المُراهَنَةُ الخاسِرةُ - جميل رشيد

المُراهَنَةُ الخاسِرةُ - جميل رشيد
الإثنين 25 نيسان, 2022   21:46

لا يزال الحصار المفروض من قبل "الفرقة الرّابعة" التّابعة لقوّات النِّظام السُّوريّ مستمرّاً على حيّي الشِّيخ مقصود والأشرفيّة في مدينة حلب منذ أكثر من خمسة عشر يوماً، وسط تعثُّر المفاوضات التي ترعاها روسيّا في قامشلو بين كُلٍّ من الإدارة الذّاتيّة والنِّظام السُّوريّ.

كثرت التكهُّنات حول الأسباب المباشرة التي دفعت قوّات النِّظام إلى تشديد حصارها على الحيّين، وإلحاقها بمناطق الشَّهباء المُحاصرة أصلاً منذ أكثر من أربع سنوات، وهي تشير بكُلِّ وضوح إلى تغييرٍ في سلوك النِّظام وتعامله مع الحيّين، ولا يمكن فصله بأيِّ حالٍ من الأحوال عن التَّصعيد في السّاحة السِّياسيّة والعسكريّة في سوريّا، عقب مستجدّات رُبَّما تضع الأزمة السُّوريّة برمَّتها في منعطف أقلُّ ما يمكن وصفه بأنَّه "خطير" وينذر بتداعيات لن يكون النِّظام وحلفاؤه في هذه الحلقة بمنأى عنها.

حافظ حيّا الشِّيخ مقصود والأشرفيّة، ومنذ اندلاع الأزمة السُّوريّة واحتدام الصراع بين كُلٍّ من المعارضة والنِّظام، على النأي بالنَّفس، بعيداً عن المواجهات العنفيّة الدّامية بينهما، ولم ينخرط القائمون على تنظيم وتسيير أمور الحيّين في أيِّ أعمال عسكريّة تُهدِّدُ أيّاً من الأطراف المتصارعة، رغم مراهنة الطرفين عليهما في تغيير كفّة الصراع لصالحهما فيما لو تحالفت معه. لكن انتهجت القوّة السِّياسيّة والعسكريّة التي تكفّلت بالدّفاع عن الحيّين الخطَّ الثّالث، ولم يكن في إستراتيجيّتها فتح أيّ معارك سياسيّة أو عسكريّة مع أيّ من الأطراف، بل سعت للحفاظ على حياديّة مواقفها، ولكن دائماً أبدت جهوزيّتها للدّفاع ضُدَّ أيّ هجمات قد تطالها.

لم تشفع "حياديّة" الشِّيخ مقصود والأشرفيّة لهما في عدم تعرُّضهما لهجمات متكرّرة، ومن الطرفين، فبدأت المعارضة تتربّص بها، بعد أن تكشّفت أوراقها، وربطت مصيرها بالأجندات التركيّة في سوريّا، فكان الهجوم الأوّل عليها في صبيحة عيد الأضحى عام 2012، حينما استهدفت مجاميع ما كانت تطلق على نفسها اسم "الجيش السُّوريّ الحرّ" بالأسلحة الثقيلة تظاهرة سلميّة في حي الشِّيخ مقصود، أسفرت عن سقوط نحو 15 شهيداً من المدنيّين، بينهم نساء وأطفال وكبار في السنّ، ثُمَّ عمدت إلى قطع الطريق بين حلب وعفرين، وتخطف على الهُويّة، كُلَّ مواطنٍ عفرينيٍّ على الطريق. قادت جبهة النصرة ذاك الهجوم، ووسعته ليطال جبل "بارسا خاتون" بقرية قسطل جندو، شرقيّ عفرين.

الهجوم الثاني وقع في أواخر مارس/ آذار 2013، وتسبَّبَ بنزوح معظم أهالي الحي، بعد أسابيع من إمطار الحيّ بالقذائف، واستشهاد عشرات المدنيّين، وإلحاق خراب ودمار كبير بالمنازل والمحال التِّجاريّة.

استمرَّ تواجد بعض فصائل المعارضة في الحي حتّى أواخر عام 2015، حيث تمكّنت وحدات حماية الشَّعب والمرأة الـ(YPG) والـ(YPJ) من إخراجها، وإعادة تنظيم الحي، فتشكَّل مجلسٌ محلّيٌّ وبعض المؤسَّسات الإداريّة الأخرى، ونُظِّمت الحياة في الحيّ، رغم ضُعف الإمكانات الماديّة واللّوجستيّة.

الهجوم الوحشيّ الثّالث والأكثر دمويّة على الحيّ من قبل فصائل المعارضة المرتبطة بتركيّا وقع في 16 فبراير/ شباط 2016، حيث اجتمع نحو /26/ فصيلاً مرتزقاً، وبأوامر مباشرة من دولة الاحتلال التركيّ وشنّت هجماتها على الحي، مستخدمة كافّة صنوف الأسلحة، بما فيها الكيماويّة المُحرَّمة دوليّاً.

خاضَ أهالي الحي إلى جانب وحدات حماية الشعب والمرأة مقاومة تاريخيّة ضُدَّ تلك المجاميع الإرهابيّة المرتزقة، واستشهد نحو ألف شخص في تلك المقاومة، ما بين مدنيّ وعسكريّ، وفي النِّهاية انتصرت مقاومة الحي واندحر المرتزقة مع داعميهم.

توهَّمت تلك المجاميع أنَّ حيّي الشِّيخ مقصود والأشرفيّة هما الخاصرة الرَّخوة لوحدات الحماية، والتي يمكن السَّيطرة عليها بسهولة وخلال أيّام قليلة، لكنَّ حجم المقاومة التي أبداها أهالي الحي، كانت كفيلة بإلحاق هزيمة مدويّة بهم.

توافد عشرات الآلاف من نازحي عفرين إلى الحيّين، بعد احتلالها من قبل تركيّا ومرتزقتها، ووفَّرت إدارة الحيّ كُلَّ مقوِّمات الحياة الكريمة للنّازحين ولباقي سكّان الحيّين، حتّى غدا نموذجاً يُحتذى بهما في حلب، من حيث توفّر السِّلع والكهرباء والمياه والخدمات التي تُقدَّم للأهالي من النَّظافة وصولاً إلى حماية أمنهم.

سارع النِّظام السُّوريّ إلى نشر حواجزه على مداخل الحيّين، ليفرض طوقاً حولهما، حيث توجد إلى الآن ثلاثة حواجز، الأوّل عند سكّة القطار على الأوتوستراد شرقيّ حي الشِّيخ مقصود، والثّاني على مقربة من مغسلة الجزيرة قرب مقابر الأرمن، والثّالث بحي الأشرفيّة عند مسجد صلاح الدّين الأيوبيّ.

عمدت قوّات النِّظام على اتّخاذ إجراءات تعسُّفيّة ضُدَّ أهالي الحي على الحواجز، من خلال التَّدقيق على هُويّات الدّاخلين والخارجين من الحيّين من قبل عناصر فرع "أمن الدّولة" المسيطر على الحواجز، وما لبث أن انتشر عناصر "الفرقة الرّابعة" على الحواجز، وشرعوا مباشرة إلى ابتزاز الأهالي وفرض إتاوات على البضائع وكُلِّ شيء يدخل الحيّ، ما أثقل كاهل الأهالي.

اتّبع النِّظام قبل نحو شهر من الآن سياسة فرض "الحصار المتقطِّع والمجزّأ" على الحيّين وكذلك على مناطق الشَّهباء، عبر عدم السَّماح بإدخال المواد الأساسيّة وخاصّة الغذائيّة مثل الطّحين، وكذلك المحروقات، كالمازوت والغاز القادم من مناطق الجزيرة، رغم فرضه إتاوات باهظة على كُلِّ صهريج مازوتٍ قادم إلى المناطق الثّلاثة، وتعاملهم الفظِّ مع المواطنين، واعتقال البعض تحت حجج وذرائع واهية. حيث كانت العناصر تلجأ إلى التشديد على الحواجز أحياناً، لتعود بعد فترة لتسهّل مرور المدنيّين على الحواجز والسَّماح بإدخال المواد إلى الحيّين.

ما حدث في الفترة الأخيرة، وتحديداً منذ الخامس من الشَّهر الجاري، أنَّ قوّات "الفرقة الرّابعة" منعت بشكل قاطع إدخال الدَّقيق إلى الحي، حيث لاتزال الشّاحنات المُحمّلة بالدَّقيق مركونة عند حاجز "الفرقة الرّابعة" على دوّار "الجندول" الذي لا يبعد عن الحي سوى مئات الأمتار، ولا تسمح بوصولها إلى الحي. والأفران متوقّفة عن العمل منذ ذاك الحين إلى يومنا هذا.

من المؤكَّد أنَّ الحصار له أبعاد سياسيّة وعسكريّة، ومرتبط بشكلٍ وثيقٍ بما يجري على السّاحة السُّوريّة من مساومات وصفقات بين النِّظام والقوى الأخرى الإقليميّة والدّوليّة، وعلى رأسها تركيّا وروسيّا وإيران.

لا نكشف ونذيع سرّاً إنْ قلنا إنَّ "الفرقة الرّابعة" موالية، بشكل أو بآخر لإيران، ولا يمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال فصل مسألة الحصار عن نيّة إيران التمدّد أكثر في السّاحة السُّوريّة، بعد انشغال روسيّا بحربها في أوكرانيا.

لكنَّ المسألة الأساسيّة التي دفعت النِّظام إلى إصدار أوامره إلى "الفرقة الرّابعة" بتشديد الحصار، أنَّه جاء بعد عدّة لقاءات سُرّيّة بين استخبارات النِّظامين التركيّ والسُّوريّ. فالفرقة الرّابعة "تعتبر جهة منفّذة للأوامر وليست مصدراً للقرارات"، حسب توصيف عضو الهيئة الرِّئاسيّة لحزب الاتّحاد الدّيمقراطيّ "آلدار خليل" في مقابلة له مع شبكة "نبض الشَّمال".

الهجمات التي تَشُنُّها دولة الاحتلال التركيّ على سائر مناطق شمال وشرق سوريّا، والحملة العسكريّة الوحشيّة التي سيّرتها ضُدَّ مناطق الدِّفاع المشروع في جنوب كردستان، والضغوط التي مارستها على النِّظام السُّوريّ، وكذلك "الإغراءات" التي تُقدِّمها له، كُلُّها شكَّلت "حافزاً" لدى النِّظام السُّوريّ ليبرز وجهه العدائيّ للإدارة الذّاتيّة الدّيمقراطيّة في شمال وشرق سوريّا، ويتحرّك على الأرض، عبر استخدام جملة من الإجراءات القمعيّة ضُدَّ سكّان تلك المناطق – بما فيها حيّي الشِّيخ مقصود والأشرفيّة – عبر فرض الحصار، ظنّاً منه أنَّه يستطيع من خلاله تقديم صكوك زرع الثّقة لتركيّا.

السياقات التي جاء من خلالها الحصار، وبدء تركيّا من جانبها إجراءات تفكيك هياكل المعارضة المرتبطة بها، تمهيداً للإجهاز عليها، وتسليمها جثَّةً هامدةً إلى النِّظام السُّوريّ، كُلُّها توحي إلى قرب استئناف تطبيع العلاقات بين النِّظام وتركيّا، وبرعاية روسيّة وإيرانيّة وإماراتيّة.

استبعاد عناصر حركة الإخوان المسلمين من صفوف الإئتلاف السُّوريّ، ووضع تركيّا عدّة شروط أمام سوريّا لعودة العلاقات بينهما إلى سابق عهدها، تُنذر بمؤامرة تُنسَجُ خيوطها في الخفاء وتطهر للعلن وعلى أرض الواقع عبر سياسات يلجأ إليها الطرفان. وقد تسرَّبت إلى الإعلام النِّقاط التي اتَّفقَ عليها الطرفان في اجتماع موسكو بين رئيس جهاز الاستخبارات السُّوريّ علي مملوك والتركيّ حقّان فيدان، وهي:

1 – محاربة الإدارة الذّاتيّة الدّيمقراطيّة وقوّات سوريّا الدّيمقراطيّة ووحدات حماية الشَّعب.

2 – سعي تركيّا إلى تسليم عناصر المعارضة إلى النِّظام السُّوريّ.

3 – إعادة جميع اللّاجئين السُّوريّين إلى بلدهم، مع ضمان أمنهم.

4 – إعادة فتح المعابر بين تركيّا وسوريّا.

5 – استحواذ تركيّا وحدها على إعادة إعمار حلب.

إنَّ التصعيد التركيّ في شمال وشرق سوريّا، وتكثيف استخدامها للطائرات المُسيَّرة في استهداف المدنيّين ومقار مؤسَّسات الإدارة الذّاتيّة، والقصف المتواصل على مناطق الشَّهباء، تتكامل حلقتها الأخيرة بالحصار المفروض على الشِّيخ مقصود والأشرفيّة ومناطق الشَّهباء.

كما أنَّ السَّعيُ الرّوسيّ في رعاية المفاوضات بين الإدارة الذّاتيّة والنِّظام، لم يتكلّل بالنَّجاح، نظراً للدّور المشبوه الذي لعبته روسيّا، حيث تلعب سياسة العصا والجزرة، من خلال تهديد الإدارة الذّاتيّة بالسَّماح لدولة الاحتلال التركيّ بشَنِّ عدوانٍ جديدٍ على مناطق شمال وشرق سوريّا، وهو ما بَرِحَت روسيّا تتلاعب بتلك الورقة، لطالما تساوم بها تركيّا في أوكرانيا.

لكن يبدو من خلال متابعة مجريات الحرب الرّوسيّة – الأوكرانيّة أنَّ الولايات المتّحدة تمكّنت إلى حَدٍّ ما على استعادة تركيّا إلى أحضانها، وفرض شروطها عليها، لتلعب دوراً قويّاً ومتقدّماً في الحرب الأوكرانيّة ضُدَّ روسيّا، من خلال تقديم الطائرات المُسيّرة إلى أوكرانيا، وإرسال المرتزقة السُّوريّين التّابعين لها للقتال مع القوّات الأوكرانيّة، والابتعاد عن المحور الرّوسيّ نوعاً ما، وهو ما بدأت روسيّا تدركه جيّداً.

ترجم هذا الانزواء التركيّ عن روسيّا، من خلال التَّصعيد الرّوسيّ ضُدَّ المناطق التي تحتلُّها تركيّا في الشَّمال السُّوريّ إن كان في جبهات إعزاز والباب وعفرين، أو في إدلب. فتركيّا دخلت في مأزق جديد من خلال التخبّط في سياستها الخارجيّة والعدوانيّة تجاه محيطها، فلا هي قادرة على المُضيِّ قُدُماً في تنفيذ عدوانٍ جديدٍ ضُدَّ مناطق شمال وشرق سوريّا، بحكم المُتغيّرات التي تشهدها السّاحة السُّوريّة، وكذلك المقاومة التي تُبديها قوّات سوريّا الدّيمقراطيّة ضُدَّها، والتي أعلنت في اجتماع موسَّعٍ للمجالس العسكريّة التّابعة لها، بأنَّها سترُدُّ بكُلِّ الوسائل على جميع الاعتداءات التي تطال مناطق سيطرتها، وبقوَّة.

كُلُّ الاعتقاد أنَّ النِّظام السُّوريّ، إنَّما يُراهن على حصانٍ خاسِرٍ من خلال تعليق آماله على تركيّا وأردوغان، ولن يَحصد في النِّهاية أيَّ نتائج تُذكر، وعليه العودة إلى مسار التَّفاوض والحوار مع الإدارة الذّاتيّة لإنقاذ سوريّا من المخطَّطات التي تُعِدُّ لها تركيّا وحلفاؤها، فهل سيعود إلى رشده وينأى بنفسه عمّا تضع له تركيّا من أفخاخ؟ الأيّام القليلة القادمة سترفع الغطاء عن كُلِّ شيء وتظهر حقيقة الجميع للعيان.