لبنان... إفلاس دولة أو هروب إلى الأمام؟

نفى حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة، إفلاس البنك الذي يقوده منذ 30 عاماً، وقال إن البنك ما زال مستمراً في أداء دوره الموكل له بموجب القانون رغم خسائر القطاع المالي. ولكن ماذا عن التصريحات التي سبقت هذا النفي، هل كانت رسالة إلى المودعين بأن الدولة عاجزة عن سداد كامل أموالهم المحتجزة في الجهاز المصرفي اللبناني؟

لبنان... إفلاس دولة أو هروب إلى الأمام؟
الخميس 7 نيسان, 2022   02:57
بيروت – زياد أبو غزالة

أحدثت تصريحات نائب رئيس الوزراء اللبناني، سعادة الشامي، عن إفلاس البلاد والمصرف المركزي، صدمة وبلبلة كبيرة، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان منذ أواخر العام 2019، لتخرج الجهات الرسمية في الدولة وتنفي الخبر سريعًا بعد الضجة الواسعة.

وبدأت البلبلة عندما كشف الشامي، في حوار مع قناة "الجديد" المحلية، عن إفلاس الدولة والمصرف المركزي، قائلًا: "سيجري توزيع الخسائر على الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين، ولا توجد نسبة مئوية محددة، للأسف الدولة مفلسة وكذلك مصرف لبنان، ونريد أن نخرج بنتيجة، والخسارة وقعت بسبب سياسات لعقود، ولو لم نفعل شيئًا ستكون الخسارة أكبر بكثير".

تصريحات أثارت ضجة عالمية كبيرة، وصدمت الكثير من الخبراء وناشطي مواقع التواصل الافتراضي، لتخرج الحكومة اللبنانية وتنفي الخبر رسميًّا.

رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، قال إن تصريحات نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي حول إفلاس لبنان تم اجتزاؤها، مؤكدًا أنه كان يقصد السيولة المالية.

كما نفى حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، إفلاس الدولة أو المصرف المركزي، قائلًا في بيان مقتضب: "على الرغم من الخسائر التي أصابت القطاع المالي في لبنان، والتي هي قيد المعالجة في خطة التعافي التي يتم إعدادها حاليًّا من الحكومة اللبنانية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، ما زال مصرف لبنان يمارس دوره الموكل إليه بموجب قانون النقد والتسليف وسوف يستمر بذلك".

أما الشامي، فعاد وأدلى بتصريحات لعدة وسائل إعلام لبنانية، أكد فيها أن حديثه اجتزئ من سياقه حين كان يجيب عن سؤال حول مساهمة الدولة ومصرف لبنان في تحمل الخسائر، معتبرًا أن بإمكانهما تحمّل جزء، لكن وضعهما الصعب لا يسمح بتحمّل الكثير لردم الهوة.

وسأل الشامي: "من أنا لأعلن إفلاس الدولة؟ الحديث مجتزأ، ضميري مرتاح ونعمل بكل طاقاتنا لإنجاز خطة تعاف اقتصادية ولإبرام اتفاق مع صندوق النقد في أقرب وقت".

واستغرب الموضوع من ناحية قانونية وشكلية، قائلًا: "لست المرجع الصالح لإعلان أمر مماثل"، مضيفًا: "نحن في وضع مالي صعب ولدينا تعثّر في سداد الديون ومشاكل أخرى نأمل معالجتها عبر خطط إصلاحية مناسبة، لكن الأمر لا يعني إعلان الإفلاس".

إفلاس الدولة قانونيًّا

وتقول الخبيرة القانونية بالشأن المصرفي الدكتورة سابين الكيك، أنّ إفلاس الدولة يحدث عندما تكون الدولة عاجزة عن سداد ديونها، وتصبح غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية، مثل دفع الرواتب وسداد قيمة ما تستورده من بضائع وسلع، في حين يؤدي إعلان الدولة إفلاسها إلى انهيار اقتصادي، حيث يندفع المستثمرون وأصحاب المدّخرات إلى سحب أموالهم من البنوك ونقلها خارج البلاد، لذلك تغلق الحكومات البنوك وتفرض قيودًا على حركة رؤوس الأموال.

وأوضحت الخبيرة القانونية لوكالتنا، أنّه وعلى صعيد الالتزامات الخارجية للدولة المفلِسة، فتتم تسوية الديون أو إعادة هيكلتها مع الدائنين، وعادة ما يساعد صندوق النقد الدولي على إعادة هيكلة الديون السيادية، لكن قروضه تكون مشروطة بإجراءات تقشفية، مثل زيادة الضرائب أو تخفيض الوظائف والخدمات في القطاع العام، الأمر الذي لا ينطبق على واقع الدولة اللبنانيّة، رغم ما سمته نهج "ترقيع الحلول" وتقطيع الوقت وتقاذف المسؤوليات على أرضية الانهيار.

إذًا، من وجهة نظر قانونية حتى الآن، فإن تصريح سعادة الشامي على الرغم من أن منصبه الحكومي لا يعكس الموقف الرسمي من جانب الدولة اللبنانية التي يتحتم عليها، إذا كان الحال القائم هو إفلاسًا فعليًّا، أن تعلن عن ذلك ببيان رسمي موجه إلى المواطنين عمومًا، ثم إلى الجهات الدولية المعنية، خاصة البنك الدولي والجهات الدولية المانحة والمقدمة للمساعدات والقروض والتي تعود إليها مبالغ مالية كبيرة من ديون لبنان الخارجية.

وحتى الآن، لم يعلن أي مسؤول حكومي لبناني إفلاس البلد، على الرغم من استمرار الأزمة الاقتصادية منذ أواخر العام 2019، كما أن الدولة لم تعترف بوجود سياسة "الهير كات" (قص الشعر) على الحسابات البنكية للمودعين، برغم أن البنوك فرضت قيودًا هائلة، وخطوات اقتطاع مجحفة من حسابات المودعين في البنوك تبلغ حدود 70 في المائة من قيمة أموالهم المحتجزة.

وعلى الرغم من هذه المفاجأة غير السارة، التي كانت في بال اللبنانيين وتوقعاتهم، إلا أنهم يتساءلون الآن عن سبب هذا الإعلان والمغزى من توقيته، في الأيام الأولى من شهر رمضان الثقيل على جيوب اللبنانيين، وقبل أسابيع قليلة من الموعد المفترض لفتح صناديق الاقتراع، في أول انتخابات برلمانية في مرحلة ما بعد "ثورة تشرين" العام 2019، وبدء الانهيار الشامل لليرة اللبنانية أمام الدولار.

هروب إلى الأمام

ويتخوف كثيرون من تصريحات الشامي، لأنه يجدد الإشارة إلى أن المودعين سيتحملون مجددًا جزءًا من توزيع خسائر الإفلاس، إذ قال الشامي في المقابلة: "سيجري توزيع الخسائر على الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين، ولا توجد نسبة مئوية محددة".

ولذلك، يتساءل اللبنانيون عن خسارتهم ومصير أموالهم التي في البنوك؟ وهل سيقتطع منها؟ وكم وبأي نسبة؟ وهل سيطال "الإفلاس المعلن المنفي" أملاكهم ومنازلهم وأراضيهم وغيرها؟

أسئلة ليس لها أجوبة في الوقت الحالي، إلا أن اللبناني بإمكانه الرجوع إلى الوراء بالتاريخ قليلًا، ليرى أن العديد من الدول سبق وأعلنت إفلاسها في مختلف القارات، بما في ذلك أوروبا، حيث إن ألمانيا مثلًا أعلنت إفلاسها 8 مرات خلال القرون الثلاثة الماضية، والولايات المتحدة خمس مرات.

إلا أن المثير للقلق في حالات بعض الدول المفلسة، أنه قد لا تتوفر لديها المقدرات والموارد القوية والغنية التي تتيح لها الخروج من كبوتها سريعًا وبصعوبة أقل، كحال لبنان مثلًا الذي لا يتمتع بموارد كالنفط والغاز والمعادن التي قد تسهل عليه الخروج من خندق الأزمة الاقتصادية المستفحلة.

والجدير ذكره، أن الاقتصاد اللبناني يتكبد العديد من الخسائر الجسيمة، خاصة بعد أزمة جائحة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت، ما أدى إلى انخفاض الاقتصاد بنسبة 9.5 في المائة عام 2021، مقارنة بالعام الذي سبقه.

ويمر لبنان بثالث عام من الانهيار المالي الناجم عن عقود من الفساد والسياسات السيئة التي أدت إلى فقد العملة أكثر من 90 في المائة من قيمتها، كما منعت البنوك معظم المدخرين من الوصول إلى حسابات بالعملات الصعبة. وقدرت مسوّدة خطة حكومية للإنقاذ المالي في وقت سابق هذا العام وجود فجوة بنحو 70 مليار دولار في القطاع المالي.

(ح)

ANHA