لماذا يصرون على احتلال شنكال الذي حرره أبناؤه من داعش

بعد فرارها من شنكال، وترك أهله لقمة سائغة لمرتزقة داعش، تزعم قوات الحكومة العراقية والحزب الديمقراطي الكردستاني اليوم، عبر بناء جدار اسمنتي، أنهم يحمونهم من داعش، فيما تبقى المناطق الحدودية بين العراق وسوريا مفتوحة، فما أهمية شنكال على الصعيد الاستراتيجي في ظل وجود العديد من القوى فيه.

لماذا يصرون على احتلال شنكال الذي حرره أبناؤه من داعش
السبت 16 نيسان, 2022   01:02
مركز الأخبارـ أحمد سمير

شنكال... أي المنطقة الجميلة؛ كانت ولا زالت جبالها المحصنة محط أنظار الكثير من الطامعين بخيراتها، كذلك الامبراطوريات والقوى عبر التاريخ، نظراً لتميز موقعها الجغرافي المهم، الواقع على المثلث الحدودي (ٍسوريا، العراق، تركيا).

ويقع قضاء شنكال الذي يشكل الإيزيديون الغالبية العظمى من سكانه، والذي يعد من أقدم المدن في ميزوبوتاميا السفلى، في الجزء الغربي لمدينة نينوى، إذ تتمتع جباله التي يصل ارتفاعها إلى 1463 متراً، بأهمية عسكرية قصوى. 

شنكال ... منفذ طريق الحرير إلى البحر المتوسط

ويشكل القضاء عقدة وصل بين ثلاث دول، وله بعد اقتصادي؛ وهو منفذ طريق الحرير إلى البحر المتوسط، تهدده تركيا المحتلة الغارقة أصلاً في أزمة اقتصادية حادة باحتلاله، لفتح منفذ منه لإنعاش اقتصادها المتهالك.

اليوم، هذه البقعة الجغرافية ذات الديانة الإيزيدية العريقة والمقدسة لدى الكرد، مهددة بالإبادة، تتصارع عليها قوى داخلية وخارجية للسيطرة عليها، وعلى رأسها تركيا التي تحاول إعادة حقبتها العثمانية في المنطقة.

ولتركيا المحتلة تاريخ دموي حافل بارتكاب المجازر بحق الشعب الإيزيدي، وآخرها كانت في 3 آب 2014، حيث هاجمت عن طريق مرتزقة داعش، منطقة شنكال وارتكبت مجازر، راح ضحيتها الآلاف بين شهيد وجريح ومختطف.

قساوة الدرس والمجزرة الأخيرة، جعلت الكرد الإيزيديين يرفضون تكرار التجربة، عندما تخلى عنهم مسلحو الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتركوهم لقمة سائغة لمرتزقة داعش، إذ سارعت وحدات حماية الشعب والمرأة ومقاتلو حركة حرية كردستان لإنقاذهم من بطش داعش، بعد هروب قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني.

يقاومون هجمات الإبادة منذ عهد السومريين (3500، 5000)

دفع المجتمع الإيزيدي العريق والمتمسك بثقافته ومعتقداته ثمناً باهظاً للحفاظ على هذه الثقافة القيمة، وديانتهم لآلاف السنين، إذ أسسوا لأنفسهم نظاماً ديمقراطياً، فالإيزيديون يقاومون هجمات الإبادة منذ عهد السومريين، (3500، 5000) ق.م، أي مع تأسيس النظام وهرمية الدولة وحتى يومنا هذا.

ليس هذا فحسب؛ بل بدأ الإيزيديون مع مطلع 2014 بالبحث عن الحقيقة، بعدما تعرفوا على فكر القائد أوجلان، واليوم يخوضون مسيرتهم النضالية بتطوير طرق ووسائل جديدة للحماية الجوهرية، وشكلوا قوة خاصة (وحدات مقاومة شنكال) لديها خبرة عسكرية متمرسة في القتال، للدفاع عن أرضهم ولغتهم وجبالهم وسهولهم وديانتهم وثقافتهم في مواجهة القوى التي تريد النيل منهم.

يخبئ في أعماقه خيرات وفيرة

وعن الأهمية الجغرافية لقضاء شنكال، يقول الصحفي الإيزيدي، سيبان سلو، إن جبال شنكال معروفة بأنها جبال عصية، ومعروفة بكثرة كهوفها، وتخبئ في أعماقها خيرات وفيرة.

 وموقعه الجغرافي جعله في غاية الأهمية، وكانت الامبراطوريات والقوى تحتمي بجباله.

ما يحدث اليوم في شنكال تكرار للتاريخ

ويرى سلو أن وجود تركيا وإيران والحكومة العراقية والحزب الديمقراطي الكردستاني في شنكال ومحيطه هو للتاريخ.

وقال في ذلك: "كان شنكال يحتل مكانة مرموقة لدى السومريين والميتانيين والآشوريين والرومان والفرسن والعثمانيين والبيزنطيين والإسلام والمغول والعشائر التركية. جميع هذه القوى أرادت السيطرة عليه لأهميته الجغرافية والاجتماعية كونه يعد مركزاً الحضارة الاجتماعية".

ما الأهمية الاستراتيجية لشنكال؟

وأوضح سيبان سلو أن شنكال كان البوابة الرئيسة ومفتاح الدخول والسيطرة على ميزوبوتاميا، لذلك كان وجهة كل الامبراطوريات.

ونوّه سلو إلى أن الإيزيديين موجودون في شنكال منذ 6 آلاف عام، والآثار التي وجدت فيه تثبت صحة ذلك، عززوا أنفسهم في جباله لحماية أنفسهم من المخاطر، فالجبال كانت المسند القوي للحماية من التهديدات.

وذكر سلو أن مرتزقة داعش عندما هاجموا الإيزيديين في شنكال عام 2014 لم يتمكنوا من الوصول إلى جباله، ولو تمكنوا من الوصول إليه لتعرض الإيزيديون لأكبر إبادة جماعية في تاريخهم.

ولفت سلو إلى أن هجمات الامبراطوريات والحضارات المتعاقبة لم تتوقف على شنكال "كانت هناك حروب وفرمانات متتالية، عند مهاجمة المغول قضاء شنكال أبادوا 30 ألف منزل، لم يعرف حتى الآن عدد الإيزيديين الذين تم إبادتهم في تلك المجزرة.

وأشار سلو إلى أن جبال شنكال هي القلعة الحصينة لحماية الديانة الإيزيدية.

لإحياء العثمانية... مخططات تركيا لاحتلال مناطق سورية وعراقية!

وقبل هجوم داعش كان عدد سكان شنكال بحسب الإحصائيات الحكومية الرسمية ما يقارب 380 ألف نسمة، يقول سلو إن عدد الإيزيديين الموجودين في شنكال حالياً قد لا يتجاوز 100 آلاف إيزيدي، كل هذه سياسات ومخططات مدروسة، فعندما تريد أي قوة الهجوم على مكان ما تقوم بإزالة العوائق أو المقاومة التي ستجابهها، وهذا الذي حصل في شنكال، تم استهداف سكانها وارتكاب المجازر بحقهم، لكن الإيزيديين لم يقبلوا أن يتم تدنيس أراضيهم، ووقفوا في وجه مخططاتهم.

وحول أهداف القوى المتآمرة على شنكال، يقول الصحفي سيبان سلو "شنكال بوابة الموصل للطريق التجاري والذي يؤدي إلى تركيا، اليوم تركيا تريد فتح طرق اقتصادية جديدة، مخططات تركيا لا تستهدف شنكال فحسب؛ بل احتلال مناطق سورية وعراقية والهدف إعادة أطماع الامبراطورية العثمانية.

في 9 تشرين الأول/ اكتوبر وقّعت حكومة الكاظمي اتفاقاً مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، يقضي بحفظ الأمن في مدينة شنكال من قبل قوات الأمن الاتحادية بالتنسيق مع قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني.

 فرّت القوتان من شنكال أثناء هجوم داعش في 3 آب عام 2014. واليوم تضيّق الخناق على سكان شنكال بالأسلاك والجدار الاسمنتي بعد ارتباطهم الأيديولوجي بمشروع الإدارة الذاتية المبني على فكر وفلسفة القائد أوجلان والسعي من أجل إدارة أنفسهم بأنفسهم.

يريدون شنكال خالياً من الشنكاليين

الرئيس المشترك لحركة المجتمع الديمقراطي غريب حسو، أشار إلى أن بناء الجدار ومحاصرة شنكال هو نتيجة الذهنية العدائية اتجاه الشعب الكردي؛ وقال" يريدون من خلال تنفيذ مخططاتهم في شخصية الإيزيديين الذين طالماً كانوا عرضة للمجازر والفرمانات، هذه السياسات هي استمرار لسياسات حزب البعث العراقي الذي دائماً اراد كسر إرادة الإيزيديين، من خلال دفعهم إلى ترك جبال شنكال وجمعهم في مجمعات في القرى المحيطة بالجبل، لإبعادهم عن كرديتهم وتسليم إرادتهم".

وبيّن حسو أن هذه السياسة قديمة ومشتركة وعنصرية ضد المجتمع الإيزيدي، بأساليب قاسية "إنها جينوسايد جديد وسياسة إبادة، ففي 2007 فجروا سيبا وشيخ خضر، وقتل في يومها ما لا يقل عن ألف إيزيدي، لترك شنكال خاليةمن الشنكاليين".

وأوضح حسو أن الحزب الديمقراطي الكردستاني والحكومة العراقية ليسا بريئين من الفرمان الذي تعرض له الإيزيديين عام 2014، وتساءل: "كيف يمكن لقوى عسكرية أن تهزم أمام مجموعة من داعش والانسحاب من المنطقة، هذا ليس ممكناً بل مستحيل، إنما كان الأمر مخططاً".

موصل سقطت أمام داعش، أما شنكال فدافعت وقاومت

وأوضح حسو أن الشعب الإيزيدي ليس معارضاً للحكومة العراقية، يريد العيش بحقوقه الطبيعية الثقافية والأخلاقية على أرضه التاريخية مثله مثل كل العراقيين، "هو لم يرفع السلاح في وجه الحكومة العراقية على العكس حمل السلاح للدفاع عن نفسه وللدفاع عن وحدة العراق، وحارب داعش ونظم نفسه لتحرير مناطقه.

وأضاف حسو: "موصل سقطت أمام داعش، أما شنكال فدافع وقاوم بمساندة من مقاتلي حركة حرية كردستان، دون أن تقدم الحكومة العراقية والحزب الديمقراطي الكردستاني أي مساعدة له للأسف، فالشنكاليون حرروا مناطقهم من داعش وليس من الحكومة العراقية".

حركة حرية كردستان جاءت بموافقة رسمية إلى شنكال

ولفت حسو إلى أن المبادئ الديمقراطية وقيمها ظهرت في شنكال في إطار أخوة الشعوب، وأن الشنكاليين والمكونات الأخرى وحدوا قواهم على أساس العيش المشترك، ويخطون خطوات نحو الحرية. وأضاف "الحكومة العراقية لا تقبل هذا المشروع، الذي يظهر كواقع جديد في الشرق الأوسط، وأصبح هذا المشروع ورقة كبيرة في الأوساط السياسية والاجتماعية، ولها تأثير كبير اليوم على المجتمعات وهذا الأمر الذي بات يخيفها".

وبيّن غريب حسو أن الديمقراطي الكردستاني وتركيا ووراءهما بعض القوى الأخرى أصرّا على انسحاب مقاتلي حركة حرية كردستان من شنكال بسياسة قذرة، "بعد انسحاب المقاتلين تبيّن أن هناك مخططاً قذراً لبدء إبادة جديدة بحق شنكال"، وأوضح حسو أن "حركة حرية كردستان جاءت بموافقة رسمية من الحكومة العراقية والحزب الديمقراطي الكردستاني، ولم يكن ذلك خافياً، ورأى العالم بأسره روح التضحية والشجاعة التي أبدتها لحماية وإنقاذ الإيزيديين".

بناء الجدران انتهاء لسلطتهم... ورسالة لشعب روج آفا

وأشار حسو إلى بناء الجدار بين شنكال وروج آفا جاء نتيجة للاتفاق القذر لمحاصرة الإيزيديين وليس لحمايتهم من داعش كما يدّعون "داعش هاجم الأراضي العراقية من أطراف البو كمال والبعاج، هذا الجدار بمثابة إبادة وفرض التسليم على الإيزيديين. فبدلاً من بناء هذا الجدار لمَ لم يوافقوا على ضم الإيزيديين إلى البرلمان العراقي وضمان حقوقهم في الدستور العراقي".

ولفت غريب حسو إلى أن بناء هذا الجدار يعني الاعتراف باتفاقات لوزان وسايكس بيكو رسمياً، "حتى الأمس كانوا يحاربون ضد مخططات سايكس بيكو، وأنها قسمت الدول، اليوم يرسمون خريطة سايكس بيكو. إن بناء هذه الجدران يعني انتهاء لسلطتهم، يريدون إبعاد المجتمعات عن بعضها، ويوجهون رسالة إلى أهالي روج آفا مفادها أن هناك إبادة قادمة بحق الإيزيديين ولن تستطيعوا إنقاذهم هذه المرة.

ليسوا أهلاً لحماية حدودهم

وبيّن حسو أن تركيا أدخلت آلاف المرتزقة إلى سوريا والعراق من وراء هذه الجدران، "وراء هذه الجدران دربوا المرتزقة، وبناء الجدار بين شنكال وروج آفا ينطوي على خطر كبير في المستقبل، كون أهالي شنكال ليسوا بحاجة لمثل هذا الجدار، وهذا يعني التحضير لفرمان جديد في شنكال، وعلى المجتمع الدولي والأطراف العراقية والأحزاب السياسية في باشور كردستان أن يكونوا أصحاب موقف وطني، وعدم السكوت عما يجري".

العراق وحده لا يستطيع بناء هذا الجدار، وهناك دول داعمة لها

وشدد حسو أن الوقت حان لكي يتم الاعتراف بإرادة الإيزيديين الذين دفعوا ثمناً باهظاً، "لم يركعوا ويخضوا لأحد وقاوموا، وهم فخورون بما يفعلونه ويضحون به، اليوم واجب على كل الإيزيديين رفع صوتهم وأن يكونوا أصحاب موقف من الجدار الذي يتم بناؤه، اليوم نحن معروفون بين العالم بأسره بنضالنا ومقاومتنا، وعلينا الاستمرار بها".

وعن الدور التركي في بناء جدار شنكال، أشار حسو إلى وجود دور للدولة التركية وقال في ذلك: "في عفرين المحتلة يتم إنشاء مستوطنات أيضاً من قبل تركيا. الاقتصاد العراقي متهالك، فمن أين جلب الإمكانات لبناء هذا الجدار، لو لم تكن هناك دول داعمة لا يستطيع العراق وحده بناء هذا الجدار".

(ك)

ANHA