"الميغاسنتر" في لبنان... الإصلاح الانتخابي اصطلاحًا والتأجيل سياسياً

يناقش المجلس الحكومي اللبناني عددًا من البنود بينها "الميغاسنتر" الذي يصر عليه رئيس الجمهورية، ميشال عون. وهو ما قد يؤثر بشكلٍ كبير في موعد الانتخابات المرتقبة لطرحها في وقت حساس قبيل الاستحقاق الانتخابي. فهل يضع عون وفريقه الوزاري حجر عثرة في طريق الانتخابات، وهل تزيد رقعة الفجوة السياسية مع باقي الأفرقاء في ظل وجود نقاط خلافية كثيرة أبرزها ملاحقة حاكم مصرف لبنان؟

"الميغاسنتر" في لبنان... الإصلاح الانتخابي اصطلاحًا والتأجيل سياسياً
الأربعاء 9 آذار, 2022   01:23
بيروت – زياد أبو غزالة

إن أحوج ما يكون إليه لبنان اليوم هو الإصلاح الحقيقي، لا سيَّما في المرافق المفصليّة الّتي تحدد إطار المرحلة السياسية المقبلة، في ظل انهيار اقتصادي قد يدخل عامه الثالث. وفيما يعاني لبنان على صفيح ساخن، تبرق فيه شرارة الإصلاح، لكنها شرارة على ما يبدو لن تكون لزرع الأمل وتغيير الواقع، بقدر ما هي لإحراق عملية الانتخابات المرتقبة من بوابة المطلب المحقّ.

المطلب المحقّ هذا ظلّ راقدًا عقودًا طويلة وخرج من درج التيار العوني مؤخرًا، خرج في الوقت الخطأ، ربَّما المتأخّر وربَّما السَّابق لأوانه، أيًا يكن لا فرق. فالمشهد الراهن حساس للغاية بتفاصيله الضاغطة وكل معوّق يضغط باتجاه تفاقم الأوضاع سيعود وبالاً على جميع اللبنانيين، وإن تزيّنت المعوّقات بلباس الإصلاح، وحوّلت الجلسات الوزارية إلى ساحة كباش بين الأفرقاء.

"الميغاسنتر" مصطلح سياسي أطل على اللبنانيين في انتخابات العام 2018، لكنه لم ير النور وقتها، ليعود مؤخراً ويطل من جديد، رغم أنه لم يعد يفصلنا عن موعد استحقاق الانتخاب إلا ما يزيد عن شهرين.

و"الميغاسنتر" هو المراكز الانتخابية التي يجب توفرها في المناطق، وتكون مخصصة للناخبين ليقترعوا في أماكن سكنهم، بما يعني أن ذلك يتطلب التسجيل المسبق، مع ما يستلزم ذلك من تدابير لوجستية ضرورية لإنجاز الأمر.

وفي حديث لوكالتنا، قالت الصحافية والكاتبة اللبنانية إلسي مفرج: إن "الميغاسنتر مطلب إصلاحي لا بد منه لأكثر من سبب. أولاً، الضغط الذي يقع على الناخبين ترغيبًا أو ترهيبًا، وهو يرجع إلى وجود التصويت في بعض المناطق، فمن الممكن أن يكون ثمة معارض يقطن خارج المنطقة الخاصة فيه، وسيفكر مرتين قبل الخروج وربما يمتنع عن ذلك.

ثانيًا، النقليات التي تؤمنها الأحزاب والماكينات الكبيرة، والتي تؤثر على قرار الناخبين، لأن أولئك يؤمّنون النقليات من مكان السكن إلى مكان الانتخاب.

ثالثًا، هناك ناخبون يترددون بسبب المسافات، لا سيما اليوم في ظل غلاء أسعار البنزين والمواصلات.

رابعًا، أصحاب الاحتياجات الخاصة، وكبار السن يناسبهم وجود "الميغاسنتر" المجهز. ولهذا فمن المؤكد أن الميغاسنتر مطلب إصلاحي".

واستدركت إلسي مفرج بالقول: "لكن المشكلة تكمن بأنه كان مرتبطًا سابقًا بمسألة إصدار الباقة الممغنطة، التي تكلف الكثير من الوقت والمال، ومع البنى التحتية الراهنة في لبنان، يصبح تحقق هذا الأمر صعبًا للغاية. كان يوجد حلول تتعلق بتسجيل أسماء الناخبين في الميغاسنتر للذين يحبون الانتخاب خارج منطقتهم، ولكن فات الأوان على ذلك. فطرح الميغاسنتر الآن ممكن أن يكون لتأجيل الانتخابات النيابية أو الضغط بشكل غير مباشر في هذا الاتجاه. لأن التيار الوطني الحرّ مأزوم فعلاً في ملف الانتخابات. ولكن أعيد وأكرر أن الطلب في حد ذاته إصلاحي محق، غير أن توقيت طرحه والمبالغ الموجودة لدى الدولة اللبنانية من أجل تخطيطه، كل ذلك يشير إلى رغبة حقيقية في تأجيل الانتخابات".

معركة "الميغاسنتر" من يربح في الكباش

وتجتمع لجنة الميغاسنتر من أجل تقديم تقريرها إلى مجلس الوزراء عند انعقاده الخميس المقبل في قصر بعبدا، برئاسة ميشال عون وحضور كل من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري.

وقد تم تشكيل لجنة الميغاسنتر من عدد من الوزراء وجرى تكليفها بدراسة إمكانية اعتماد مشروع الميغاسنتر في الانتخابات النيابية المقبلة. على أن ترفع تقريراً بالنتيجة مهلة أقصاها الثلاثاء المقبل.

أيّام قليلة فاصلة إذًا يتكشّف بعدها مصير المشروع، الذي عاود التيار العوني طرحه وربطه بالبطاقة الممغنطة، في ظل اتهام واسع له بمحاولة تأجيل الانتخابات على غرار اتهامه بالعمل على تطيير حكومة ميقاتي.

أمام هذا الطرح، تدرك القوى السياسية في لبنان إنشاء الميغاسنتر سيدفع فئات واسعة من اللبنانيين للمشاركة بالانتخابات، من دون أن تعلم الجهة التي تقترع لها، وذلك يعود إلى أن الماكينات الانتخابية الكبيرة للأحزاب لم ترصد هذه الفئات مسبقًا.

ستنقسم الصورة في لبنان مع الميغاسنتر إلى قوى متضررة وأخرى مستفيدة. وغالبًا لن يستفيد أحد لأن المشروع لن يقوم أصلًا لصعوبة تطبيقه حاليًا. فطرحه ليس أكثر من مناورات عونيّة يقودها الرئيس ميشال عون لتأجيل الانتخابات، بالتوازي مع تحقيق دعاية إصلاحية ترفع أسهم العهد وتوافق رغبة المجتمع الدولي ممثلة بنية فرنسا وألمانيا تمويل الميغاسنتر بمليوني دولار.

الترحيب الدولي هذا لن يطغى أبدًا على الخلاف الداخلي بين الأفرقاء حيال قضية الميغاسنتر، فالأفرقاء في شقاق كبير أصلاً على خلفية الإجراءات القضائية لعون وصهره جبران باسيل ضد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. وهو ما قد يفتح سيناريوهات عديدة للأزمة.

لكنّ ألسي مفرّج ترى أن "الأمر لا يحتاج إلى الكثير من رسم السيناريوهات، ففي اللحظة التي يبتعد فيها موضوع الانتخابات، ممكن أن تدار الأمور بطريقة أسلس، فالنظام اللبناني يعتمد التوافقية في أخذ القرارات وغيرها".

وتضيف: "الخلاف بين التيار الوطني الحر وباقي الأفرقاء السياسيين ليس بجديد، وتزيد حدته قبيل الانتخابات، فبطبيعة الحال تزيد حدة كل شيء في الخطاب السياسي عشية الانتخابات بهدف شد العصب".

وتؤكد إلسي مفرج أن "موضوع رياض سلامة لا يخرج عن هذا الإطار، بسبب وجود أكثر من مسؤول عن الوضع المالي من ضمنهم سلامة. ولكن رفع لواء محاسبة رياض سلامة اليوم، فيما كان هذ الفريق شريكًا في التجديد له في مرحلة معينة، يدل على أن هؤلاء الأفرقاء لا يفتشون عن المحاسبة بقدر شد العصب في مسألة الانتخابات".

لا يمكن بحال من الأحوال فصل أي متغيّر جديد في لبنان على مسار التفاوض مع صندوق النقد الدولي. لا سيّما إن كان يتعلق بالاستحقاق الانتخابي، الاختبار الجاد ضمن اختبارات عديدة تعكس جدية لبنان كشرط للحصول على الدعم الدولي وتجاوز أزمته الخانقة.

وتشدد ألسي مفرج لوكالتنا على أن "تأجيل الانتخابات النيابية سيكون لها تأثير طبعًا في صورة لبنان أمام صندوق النقد الدولي. فالتفاوض معه على هذا الأساس لن يعطي الأمر جدية، أو الدفع المطلوب لتغيير الوضع في البلاد".

وتتابع: "وقد لا تعطي الانتخابات هذا الدفع أيضاً إذا رجعت أغلبية الطبقة السياسية بفعل قانون الانتخابات وموازين القوى الموجودة حاليًا ماليًّا وإعلاميًا".

حمل كبير إذًا ومسؤولية أكبر، تقع على عاتق لبنان اليوم، من الذهاب إلى المفاوضات بخطة اقتصادية شاملة لا تتعلق فقط بالقطاع المصرفي، ولا تتسبب بتضخم مالي وغيره من المعضلات. وصولاً إلى جو سياسي جاذب يقوم على الجديّة والرغبة الحقيقية بالإصلاح الممكن والواقعي. وإلى أن يحين موعد الانتخابات فلبنان ما يزال تحت الاختبار.

(ح)

ANHA