادر واللا أخلاقي خلف الستار والأقنعة. وتظهر نفسها متقدّمة ومتطوّرة وجيدة وما إلى ذلك. وتعتبر ثقافة الشعوب المضطهدة متخلّفة وحقيرة وتصورها على هذا الشكل.

إنّ الحرب الخاصة هي حربٌ أيديولوجية وثقافية، وكل مجتمعٍ مبني على مصالح الحكام يبني نفسه أولاً داخل عقول الناس. إذ يمكن للنظام الذي بنى نفسه داخل عقل المجتمع والفرد أنّ يبني نفسه على الصعيد الجسدي أو المادي بكل أريحية. وهذا ما تقوم به الدولة التركية اليوم.     

تصف دولة الاحتلال مقاتلي الحقيقة ومناضلي الحرية بـ "الإرهابيين"، وتعلن نفسها على أنّها من تكافح "الإرهاب". وهذا عكس للحقائق. فدولة الاحتلال التركي هي أكبر دولة إرهابية. جميع الدول القومية هي قوى إرهابية مفروضة على المجتمع، ووجودها وفلسفتها فاشية. لكنّها تظهر نفسها خيّرة والذين يواجهونها إرهابيين. وأكبر دعمٍ تقدّمه دول العالم للدولة التركية لشرعنة مساعيها هي "قوائم الإرهاب". فهذه القوائم أُعدّت بما يتماشى مع مصالح الدول، وبما يتماشى مع مصالح الاتحاد الأوروبي والولايات المتّحدة الأميركية والناتو.. وتستغلّ الدولة التركية هذا وتستفيد منه حتّى النهاية. وتبرّر جميع ممارساتها اللا إنسانية والمجازر التي ترتكبها والظلم الذي تمارسه بذريعة "أنا أحارب الإرهاب".

إن عقلية البعث أيضاً تماثل عقلية الدولة التركية فهما وجهان لعملةٍ واحدة. إنّها عقلية حاكمة ذات تعصّب قومي ولا تعتبر الشعب المضطهد مثلها، وتبحث عن حلٍ في هذا السياق حتّى لو عرفت أنّها ستنتهي. وهذا هو ما يقوم به نظام دمشق اليوم. فإذا قام بالتخليّ عن تعصّبه القومي المتزمت وبحثَ عن حلّ ديمقراطيٍّ مع الكرد سيتخلّص من جميع أزماته ومشاكله. لكنّ العقلية الفاشية والمستبدة لا تسمح له بالقيام بمثل هذا البحث والمحاولة.

ولهذا من الضروري أن يصبح الشعب الكردي قوّةً؛ ليقوم الجميع بحساباته وفقاً لهذا. إنّ الشرق الأوسط في أزمةٍ وفوضى. ولا أحد يهتم بالديمقراطية، والقانون وحقوق الإنسان.. فالجميع يسعى خلف مصالحه الخاصة. وسينتصر من ينظّم نفسه ويطوّر سياسات قوية ويصبح قوةً كبيرة والباقي سيُهزمون. 

كسر القائد آبو لوحة المصير التي صُنعت على يد القوى المهيمنة وكتب مصيراً جديداً للشعب الكردي وجميع الشعوب. وتوجد في هذه اللوحة الجديدة الحرية، والمساواة، والحياة الكريمة، والعدالة.. ومن أجل نجاح ذلك طوّر ثقافةً المقاومة والنضال وأسلوباً للانتصار. ووصل الشعب الكردي إلى هذا المستوى بهذه البراديغما. وبهذا التصور والمعرفة. يتّضح أنّ الشعب الكردي سيحقّق أهدافه.

إنّ ثقافة الأمة الديمقراطية تعدّدية، وتضمّ كافة الثقافات واللغات والمعتقدات.. فثقافة الأمة الديمقراطية تعبّر عن المساواة الاستقلالية والسلام والوحدة. وستطوّر شعوب الشرق الأوسط ثقافة الأمة الديمقراطية معاً وتتوّجها ببناء مجتمع ديمقراطي. وستصرّ على الحفاظ على ثقافتها وفنّها التاريخي في مواجهة الحرب الخاصة والإبادة الثقافية. وستبني حياةً بديلة بثقافة حديثة تزدهر بجذورها التاريخية.

تعني الوطنيّة تبنّي المرء لثقافته وفنّه والحفاظ عليهما. والشعب الذي يعيش وفقاً لثقافته وفنّه وليس وفق العدو، ويحرّر وطنه وأرضه من قبضة العدو الدموي ويتصدّى للهجمات الجسدية والثقافية ويدافع عن نفسه يستحقّ الحياة. إنّ الدفاع الذاتي هي ثقافة المجتمع بحدّ ذاته. ويتصدّى الشعب الكردي في أجزاء كردستان الأربعة اليوم لهجمات الدول المحتلة ويقاوم بثقافته. ويتعامل مع الشعوب المجاورة بثقافة الأمة الديمقراطية عن معرفة. ستُهزم الدول القومية بهذه الثقافة المقاوِمة وسيكون المستقبل والحرية للشعب.  

(ر)

ANHA