لماذا تحتاج النساء للاقتداء بأفكار القائد أوجلان - منى يسري

لماذا تحتاج النساء للاقتداء بأفكار القائد أوجلان - منى يسري
الإثنين 4 نيسان, 2022   21:38

تحتاج نساء الشرق الأوسط أيّما احتياج إلى تأمل عميق فيما كتب القائد أوجلان حول قضايا المرأة، ويتشاركنّ معاً سبل تحررهنّ القائمة على أسس مادية وعلمية، ولعل يوم مولده تذكيرًا لكل النساء بما قدمه أوجلان من أفكار وسرديات مؤسسة لطريقهن نحو التحرر والخلاص من عبودية طال أمدها.

فوق منصته غنّى البــهتانْ

قام القاضي يرقص في حلبتهِ

ما زالت رقصتهم حتى الآن

من جهة أخرى:

انطلقَ البحرُ

وسماء في أُغنيةٍ

تبكي:

آ   بو   آ    بو    آ     بو

أما آبو (أوجلان)

في ساعتها أضحى نسراً يكبر

يكبر يكــبـر

مشتعلا لا يخبو

حلَّق فوق ذُرى كردستانْ

(قصيدة: ولماذا طلبوا موتك يا أوجلان؟! – فاروق مواسي).

يحتفل الشعب الكردي بميلاد جديد للقائد عبدالله أوجلان يحل بقدوم نيسان الربيع من كل عام. تزهر الورود كما تتجدد عهود النضال والسير على درب المناضل والزعيم آبو، في قلب هذا النضال تأتي المرأة كأهم معول في هدم النظام القائم وجسرًا نحو الحرية وبناء المجتمع الديموقراطي الذي أرسى له أوجلان في العشرات من مؤلفاته.

المرأة كثورة ثقافية

يتجاوز أوجلان بأطروحته وأفكاره المؤسسة حول قضايا المرأة، ما توقفت عنده التنظيرات الغربية التي لا تتجاوز الحديث عن المساواة بشكل لا يتقارب مع جذور الأزمة ولا يتناسب مع حجم ما وقع على النساء من اضطهاد منذ فجر التاريخ كما نعرفه. إذ لا تتجاوز القضية النسوية في الفكر الليبرالي الغربي الحديث عن إصلاحات وحقوق منبثقة في الأساس من النظام الرأسمالي، ولا تسعى سوى بتصدر بعض البرجوازيات من النساء الممثلات لهذه التيارات بعض المناصب وتحقيق صعود اجتماعي وسياسي في إطار النظام القائم. أما على الصعيد الأوجلاني نجد أنفسنا في تجاوز تام لمثل هذا الحديث، يرى أوجلان أنّ ملكيّة المرأة داخل منظومة الأسرة هو النظام المؤسس لمفهوم الملكية الخاصة، الذي تطور بدوره إلى النظام البطريركي ثم إلى ما وصلنا إليه الآن، ولا يعني اكتساب بعض النساء القليل من الحقوق في إطار المنظومة القائمة، أنّ المرأة قد وجدت ضالتها.

ينفي أوجلان أي وجود لحياة صالحة ومجتمع إنساني سليم، ما دامت النساء أسيرات التعاطي الجنسي القابع في المخيلة الذكورية منذ آلاف السنين، ويلقي باللوم على أي محاولات ثورية نحو دمقرطة المجتمعات، ما لم تكن قضايا النساء وتحريرهنّ لأنفسهنّ في القلب منها.

قيامة النساء

نعيش كنساء الشرق الأوسط أسيرات لمفاهيم أيدولوجية دينية في الأساس حول وضعنا الإنساني وعلاقتنا بأنفسنا وبالجنس الآخر والمجتمع، وإذا استطعنا الهرب من تلك السرديات المقدسة، يختطفنا بريق النسوية الغربية الأخاذ، دون أن ننتج خطابًا نسوياً وأطروحات نابعة من الواقع، إننّا نستورد ترياقاً لا يتناسب مع طبيعة السم المستشري في عروقنا الاجتماعية كنساء. في هذا الإطار تقدم أطروحات أوجلان ترياقًا ناجعًا، منبثقًا من قلب الأزمة مشيرًا بإصبعة إلى جذورها، مصطدمًا بكل الثوابت لكشف حقائق تحيد عنها كل الأطروحات الأخرى المتجلية من قلب النظام القائم. يتهم أوجلان علم الاجتماع الغربي، بطمسه المتعمد لوضع المرأة في الأسرة تاريخيًا، ويبدد بريق أي انتصارات قائمة للمرأة في ظل النظام الأبوي القائم، ما دامت المرأة لم تتحرر من موضعها كشيء وموضوع جنسي رأسمالي مستخدم من قبل بنية لا تؤمن إلّا بالربح والتسليع.

عمقّت الحداثة من أزمة المرأة، بل استخدمت النساء لصالحها، وجعلت منهنّ موضوعًا لما تقدمه للعالم الجديد، ولا يفصل القائد أبدًا في حديثه عن التحرر بين عبودية المرأة والرجل، فهما مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، يحاول النظام الأبوي طمسه، لكن الخلاص الإنساني ذاته يرتبط بتحرر النساء الذي يسقط العبودية بأكملها عن كاهل الإنسان الحديث المستغل، وهو ما يتناسب مع الدور الذي تمارسه المرأة صاحبة النصيب الأكبر من بناء المجتمع، والمتحمل الأول لأعباء الحياة لتأمين السيرورة الاجتماعية.

نحو التطبيق

تدفع نساء الشرق الأوسط الثمن الأفدح للاضطرابات والقلاقل السياسية منذ عام 2011 بشكل خاص، فقبلها بالتأكيد لم تكن بلداننا مستقرة، هدمت تلك الهزات الاجتماعية المكتسبات السطحية للنساء استطعن اقتناصها عبر عقود من المطالبات، وذهبت سدىً إذ لم تبنى على أساس قوي، ولم تجتث المشكلة من جذورها، كما يشير أوجلان في حديثه الدؤوب والمستمر حول النساء وقضيتهنّ الإنسانية. بينما فشلت الليبرالية في تحرير النساء كما ادعت طويلًا، اتخذ أوجلان من تحريرهنّ الحتمي طريقًا للعبور الإنساني والاجتماعي من العبودية والاغتراب عن الذات والمحيط الاجتماعي والطبيعي.

تزيح أطروحات القائد الستار عن قضية المرأة باعتبارها أمرًا ثانويًا، وعدم اعتبارها أولوية قصوى بل وتفكيك كل الثنائيات التاريخية المنبعثة من نظام الاستغلال والقمع. تخضع المرأة بدورها لأكبر عملية استغلال حدثت في تاريخ الإنسانية، وتشهد على ذلك أسواق الجواري وسير ملكات اليمين، هنا قدّم النظام الرأسمالي نفسه كمخلص للمرأة من عبوديتها، كما وعد بالخلاص الإنساني، وهو ما فشل في تحقيقه بل إنّه أعاد إنتاج عبودية النساء بشكل أكثر عنفاً وتطبيعاً مع الاستغلال، حتى صارت المرأة نفسها لا تدرك هذا القمع بل تألفه وتسعى إليه.

تحتاج نساء الشرق الأوسط أيّما احتياج إلى تأمل عميق فيما كتب القائد أوجلان حول قضايا المرأة، ويتشاركنّ معاً سبل تحررهنّ القائمة على أسس مادية وعلمية، ولعل يوم مولده تذكيرًا لكل النساء بما قدمه أوجلان من أفكار وسرديات مؤسسة لطريقهن نحو التحرر والخلاص من عبودية طال أمدها.