الكرد ودفاعهم المشروع عن وجودهم في العقد الأخير

تقدمت حالة الدفاع المشروع لدى أهالي شمال وشرق مع تصاعد هجمات جيش الاحتلال التركي عليهم، إذ يعتمدون هذه المنهجية للحماية من الإبادة المطبقة ضدهم. سنسرد في هذا التقرير أمثلة حية على الدفاع المشروع للشعوب، والذي يعد حقاً أساسياً في جميع القوانين والأديان.

الكرد ودفاعهم المشروع عن وجودهم في العقد الأخير
الجمعة 26 آب, 2022   22:48
مركز الأخبار - ميديا حنان

إن مفهوم الدفاع عن النفس، أو الدفاع المشروع هو المحافظة على القدرات الأخلاقية والسياسية للمجتمع، وهو مفهوم الوجود أو اللا وجود، أي بمعنى، إما أن تدافع عن نفسك وتحيا وإما العكس فتموت إلى الأبد، ولكي تبقى على قيد الحياة، يجب أن تحمي نفسك. فالدفاع هو إحدى غرائز البقاء لدى كافة الكائنات الحية.

ركز القائد عبد الله أوجلان في مرافعاته على أهمية وماهية الحماية والدفاع المشروع، ولخص ذلك في نظرية الوردة، وقال: "الوردة تحمي نفسها بواسطة أشواكها، يجب أن ندرك هذا الأمر".

وقال أيضاً "لكل نوع في عالم الكائنات الحية نظام دفاعي خاص به. ما من كائن حي واحد فقط يخلو من آلية الدفاع. بل وبالمقدور اعتبار المناعة التي يبديها كل عنصر أو جسيم في الكون للحفاظ على وجوده، دفاعاً ذاتياً. إذ من الساطع جلياً أن المناعة التي يبديها إزاء أي عطل أو خروج من الكينونة، لا يمكن إيضاحها إلا بمصطلح الدفاع الذاتي. وفي حال فقدان تلك المناعة فإن ذلك العنصر أو الجسيم يُفسد، ويخرج من كينونته، ويتحول إلى عنصر آخر مغاير، أما في عالم الكائنات الحية فبمجرد تحطم جدار حصن الدفاع الذاتي، فإن ذاك الكائن الحي يصبح فريسة سهلة لكائنات أخرى أو يموت".

ومن أهم الغرائز الأساسية لدى الإنسان والتي تساهم في الحفاظ على وجوده وبقائه هي الطعام، والتكاثر، والحماية، بالإضافة إلى العديد من الغرائز الأخرى التي يتمتع بها الإنسان الطبيعي.

ماذا تعني لنا الحماية أو الدفاع عن أنفسنا في ظل التغيرات اليومية في عالم تسوده الشرور والحروب والهجمات؛ الإنسان كائن حي يمتلك العقل وهو قادر على التفكير والنطق والقدرة على إمكانية التطور الذهني منذ ظهوره على الأرض، ومع تطور البشرية استطاع الإنسان أن يوظف قدراته العقلية والجسدية لصناعة الأدوات اللازمة لحماية نفسه من المخاطر التي تصادفه أو يتعرض لها في حياته اليومية منذ آلاف السنين.

بالنظر إلى جغرافية الشرق الأوسط، فهي مليئة بالأحداث التي تتغير في كل لحظة، أصبح فيها قتل الإنسان والحيوان وتدمير الطبيعة أمراً متكرراً، وكذلك إبادة الآخرين شيء يتم باستمرار، ناهيك عن غياب الاعتراف بحق العديد من الشعوب في العيش، إن كان من قبل النظام العالمي أو من قبل الأنظمة المستبدة من أجل الحفاظ على السلطة، لذلك باتت آلة الحرب والخوف هي المسيطرة على العالم في ظل هذا الوضع الرهيب الذي صنعته القوى الرأسمالية.

عملية الدفاع في عصرنا الحالي وفي الكثير من الأحيان لا تتطلب رفع السلاح فقط، بل تتطلب أيضاً الدفاع عبر القلم والعقل والفكر والحكمة أيضاً، وهنا نستطيع أن نتطرق إلى ثورة مهاتما غاندي، الذي يعد أكبر مثال على ذلك عندما استطاع تحرير الهند من هيمنة إنكلترا التي احتلت الهند وسيطرت عليها مدة قرنين، وذلك بقوة العلم والسياسة التي كان يتمتع بهما، فليس حملْ السلاح فقط هو الوسيلة للقيام بالحماية، إنما يجب أن تكون هذه الآلية متكاملة. فهناك أمثلة كثيرة نستطيع أن نتداولها في وقتنا الحالي، وكيف يستطيع المجتمع أن ينمي غريزة الحماية والدفاع عن أي شيء يمس الوطن، بدءاً من الفرد داخل المجتمع ومن ثم الأسرة مروراً بالحي والقرية وصولاً إلى المدينة أو أعلى هيكلية مناطقية أخرى.

حق الدفاع المشروع في القانون والأديان

يعرف الدفاع المشروع أو الشرعي في القانون الدولي في فصل التعريف والتطور التاريخي، بأنه فكرة عرفتها جميع الأنظمة القانونية ومختلف الشرائع كحق طبيعي وغريزي، فقد كان يمحو الجريمة عند الرومان فلا يبقى لها أثر جزائي أو مدني، وكان يعفى من العقوبة في أوربا الوسطى، وقد نص قانون عقوبات الثورة الفرنسية عام 1791 على أنه (في حالة الدفاع المشروع لا توجد جريمة مطلقاً ولذلك لا يحكم بأي تعويض مدني) وهذا ما فعله قانون 1810 وهو ما كانت قد أكدته الشريعة الإسلامية أيضاً استناداً إلى الآية القرآنية (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم) وكان الدفاع الشرعي يدعى في الشريعة الإسلامية - دفع الصائل - وقد جاء في الحديث الشريف للنبي محمد: «من شهر على المسلمين سيفاً فقد أحل دمه». كما عرفته وتبنته أيضاً مختلف الشرائع القانونية والفلسفات الوضعية.

كما تبنى ميثاق الأمم المتحدة حق الدفاع الشرعي، حيث تنص المادة 51 منه على أنه: "ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء - الأمم المتحدة - وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فوراً، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال، فيما للمجلس - بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمدة من أحكام الميثاق - من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه".

وعلى الرغم من أن الميثاق يحدد ضوابط قانونية ينبغي مراعاتها والالتزام بها بدقة كي لا يتحول حق الدفاع الشرعي أو المشروع إلى ذريعة تتمسك بها الدول لتبرر وتخفي أفعال العدوان التي تمارسها وترتكبها. وتمثّل هذه الضوابط الشروط القانونية الواجب مراعاتها وتحققها، سواء في فعل العدوان أو في فعل الدفاع فضلاً عن الشرط الإجرائي المتعلق بإعلام مجلس الأمن الدولي والتوقف عن ممارسة الحق في الدفاع بمجرد تدخله، إلا أنها تتبع الازدواجية في معاييرها، أو أنها شريكة فيما يتعرض له الشعب الكردي وشعوب كردستان من هجمات عدوانية ترتقي لهجمات الإبادة تشنها الدولة التركية العضوة في الأمم المتحدة.

فعلى الرغم من الاعتراف بشرعية أعمال المقاومة الشعبية المسلحة والحركات التحررية الثورية المسلحة التي تناضل لنيل حقها من أجل تقرير مصيرها من خلال تدويل النزاعات المسلحة التي تكون طرفاً فيها وهذا ما تم بمقتضى البروتوكول الملحق الأول لاتفاقات جنيف في 10 حزيران عام 1977 وكانت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة قد أقرت هذا المبدأ من قبل بموجب عدة قرارات أصدرتها لعل من أبرزها، القرار رقم 2649/ د - 25 الصادر عام 1970، والذي يؤكد شرعية نضال الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والأجنبية، والمعترف بحقها في تقرير المصير، لكي تستعيد ذلك الحق بأي وسيلة في متناولها. إلا أن أمم المتحدة لا تحرك ساكناً حيال ما يتعرض له الشعب الكردي الذي احتلت أرضه وسلبت حقوقه، وحيال حقوقه المشروعة، والأنكى أن بعض دول الأعضاء في الأمم المتحدة تصف نضال الشعب الكردي بالإرهاب.!!.

يتعرض الشعب الكردي الذي تجزأت أرضه بين 4 دول (العراق وتركيا وسوريا وإيران)، منذ اتفاقية سايكس - بيكو 1916، لأبشع أنواع الظلم والاضطهاد وبشكل خاص على يد دولة الاحتلال التركي التي تشن الهجمات ضد الكرد أينما وجدوا، ووصل بها الحال إلى إنكار وجودهم ولغتهم وثقافتهم، لذلك صعّد الكرد من نضالهم في ثمانينيات القرن الماضي في تركيا بقيادة حزب العمال الكردستاني عام 1978، وما زال هذا النضال مستمراً حتى يومنا الراهن.

وهناك في تاريخ الإنسانية بعض المقاومات التي لا يمكن تجاهلها. وبعض هذه المقاومات تحولت إلى رمز في المدن شارعاً بشارع.

حيث اجتمع الشعب عام 1848، في المدن وراء المتاريس ضد السلطات المتحكمة والمتشبثة بالدولة القومية في فرنسا وألمانيا. وفي عام 1871 حافظ المقاومون على قيم الإنسانية في كومونة باريس في العاصمة الفرنسية.

مقاومة وحدات حماية المدنيين (YPS)

وفي شمال كردستان أيضاً تحولت مقاومة وحدات حماية المدنيين (YPS) إلى رمز، إذ تم الإعلان عن الوحدات في 24 كانون الأول 2015 كضرورة ملحّة لحماية إرادة الشعب في إدارة نفسه بنفسه، أمام الهجمات التي يتعرض لها.

وبدأت مقاومة الدفاع الذاتي في مناطق عدة من شمال كردستان مثل شرنخ، وسور، وكفر، ونصيبين، وفارقين، وسلوبي، إذ كثفت الدولة التركية هجماتها، لكن مجموعات مؤلفة من 50 - 60 شخصاً من وحدات حماية المدنيين حمت مدن جزير وسور وسلوبي في وجه الدبابات والمدافع التركية.

واستمرت مقاومة سور التي أُبديت بقيادة الشهيد جياكر لمدة 105 أيام ضد العدو. وظهرت روح المقاومة في جزير بقيادة آرجين وروكن. وفي سلوبي وكذلك مقاومة إريش، وسيفي، وباكيزة وفاطمة حتى الرمق الأخير ضد الفاشية التركية.

فجذور نضال حزب العمال الكردستاني تفرعت في كافة أجزاء كردستان عبر فلسفة القائد أوجلان. لذلك اتخذ أبناء شمال وشرق سوريا من فلسفة القائد أوجلان وحق الدفاع المشروع أساساً لنضالهم منذ بدء الأزمة السورية.

إذ بدأ مرتزقة داعش بشن هجوم على مدينة كوباني في الخامس عشر من أيلول 2014 وبعد مقاومة شرسة دامت 134 يوماً، هزم المرتزقة على يد وحدات حماية الشعب (YPG) والمرأة (YPJ) في المعركة بتاريخ 26 كانون الثاني 2015، وبعد هذ النصر الكبير، تشكل أمل القضاء على هذا الإرهاب لدى كل العالم، وهنا بدأت الكثير من الحملات ضده.

أثناء مهاجمة داعش لمدينة كوباني والسيطرة على غالبية المدينة واحتلالها، كان أردوغان حينها رئيساً للوزراء وفي كل المناسبات كان يروج لربيبه داعش ويخرج على وسائل الإعلام مصرحاً بالقول: "كوباني ستسقط، كوباني سقطت".

ومع اشتداد الهجمات على المدينة وتقدم داعش صرح القائد العام لقوات الدفاع الشعبي (HPG) مراد قريلان، مؤكداً أن كوباني لن تسقط. وتحقق ما قاله قريلان.

وبقيت كوباني تحت وطأة حصار مرتزقة داعش لعدة أشهر سعياً منهم لاحتلالها بأي شكل من الأشكال؛ من خلال شن جميع أنواع الهجمات الوحشية، لكن مقاتلي ومقاتلات وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة كانوا يحولون أنفسهم إلى دروع وسدود منيعة ضد هذه الهجمات إلى أن أفشلوها جميعها.

مقاومة سرزوري

في كل الحروب، تظهر ملاحم عظيمة، حيث سطرت مدرسة سرزوري في كوباني ملحمة في تاريخ المقاومة، حيث اتخذ 12 مقاتلاً كانوا يقاتلون بقيادة القياديين رودي عفرين وبيمان تولهلدان قرارهم، بأنهم "لن يسمحوا بمرور إرهابيي داعش إلا على أجسادهم"؛ وقد وصل مرتزقة داعش إلى قرية سرزوري في الساعة 03:00 ليلة 15 أيلول، وكانت طائرات الاستطلاع التركية تحلق على الحدود للسيطرة على حركة المقاتلين في سرزوري، وكان انتباه الجميع على الجبهة الشرقية التي من شأنها أن تغير مسار الحرب.

وعندما دخل المقاتلون المدرسة طوق أكثر من 200 مرتزق من داعش المدرسة مع ثلاثة من دباباتهم، ثم دخلوا باحة المدرسة، وواصل داعش قصف المدرسة بالأسلحة الثقيلة ثم استخدم القنابل اليدوية لشق طريقه باستخدام الأسلحة الثقيلة، إذ أظهر المقاتلون في سرزوري مقاومة لا مثيل لها ضد داعش، حيث تمركز المئات من مرتزقة داعش حول المدرسة مع دباباتهم، لكن المقاتلين 12 قاوموا بمعنويات عالية حتى اللحظات الأخيرة، ولم يتمكن داعش من دخول المدرسة.

ومثل هذه المقاومة لم تقتصر فقط على كوباني، فمع ازدياد أطماع الاحتلال التركي، ومع تحرير العديد من مدن ومناطق شمال وشرق سوريا، من رجس داعش، شن جيش الاحتلال التركي هجوماً على مقاطعة عفرين في 20 كانون الثاني 2018، وعلى الرغم من وحشية تلك الهجمات، إلا أن أهالي عفرين ووحدات حماية الشعب والمرأة أبدوا مقاومة بطولية طيلة 58 يوماً في وجه ثاني أكبر قوة في حلف الناتو، وأطلقوا على مقاومتهم اسم "مقاومة العصر"، ومن ثم في سري كانيه وكري سبي في 9 تشرين الأول 2019.

ففي شمال وشرق سوريا التي تتعرض للهجمات والتهديدات التركية المستمرة، أعلن المجلس العام للإدارة الذاتية حالة الطوارئ العامة في 6 تموز المنصرم، ليستعد الأهالي على الصعد الدفاعية، والطبية، واللوجستية للدفاع عن أرضهم إلى جانب قواتهم العسكرية في وجه الهجمات التركية الوحشية. 

خاض ويخوض الآن أبناء شمال وشرق منذ عشرة أعوام، نضالاً من أجل حقوقهم المشروعة، إلا أن الدولة التركية المعروفة بشوفينتيها لم يرق لها ذلك، لذلك حاربت شعب المنطقة بكافة السبل والطرق عبر وكلائها أولاً ثم عبر تدخلها العسكري المباشر واحتلال أجزاء شاسعة من الأراضي السورية، وسط صمت الأمم المتحدة، والقوى العالمية وحكومة دمشق، والآن تسعى للقضاء على الكيان الموجود في المنطقة والمتمثل بالإدارة الذاتية عبر إبرام اتفاقات ومساومات مع القوى المتدخلة في الشأن السوري.

(س ر)

ANHA