​​​​​​​ارتفاع أسعار السلع في لبنان: جشع تجار أم تداعيات الحرب في أوكرانيا؟

انعكس التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا، وتداعياته على الأسواق اللبنانية، من ناحية استيراد الزيت والقمح من هناك. فمنذ اندلاع الحرب، ارتفعت أسعار الزيوت بشكل ملحوظ في السوبرماركت والمحال التجاريّة، إضافة إلى اختفاء سلع بشكل كلّي عن الرفوف، لا سيّما الزيت والطحين.

​​​​​​​ارتفاع أسعار السلع في لبنان: جشع تجار أم تداعيات الحرب في أوكرانيا؟
الأربعاء 16 آذار, 2022   03:11
بيروت - زياد أبو غزالة

"غيمت بأوكرانيا وشتّت عنا"، هذا لسان حال الشعب اللبناني اليوم، في إشارة إلى التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا، وتداعياته على الاقتصاد المتهالك أصلاً في لبنان، وكأنه لم يكن ينقص هذا الشعب، سوى دفع فواتير حروب لا ناقة له فيها ولا جمل، لتزيد معاناته اليومية، في ظل أزمته الاقتصادية.

ففي 24 شباط/ فبراير الماضي، بدأت روسيا تحركها العسكري في أوكرانيا، تبعتها ردود فعل دولية غاضبة وفرض عقوبات اقتصادية ومالية على موسكو، انعكست تأثيراتها على دول العالم، من بينها لبنان، الذي يعاني بالأصل أزمة وصفها البنك الدولي بأنها "الأكثر حدة وقساوة في العالم"، وصنفها ضمن أصعب ثلاث أزمات سجلت في التاريخ منذ أواسط القرن التاسع عشر.

وبدأت بوادر تداعيات الحرب تلوح بالأفق اللبنانية، مهددة بأزمة أمن غذائي إن طال أمدها، إذ يحتاج لبنان سنوياً بين 550 ألفاً و650 ألف طن من القمح، بحسب بيانات حكومية.

وبحسب البيانات فأن "القمح يأتي في المرتبة الأولى من بين السلع التي استوردها لبنان من أوكرانيا، بحجم يصل إلى 511 ألف طن".

وبحسب المؤسسة "الدولية للمعلومات"، يوجد خلل كبير في الميزان التجاري بين لبنان وأوكرانيا لمصلحة أوكرانيا، إذ إن لبنان لا يصدّر شيئا لها، في حين تبلغ قيمة الواردات من أوكرانيا نحو 354 مليون دولار كمتوسط سنوي بين 2012 و2020.

وإضافة إلى القمح، يستورد لبنان من أوكرانيا السكر، والأبقار، والغنم، والحديد، والشعير.

ووفق أرقام الجمارك اللبنانية، تعد روسيا من أكبر مصادر لبنان لاستيراد الزيت النباتي، إضافة إلى الزيوت النفطية، والفحم الحجري، وغيرها من السلع.

خطوة استباقية

واتخذت الحكومة اللبنانية قراراً لحظر تصدير لائحة طويلة من المواد الغذائية المصنعة في لبنان، وذلك في سياق خطوات استباقية للحد من تأثيرات التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا، وانعكاساته على الأمن الغذائي في البلاد.

وأوضح وزير الصناعة اللبناني، جورج بوشكيان، أن "قرار الوزارة عدم السماح بتصدير مواد الغذاء المصنعة في لبنان، يأتي في إطار رؤية بعيدة المدى للمحافظة على حد مطلوب من المخزون الاستراتيجي الغذائي تحت سقف سياسة الأمن الغذائي الواجب التمسك بها وعدم التفريط بمكوناته وبحاجات الناس الأساسية والضرورية".

وأكد أن "الأزمة العالمية قد تطول ولا أحد يمكنه توقع تاريخ انتهائها ولا بالأضرار والانعكاسات التي ستخلفها في الدول والمجتمعات"، مضيفاً أن القرار يهدف إلى حماية اللبنانيين وردع الاحتكار والاستغلال، ومنع حصول أي نقص في حاجات اللبنانيين".

وخلال وقت سابق من الشهر الجاري، شكلت الحكومة لجنة وزارية لمتابعة موضوع الأمن الغذائي، لاستباق كل مشكلة يمكن أن تنتج عن تداعيات ما يجري في أوكرانيا.

وبالتزامن معها، تقوم الأجهزة الأمنية بمداهمة المحال التجارية لمكافحة أي احتكار للسلع الغذائية أو رفع سعرها.

وكذلك، قرر لبنان تقنين استخدام الطحين وحصره بصناعة الخبز فقط، بهدف الحفاظ على القمح لوقت أطول.

تعميق لمعاناة اللبناني

ويقول المحلل الاقتصادي، منير يونس، إن الأزمة ستتفاقم على كل الدول العربية غير النفطية، والتي تستورد قمحها، إذا طالت الحرب.

وأضاف لوكالتنا أن السلطات اللبنانية ستستمر غالبًا بالسعي لشراء الوقت وتوفير تكاليف استيراد القمح تفاديًا لردود الفعل الشعبية ولو على حساب استنزاف احتياطي المركزي.

وما أصاب لبنان بعد التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا، وفق يونس، هو أن ارتفاع سعر القمح عالمياً فرض على المركزي دفع مبالغ أكبر بالدولار لاستيراد كمية القمح نفسها؛ فـ"أصبح يماطل ويحاول التقنين بالاستيراد، وذلك يدحض محاولة السلطات التقليل من حجم أزمة القمح أمام الرأي العام".

ويؤكد أنه إذا استمرت الحرب في أوكرانيا مدة طويلة، ستتقلص قدرة المركزي على دعم استيراد القمح على المدى المتوسط، وستُعجّل ببلوغه عتبة العجز عن دعم استيراده.

وعليه، ثمة علاقة مباشرة بين قدرة المركزي على دعم استيراد القمح، وارتفاع أسعاره عالمياً، وذلك قد ينعكس تلقائياً على سعر ربطة الخبز في لبنان.

رفع الأسعار العالمية 20 %

وأعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)، أن الأسعار العالمية للأغذية والأعلاف قد ترتفع بما تتراوح بين ثمانية و20 % نتيجة للصراع الدائر في أوكرانيا، مما سيؤدي إلى قفزة في عدد المصابين بسوء التغذية على مستوى العالم.

وقالت "الفاو" إنه لم يتضح ما إذا كانت أوكرانيا ستكون قادرة على جني المحاصيل إذا طال أمد الحرب، إلى جانب الغموض الذي يكتنف أيضاً الصادرات الروسية خلال السنة القادمة.

وأوضحت المنظمة أن النزوح الجماعي الضخم للسكان من أوكرانيا أدى إلى تراجع أعداد العمالة الزراعية، كما أن الوصول إلى الحقول الزراعية سيكون صعباً في ظل التحرك العسكري الروسي.

ولفتت إلى أنه حتى إن استطاع المزارعون الوصول وحصاد القمح، فالمشكلة ستظل قائمة، فموانئ أوكرانيا الواقعة على البحر الأسود مغلقة، وحكومتها حظرت هذا الأسبوع تصدير القمح والشوفان وحبوب الدخن والحنطة السوداء وبعض المنتجات الغذائية الأخرى، للحيلولة دون حدوث أزمة في البلاد، وتحقيق الاستقرار في السوق المحلية.

وقالت "الفاو" إن روسيا أكبر مُصدر للقمح في العالم، بينما جاءت أوكرانيا في المرتبة الخامسة. وتوفران معاً 19 % من الإمدادات العالمية من الشعير و14 % من إمدادات القمح و4 % من الذرة، وهو ما يشكل أكثر من ثلث صادرات الحبوب العالمية.

وحذرت المنظمة الأممية من أن الدول الأكثر فقراً في شمال أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط والتي تعتمد بشكل كبير على واردات القمح، تواجه خطر المعاناة من انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير جراء الحرب الروسية الأوكرانية، حيث يدفع الصراع أسعار المواد الغذائية المرتفعة بالفعل نحو التزايد في معظم أنحاء العالم.

وإضافة إلى هذه الضغوط، من المرجح أن تزيد الدول التي تعتمد على القمح من روسيا وأوكرانيا من مستويات الاستيراد.

علماً أن مصر وتركيا وبنغلاديش وإيران تشتري 60 % من احتياجاتها من القمح من روسيا وأوكرانيا. كما يعتمد كل من لبنان وتونس واليمن وليبيا وباكستان بشكل كبير على صادرات القمح لهذين البلدين.

(ح)

ANHA