​​​​​​​زيارة المسؤول الأممي للبنان.. تضامنية أم تحمل رسائل مبطنة؟

لاقت زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، للبنان، رواجاً كبيراً وترحيباً من الجميع، إذ أن الجولة كانت مثقلة بالرسائل والأهداف، وإن كان العنوان الأبرز للزيارة هو "التضامن مع لبنان"، إلا أن غوتيريش حمل في جعبته رسائل كثيرة ليشهرها بوجه الطبقة السياسية الحاكمة.

​​​​​​​زيارة المسؤول الأممي للبنان.. تضامنية أم تحمل رسائل مبطنة؟
السبت 1 كانون الثاني, 2022   03:55
بيروت - زياد أبو غزالة

زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، للبنان الأسبوع الماضي، وما صدر عنه من تصريحات، توضح من خلال طبيعة العلاقات الدولية، أن لبنان راهناً يُنظر إليه على أنه "دولة عاجزة عن القيام بدورها"، ولا يمكن للمجتمع الدولي تركه وحيداً، لا لتعاطف العالم معه، بل لكون استقراره في هذا الوقت مصلحة دولية جامعة، لا يمكن التهاون فيها.

وإذا ما ربطنا بين الزيارة الأممية للبنان، وما سبقها من مبادرة فرنسية، وتصريحات لاحقة لباريس، نجد أن الأخيرة قد اعترفت بتعثر مبادرتها لأسباب متنوعة، لعل أبرزها تعنت الطبقة السياسية الحاكمة في البلد. إذ لا تضع المسؤولية على سياستها بقدر ما تحمّلها للسياسيين اللبنانيين الذين لم يفوا بتعهدهم أمام ماكرون نفسه بكل أنواع الالتزامات للتقدم نحو حلول للأزمة. وباتت فرنسا تنظر إلى النظام الحالي على أنه فاسد.

وتزامنت زيارة غوتيرش إلى لبنان مع بيان فرنسي بعد زيارة الرئيس ايمانويل ماكرون إلى المملكة العربية السعودية، والذي أكد فيه الجانبان على "ضرورة حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وألا يكون لبنان منطلقاً لأي أعمال إرهابية تزعزع أمن واستقرار المنطقة، ومصدراً لتجارة المخدرات".

الهدف من الزيارة

إذاً، ثمة أهداف ودلالات كثيرة لزيارة غوتيرش إلى لبنان، وإن كان العنوان الأبرز، والتي صرحت به المسؤولة الإعلامية لوكالة الأمم المتحدة هدى السمرة لوكالتنا، هو "التضامن مع الشعب اللبناني، خاصة فيما يعانيه من وضع اقتصادي صعب، وبعد كارثة انفجار مرفأ بيروت، الذي وقع في 4 آب/ أغسطس 2020".

وتؤكد المسؤولة الإعلامية أن "الزيارة في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها لبنان، طابعها تضامني أعاد خلالها الأمين العام التأكيد على دعم أسرة الأمم المتحدة برمّتها (البعثة السياسية وقوات حفظ السلام والعاملين في مجالات الدعم الإنساني والإغاثي) للبنان وشعبه".

وأضافت أن "جولته كانت مثقلة بالمعاني والدلالات والرسائل، حيث التقى الرؤساء الثلاثة، وعدداً من القادة الدينيين وممثّلين عن المجتمع المدني. كما زار مرفأ بيروت "تكريماً لأرواح الضحايا". وأهم ما في الزيارة، تفقّد قوات "اليونيفيل" في الجنوب، والقيام بجولة على الخط الأزرق".

موقف غوتيريش يأتي فيما لا تزال تداعيات قضية انفجار مرفأ بيروت، والتحقيقات فيها مثار جدل قضائي وسياسي في البلاد. وقد اختتم جولته بوضع إكليل من الزهور على النصب التذكاري لشهداء انفجار المرفأ.

الحكومة المعطلة

غوتيريش كان قد استبق وصوله إلى بيروت، بدعوته القوى السياسية إلى توحيد صفوفها. وقال خلال لقاء صحفي عبر الفيديو إن "الانقسامات بين القادة السياسيين في لبنان شلّت المؤسسات، وهذا ما جعل من المستحيل التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وإطلاق برامج اقتصادية فعالة وإحلال الظروف الملائمة ليباشر البلد تعافيه".

وأكد غوتيريش أنه "لا يحق للقادة اللبنانيين أن يكونوا منقسمين في ظل أزمة خطيرة كهذه"، مضيفاً أن "اللبنانيين وحدهم يمكنهم بالطبع أن يقودوا هذه العملية".

وجاءت تصريحات غوتيريش في وقت لا تزال فيه جلسات الحكومة معطلة، نتيجة الضغوط التي يمارسها "حزب الله"، وربط عودة الجلسات بالإطاحة بقاضي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت طارق البيطار.

ولم تجتمع الحكومة اللبنانية منذ منتصف تشرين الأول/ أكتوبر، على خلفية انقسامات سياسية حول أداء المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت الذي أودى بحياة 215 قتيلاً على الأقل وتسبّب بإصابة أكثر من 6500 آخرين بجروح، ملحقاً دماراً واسعاً بالعاصمة.

ترسيم الحدود البحرية

لا شك أن هناك هدفاً أساسياً من زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، وهو موضوع المفاوضات حول الحدود البحرية مع إسرائيل وملف الغاز، حيث تم وضعه بعهدة الأمم المتحدة والولايات المتحدة، وهذا موضوع شائك تشعر الأمم المتحدة بخطورته، وما يمكن أن يتولد عنه من مخاطر أمنية بنتيجته، تؤثر على أمن المنطقة، في وقت تتجه فيه أنظار العالم صوب فشل محادثات فيينا، والتهديد بالحل العسكري لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي.

وكان غوتيرش شدد خلال لقائه المسؤولين اللبنانيين على أنه "لن يدخر جهداً من أجل التوصل لحلّ سريع لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، ليتسنى للبنان الاستفادة من الموارد الموجودة فيه".

وقالت مصادر مطلعة على اللقاءات، إن هناك ضغوطاً ديبلوماسية جدية تمارسها بعض الدول على مسؤولين سياسيين لبنانيين وبعض المعنيين، لإتمام ترسيم الحدود البحرية قبل الانتخابات النيابية المقبلة.

وأكدت المصادر أن الرغبة الأميركية تكمن بحصول الترسيم قبل الانتخابات كي لا يستغل "حزب الله" هذه المسألة لتحسين شروطه السياسية في حال خسر الأكثرية في البرلمان المقبل.

وترى المصادر أن واشنطن تريد استمرار الهدوء بين لبنان وإسرائيل بعد التسوية مع إيران، لذلك هي راغبة بترسيم الحدود لإلزام "حزب الله" بقواعد اشتباك معينة، وبدء مسار اقتصادي جدي في البلدين مرتبط بالتنقيب عن النفط وحفظ المصالح المتبادلة.

وتأتي هذه الأحداث المتسارعة، في وقت نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية عن القائد الجديد لسلاح الجو، "تومير بار" قوله: "إن الجيش الإسرائيلي سيستخدم قوة هائلة من الصعب تصورها في حال اندلاع مواجهة عسكرية مع حزب الله، وذلك بفضل معرفته الجيدة بتلك المنظمة (حزب الله)، ونظراً لعدد مواقعها العسكرية فضلاً عن قدراته المتطورة في مجال السايبر". مؤكداً أن "إسرائيل تريد حسم المعركة في فترة وجيزة وبعدد قليل من الضحايا".

ومنعاً لاندلاع حرب، لبنان بالغنى عنها، جاءت زيارة المسؤول الأممي. وبالتوازي، تضغط واشنطن للحصول على تنازلات لبنانية جديدة بعدما تخلى لبنان على الخط 29 مجاناً، حيث تطمع إسرائيل التي بدأت التنقيب في حقل "تامار" تتجه إلى البدء بالتنقيب في الحقول الواقعة في شمال حقل "كاريش" - أي في المنطقة المتنازع عليها مع الجانب اللبناني - بعدما وصلتها اعتراضات من الشركة الأميركية التي فازت بالعرض.

وسبق أن زار الوسيط الأميركي "آموس هوكشتاين" بيروت في 22 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وأجرى مباحثات حول ترسيم الحدود البحرية، واعتبر أنّ المفاوضات "منعطف مهم، ويجب أن تُستكمل خلال فترة قصيرة، وأن لا تستغرق وقتاً طويلاً".

وعقد الجانبان، اللبناني والإسرائيلي، عدة جولات مفاوضات، بين تشرين الأول وتشرين الثاني 2020، لترسيم الحدود البحرية بينهما، لكن المفاوضات توقفت في أيار 2021 بسبب الخلاف على المساحة موضع النقاش.

وطالب الوفد اللبناني المفاوض منذ ثاني جلسات المفاوضات التي امتدت على يومي 28 و29 من تشرين الأول 2020، بنحو 1460 كيلومترًا مربعًا من المياه الاقتصادية التي تصل إلى حقل "كاريش" الإسرائيلي، الذي يحتوي كميات ضخمة من الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى 860 كيلومترًا من "البلوك رقم 8"، طالب بها خلال الجولة الأولى من المفاوضات.

وبناء على هذه الأرقام، تبلغ مساحة المنطقة التي يفاوض عليها لبنان ألفين و290 كيلومترًا مربعًا، بالاستناد إلى كل من اتفاق الهدنة في العام 1949، واتفاق "نيوكومب بوليه" المبرم في العام 1923، وقانون البحار الدولي.

لكن الجانب الإسرائيلي رفض هذه المطالب، وقال إن المنطقة الإضافية المذكورة والواقعة جنوبي المنطقة المتنازع عليها ليست للتفاوض، وفق ما ذكره موقع " i24" الإسرائيلي.

(ح)

ANHA