​​​​​​​​​​​​​​"أصحاب الكروش والعروش".. بروفسور عراقي يكشف المتسببين في أزمات بلاده وسبل الخلاص

​​​​​​​أعاد البروفسور العراقي صادق أطيمش أسباب أزمات بلاده إلى تدخل القوى الإقليمية والدولية في البلاد، وسلط الضوء على الدور القذر للحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK)، كما رأى أن الخلاص من الأزمة الراهنة تحتاج إلى تغيير شامل والتوجه نحو دولة مدنية ديمقراطية وحديثة.

​​​​​​​​​​​​​​"أصحاب الكروش والعروش".. بروفسور عراقي يكشف المتسببين في أزمات بلاده وسبل الخلاص
الخميس 7 تموز, 2022   02:42
مركز الاخبار- أكرم بركات

يعاني العراق البلد الغني بالنفط من أزمات عميقة. البلد الذي تتقاذفه قوى دولية إقليمية عبر وكلائها في الداخل يعاني انسداداً سياسياً وفشل حتى الآن في تخطي أزماته.

وأرجع البروفسور العراقي صادق أطيمش أزمة العراق إلى وجود عدّة قوى إقليمية تقف خلف تأزم الوضع العراقي، وقال: " لا يمكن تنفيذ مصالح واطماع الدول الإقليمية في العراق دون عملاء هذه الدول داخل الاراضي العراقية والمساهمة في توجيه العملية السياسية العراقية. والأحزاب الكردية الحاكمة لا تشذ عن هذا الواقع الذي لا يمكن انكاره في مجمل سياسة حكومة الإقليم التي ما بات يهمها نضال الشعب الكردي وقواه التقدمية من أجل نيل حقوقه في الحرية والديمقراطية والكيان المستقل ضمن أنظمة ديمقراطية تحررية تسعى نحو الدولة المدنية الحديثة".

تصريحات البروفسور جاءت خلال حوار مع وكالتنا حول الوضع العراقي، والأزمة السياسية القائمة هناك، واسبابها وتداعياتها، مسلطاً الضوء على الدور القذر للحزب الديمقراطي الكردستاني وكيفية تحويل جنوب كردستان إلى ما وصفها بإقليم "برزانستان".

وفيما يلي نص الحوار:

* لا يزال الجمود مسيطراً على المشهد السياسي العراقي نتيجة الخلافات السياسية التي تعصف به، وحالت حتى الآن دون تشكيل حكومة بعد مرور 8 أشهر على الانتخابات التشريعية المبكرة. برأيكم ما السبب؟

إنه الصراع الدائم بين الأحزاب الحاكمة والقوى المتنفذة في العملية السياسية الجارية في العراق، إلا أن هذا الصراع لا علاقة له إطلاقاً بالسعي الوطني المخلص لمعالجة المعاناة المتفاقمة للغالبية العظمى من العراقيين المكتوين بجحيم منظومة المحاصصة والفساد والنهب والخراب والطائفية والإحتراب، ولا علاقة له بالتأسيس لوطن مستقل آمن ومزدهر وتوظيف خيرات العراق الكثيرة جداً من أجل وطن حر وشعب سعيد ، وإنما يشكل هذا الصراع مواصلة وتنامي وازدياد لصوصية الطبقة الحاكمة وإمعان احزابها المستهترة بالشعب والساعية إلى جعله يعيش الأزمات المتتالية، بغية مواصلة تكالبها على تقاسم المناصب والمغانم والامتيازات.

إن هذا الطريق الذي تسلكه الأحزاب الحاكمة اليوم هو الضمانة الوحيدة لاستمرار هيمنتها، وما هذا الجمود السائد اليوم في العملية السياسية إلا مظهراً من مظاهر هذا الصراع الذي لا ناقة فيه للشعب والوطن ولا جمل.

* من يقف خلف تأزيم المشهد السياسي في العراق الآن.

هناك كثير من القوى التي تقف وراء هذا المشهد السياسي وتعمل على تعميقه واستمراره. وتشير المآسي اليومية التي يمر بها الشعب العراقي إلى هذه القوى وبشكل أصبح لا يقبل الجدل أو التشكيك.

إنها اولاً وبكل وضوح كل القوى الإقليمية والدولية التي ترى في الساحة العراقية المُنتَهَكة مجالاً خصباً لتمرير صراعاتها وتنفيذ ما تخطط له في عراق، قد تحصل هذه القوى على نفوذ جغرافي فيه بعد أن تراهن وتسعى إلى تقسيمه. فإيران تطمع في عراق لولاية الفقيه الطائفية يمتد من سامراء وحتى البصرة. وتركيا تسعى إلى إعادة حدود الدولة العثمانية لتصبح كردستان الجنوبية إضافة إلى كركوك والموصل الحدود الجديدة للدولة الأردوغانية العنصرية الجديدة. ودول الخليج تسعى لأن تصبح المنطقة الغربية من العراق عمقها الإستراتيجي الجديد ومورداً مالياً آخر لأصحاب العروش والكروش، إمعاناً في تنفيذ سياساتهم التبعية، خاصة فيما يتعلق بزيادة وتائر القرب السياسي والاقتصادي والثقافي مع دولة اسرائيل العنصرية وأهدافها التوسعية في المنطقة وعدائها لحركات التحرر الوطني والسلام الاجتماعي.

كل هذه القوى التي توجهها سياسة الدول الكبرى ذات المصلحة المباشرة ايضاً في خلق هذا الوضع بالعراق، لا يمكنها تحقيق اهدافها إذا لم يكن لها من ينفذ مشاريعها على أرض وطننا. فعملاء إيران، مَن بالسلطة منهم أو بجانبها، الذين لا يدخرون جهداً في محاولاتهم لتسليم العراق بشعبه وخيراته وكل ما فيه إلى سادتهم في إيران، زاعمين أن في ولاية الفقيه الشوفينية المتخلفة انقاذاً لشيعة العراق من تهميشهم الذي عانوا منه لفترات زمنية طويلة من تاريخهم. وعملاء إيران هؤلاء يشكلون الغالبية العظمى من الاحزاب الشيعية الطائفية الحاكمة التي نشرت عصاباتها المسلحة على كل أرجاء الوطن، وهي التي تمارس ارهابها الطائفي تحت كثير من المسميات التي طالما تلصقها بالدفاع عن المذهب، أو حتى بالدفاع عن الدين أو الوطن احياناً. لذلك سعت هذه الاحزاب، بحكم وجودها في السلطة، إلى تعميق النزاعات وخلق الأزمات ونشر الجهل والتخلف والعصبية العشائرية التي تبلورت إلى نزاعات مسلحة بين افراد العشائر الشيعية بشكل خاص وهيمنة هذه العشائر على أمن وسلامة المواطنين بحيث اصبحت تشكل دولة داخل دولة.

وتركيا وجدت ما يدعم سياستها العنصرية الشوفينية في المنطقة، خاصة استطاعتها لاستغلال حالة الضعف الذي تمر به الدولة العراقية من جميع الوجوه. وما وجدته ايضاً من تنازلات تقدمها حكومة كردستان الجنوبية وحزبيها الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني، مما اتاح لها المجال لكي تتوغل في الأراضي العراقية وتدمير كثيراً من القرى الحدودية الكردية، على سمع وبصر حكومة اقليم جنوب كردستان، دون أي اعتراض على هذه الجرائم الهمجية، لابل يمكن القول بدعم من حكومة الإقليم، بغضاً للثورة الكردية وافكارها التحررية؛ حيث تشير كثير من الزيارات التي يقوم بها مسؤولون مهمون في حكومة الإقليم إلى تركيا والتنسيق مع العنصري الشوفيني أردوغان وعصابته الحاكمة، وهذا ما يشير إلى مثل هذا السكوت عن جرائم الجيش التركي في جنوب كردستان وفي غربها ايضاً.

أما في المنطقة الغربية التي كثر فيها من يدعون تبنيهم للمذهب السني والدفاع عن اتباعه فلم يتوانوا من التنسيق مع دول الخليج، أو مع عصابات الإرهاب كداعش وجبهة النصرة وغيرها، وذلك من خلال احزابهم الدينية والقومية كالحزب الإسلامي العراقي وبقايا حزب البعث في العراق وحركة القوميين العرب، فساهموا بقدر ما يستطيعون بإفساد العملية السياسية وتأجيج الصراعات المذهبية وخلق الفوضى الدائمة مقابل السماح للأحزاب الحاكمة بمواصلة اللصوصية والمشاركة في هذه اللصوصية ايضاً ، إضافة إلى استمرار تلقي الدعم بكل أنواعه من دول الخليج الطامعة في هذا الجزء من العراق.

* برأيكم لماذا انسحبت الكتلة الصدرية؟

حتى النواب الإمعات الذين لا يملكون من أمرهم شيئاً، وما هم إلا مجموعة من النعاج تردد ما ينعق به سيدها المُطاع دون سؤال وجواب، حتى هؤلاء لا يعلمون شيئاً عن سبب استقالتهم، لقد قال لهم سيدهم استقيلوا فاستقالوا دون أن يعرفوا السبب. لقد خالجت أنفس بعضهم عدم الاستقالة طمعاً بالمكاسب المادية، إلا أن الخوف من نتائج هذه المخالفة لأمر السيد المُطاع قد تكون وخيمة العواقب.

لقد اتاحت هذه الاستقالة لغريم الصدر، نوري المالكي دكتاتور عصره، إن يجد المبرر الدستوري لأن يشكل أكبر كتلة نيابية في البرلمان العراقي الخرِب المبني على المحصصات وكثرة عدد هذه الكتلة أو تلك، لا على البرامج السياسية التي تتبلور عنها عادة التحالفات الحكومية. وعلى هذا الأساس اصبحت لرئيس قائمة دولة القانون الانتخابية حصة أكبر من المقاعد البرلمانية. كما تبلور عن ذلك قوة قائمة دولة القانون بقيادة المالكي داخل الإطار التنسيقي الشيعي الذي تم تشكيله لمواجهة التيار الصدري الذي تزايد عدد نوابه إلى 72 نائباً، بحيث أصبح حديث الساحة السياسية العراقية عن الصراع بين الإطار والتيار. وهذا يشير بوضوح إلى تحكم نوري المالكي أكثر وأكثر وتشجيع نزعته الدكتاتورية في الاستيلاء مجدداً على قمة السلطة التنفيذية والاستمرار في سياسة المحاصصات المقيتة والعودة إلى استنساخ السنين الثمان الماضية من حكم المالكي بكل سيئاتها. وحتى وإن لم يستطع المالكي من الوقوف على قمة السلطة، لأنه لا يحظى باحترام الشعب العراقي، فسيكون من المؤثرين على التشكيلة الوزارية القادمة، إن حصلت قبل أن يصار إلى انتخابات جديدة.

* هناك جدل حول الرئاسة العراقية بين القوى الكردية، حيث كان هناك اتفاق مسبق بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني حول الرئاسة العراقية ورئاسة إقليم كردستان، إلا أن الديمقراطي نسف هذا الاتفاق برأيكم لماذا وما الهدف الرئيس من هذا النسف؟

 الأحزاب الكردية، مع الأسف الشديد، هي الأخرى التي فارقت خندق الشعب العراقي عموماً وخندق الشعب الكردي في كردستان الجنوبية بشكل خاص، ومصالح كل الشعب الكردي في عموم كردستان. لقد اصبحت احزاباً لاهثة خلف من يقدم لقادتها الأكثر من الامتيازات المالية والسياسية والمناصب العليا والسكوت عن ممارساتها كدولة داخل دولة اولاً، ولتوجهاتها في جعل كردستان الجنوبية ملجاً لكل اعداء الشعب الكردي واعداء التحرر وحملة الفكر الرجعي المتخلف ثانياً، لا من أجل مصلحة وطنية، بل من أجل كسب أكثر ما يمكن من النفوذ والأموال والامتيازات. يتندر كثير من أهلنا في كردستان الجنوبية بتسمية الإقليم "برزانستان "، تيمناً بتحول الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى حزب العائلة البرزانية، تماماً كما جعل المجرم صدام حزب البعث حزباً لعائلته والمقربين منها.

السياسة في عموم العراق اليوم لا علاقة لها بمقتضيات العلوم السياسية، بل إنها سياسة المحاصصة السقيمة بكل شيء والتي تمارسها كافة الاحزاب الحاكمة في كل العراق والمبنية على قاعدة "هذا لي وهذا لك"، أما الشعب فليحرث في البحر.

* ما خطورة تعاون الديمقراطي الكردستاني مع تركيا، على جنوب كردستان خاصةٍ والعراق عامةً؟

لقد ذكرت أعلاه أن مصالح واطماع الدول الإقليمية في العراق لا يمكن تنفيذها دون عملاء هذه الدول داخل الاراضي العراقية والمساهمة في توجيه العملية السياسية العراقية. والأحزاب الكردية الحاكمة لا تشذ عن هذا الواقع الذي لا يمكن انكاره في مجمل سياسة حكومة الإقليم التي ما بات يهمها نضال الشعب الكردي وقواه التقدمية من أجل نيل حقوقه في الحرية والديمقراطية والكيان المستقل ضمن أنظمة ديمقراطية تحررية تسعى نحو الدولة المدنية الحديثة. الأحزاب الكردية في كردستان الجنوبية تسعى لتحقيق مشاريع السياسة الأمريكية الجديدة في المنطقة من خلال مشروعها الجديد المسمى "الناتو الشرق اوسطي" الذي تسعى تركيا، كعضو في حلف الناتو إلى تحقيقه بالتعاون مع مصر والأردن واسرائيل ودول الخليج لتشديد الهيمنة على شعوب المنطقة والتوجه لمحاربة حركاتها التحررية بشكل جماعي وكل حسب منطقته "واختصاصه" واختصاص تركيا كردستان طبعاً، كل كردستان، تساعدها في ذلك الأحزاب الكردية العراقية لتكون ضمن الناتو الشرق أوسطي الجديد.

* ذكرتم في تصريح سابق أن العراق يسير نحو المجهول، والأحزاب الحاكمة في العراق سواء كانت عربية أو كردية لا تفكر بالمصلحة الوطنية، وإن تركيا تستغل الوضع العراقي لتحقيق ما تصبو إليه، وهو احتلال أكبر قدر من الأراضي لفرض الأمر الواقع في النهاية. برأيكم إلى أين يتجه العراق الآن؟

الوضع السائد في وطننا العراق اليوم يذكرني بما كتبه عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي حول انفصام الشخصية. هذه الظاهرة التي تعم فئات واسعة من الشعب العراقي اليوم، مع الاسف الشديد. وهنا يجب أن نؤكد على طبيعة هذه الفئات التي تسعى الأحزاب الحاكمة لأن تكرس فيها الجهل والتخلف الفكري الغيبي، مقدمة لها كل ما لذ وطاب لانتخابات بلدية أو عامة، أو استقبال أحد المتنفذين في العملية السياسية من قادة الأحزاب أو المليشيات المسلحة أو حتى عصابات تهريب المخدرات وتجار الدعارة الذين يملكون من الأموال ما يستطيعون بها استغلال جوع الناس والبطالة المنتشرة والفقر المدقع ليصفقوا لهم أو يستقبلونهم بالأهازيج أو ما يسمى بالعراقي الفصيح "الهوسات".

على الجانب الآخر تشاهد الحركة النضالية لجماهير تعي ما تطالب به وتسخر طاقات شبابية جبارة منذ عام 2011 بهذا الزخم أو ذاك الذي انفجر بثورة مطلبية شبابية عارمة في تشرين الاول من عام 2019، والتي لا زالت مستمرة في جميع المحافظات الجنوبية، وفي كردستان الجنوبية احياناً وبوتائر مختلفة. لقد واجهت الأحزاب الحاكمة، ولم تزل تواجه، هذه الانتفاضة الجماهيرية بالرصاص الحي الذي تسبب عن آلاف القتلى والجرحى والمعوقين.

مصير العراق المجهول الذي تحدثت عنه سابقاً لم يزل قائماً من وجهة نظري، إذا ما استمرت العصابات الحاكمة اليوم، العربية منها والكردية، على سياسة المحاصصة والركض وراء من يقدم المزيد من الغنائم، مع الإهمال المتعمد للشعب وحقوقه في ممارسة حياة تتناسب والإمكانيات المتوفرة في العراق. لذلك فإنني لا ارى سبيلاً لتغيير مسار هذا المصير سوى التغيير الشامل لماهية هذا النظام والسعي لتثبيت كيان الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة. كما أنني لا ارى بديلاً عن التضامن الأممي مع الشعب العراقي في نضاله من أجل تحقيق هذا التغيير.

(م)

ANHA