تقييمات القائد عبد الله أوجلان عن المؤامرة الدولية - 2

تعرض القائد عبد الله اوجلان في 9 تشرين الأول عام 1998 لمؤامرة دولية شاركت فيها قوى الهيمنة في الحداثة الرأسمالية وأذيالها من الدول القومية في المنطقة التي تطبق سياسات القوى العظمى في المنطقة. هذه المؤامرة بدأت بإخراج القائد عبد الله أوجلان من سوريا حتى تم اعتقاله في 15 شباط عام 1999.

تقييمات القائد عبد الله أوجلان عن المؤامرة الدولية - 2
الإثنين 4 تشرين الأول, 2021   21:09
مركز الأخبار

حلل القائد عبد الله اوجلان في مرافعاته المؤامرة التي حلت بشخصيته واهداف القوى المتآمرة لأنهاء القضية الكردية، وقمنا بسرد بعض من مقتطفات القائد عبد الله اوجلان في مرافعته المعنونة مانيفستو الحضارة الديمقراطية -القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية، والمدنية، على شكل جزئين.

خيوط المؤامرة الدولية

إنّ خروجَي من سوريا مرتبطٌ بالتمشيطِ الذي أجرَته شبكةُ غلاديو التابعةُ للناتو. لذا، لا يمكننا أنْ نَصوغَ شرحاً صحيحاً لهذا التمشيط، ما لَم نأخذْ الغلاديو والانشقاقَ الحاصلَ في الجيشِ التركيِّ على محملِ الدقة. فرئيسا هيئة الأركان العامة " إسماعيل حقي قره دايي وحسين كفرك أوغلو" لَم يكونا متحكمين بزمامِ كلِ شيءٍ بالدرجةِ المُعتَقَدة. اثناء رئاستهما، فكِلاهما كان أقربَ في فكرِهما إلى مقاربة أشرف البدليسيِّ من القضيةِ الكردية. ولَم يَكُونا يَجِدان من الصائبِ أو الممكنِ توجيهَ الحربِ إلى اجتثاثِ الكردِ من الجذور. أما وجهةُ نظرِهما إلى الحلِّ السلميِّ والسياسيِّ الذي تطلعَ كلٌّ من تورغوت أوزال وأشرف البدليسيُّ إلى البدءِ به، فكانا يَعتَبِرانه من دواعي الروحِ الوطنيةِ من جهة، وأكثر تناغماً مع مفهومِ الحربِ التقليديةِ من الجهةِ الأخرى. هذا وكان ساقب صبانجي أيضاً ممثلاً عن الفريقِ الذي يدافعُ عن هذا النهجِ داخل "جمعية الصُّنّاع ورجال الأعمال الأتراك TÜSİAD. كما وكان موقفُ كلٍّ من محمد أيمور، رئيس دائرة الكونتر كريلا في "منظمةِ الاستخباراتِ الوطنية"، وحنفي آفجي من دائرةِ الأمنِ أيضاً يتماشى مع نفسِ النهج. وكانت هذه المجموعة قد شرعت بانتهازِ حادثةِ سوسورلك، لشنِّ حملةٍ ضد فريقِ الحربِ النافذ. في حين كان "دوغان غوريش" و "جفيك بير" يمثلان أساسا الفريق المضاد أو جناح الغلاديو.

وقبلَ خروجِي من سوريا، كان التنافسُ بين هذَين الفريقَين قد طفا على السطحِ ثانيةً. هكذا، انتهى التنافسُ بين الموالين والمعارضين بشأنِ الحوارِ معنا، بشأن الحوار لصالحِ جناحِ غلاديو الناتو، أي لصالحِ الفريقِ المُناصرِ للحربِ والإبادة، وبدعمٍ من إسرائيل وأمريكا. وعشيةَ الخروج، أصرت الاستخباراتُ الإسرائيليةُ على الإيماءِ بنحوٍ غيرِ مباشرٍ بضرورةِ خروجي من سوريا. لَم أَكُنْ أرى ذلك مناسباً، تجنباً لتَكَبُّدِنا خسائر فادحة في سوريا. كما ولَم أَكُنْ أصادقُ على ذلك استراتيجياً وأيديولوجياً. لكنّ الحربَ كانت ستسيرُ في مجراها الطبيعيّ، وكنا سنعيشُ ما خبّأَه لنا القدَر. لَم أَكُنْ قَدَرياً. إلا إنّ تغييرَ المسارِ والتخلي على حينِ غرّةٍ عن النهجِ الأيديولوجيِّ والسياسيِّ والعسكريِّ السائدِ قُرابةَ ثلاثةِ عقودٍ، ما كان لِيَكُونَ عصياناً ذا معنى على القدرِ المحتوم. كان يتعينُ الالتزامُ بالصدق، وما كان لي أن أعمل أساساً لإنقاذِ نفسي. وبعد الإنذارِ الأخيرِ الذي أطلقَه أتيللا أتيش باسمِ غلاديو الناتو، لَم يَكُنْ بإمكانِنا تصعيدُ الحربِ إلا في حالِ مساندةِ سوريا وروسيا لنا بثَبات. ولكن، لَم يُؤَمَّنْ هكذا دعمٌ أو مساندة، فإنّ لم يكن كِلا البلدَين القدرة ولا حتى النية على تحمل وجودي شخصيا على ارضيهما. لقد كان هذا مستحيلا فعلا بالنسبةِ إلى سوريا. إذ كان من الواردِ أنْ تُحتَلَّ بين ليلةٍ وضحاها، من طرفِ الجيشَين التركيِّ شمالاً والإسرائيليِّ جنوباً. ولو أنهم يتهاجوا أو يتوتروا، لكان بوسعهم خلق إمكانياتِ تَموقُعٍ أفضل بالنسبةِ لي. إلا إنهم لَم يستطيعوا المُجازفةَ في ذلك. أما موقفُ روسيا، فكان أكثر ذُليلاً. حيث أرغمَتني على الخروجِ من موسكو، مقابل مشروعِ التيارِ الأزرقِ وقرضٍ من صندوقِ النقدِ الدوليِّ مقدارُه عشرةُ ملياراتٍ من الدولارات.

ثمة طريقان أمامي أثناء الخروج

كان ثمة طريقان أمامي أثناء الخروج: أولُهما كان طريقَ الجبل، والثاني كان طريقَ أوروبا. اختيارُ طريقِ الجبلِ كان يعني تصعيدَ الحرب، بينما ترجيحُ طريقِ أوروبا يعني البحثَ عن فرصةِ الحلِّ الدبلوماسيِّ والسياسيّ. معروفٌ أنّ الاستعداداتِ لشقِّ طريقِ الجبلِ كانت قد جرت قبل ذلك بأيام. وكانت كفةُ الاحتمالِ تَرجحُ في هذه الوِجهة. إلا إنّ مجيءَ هيئةٍ يونانيةٍ إلى عندنا في تلك الأوقاتِ بالضبط، والاتصالاتِ الهاتفيةَ الكثيفةَ التي أجرَتها ممثلتُنا في أثينا آيفر كايا حينذاك (مع أشخاصٍ يُعتَبَرون مسؤولين رفيعي المستوى)؛ قد آلَ إلى تغييرِ مسارِنا صوب أثينا. كانت مشكلةُ المسؤولين السوريين تتجسدُ في أنْ أخرجَ بأقصى سرعةٍ من هناك. إلا إنهم لَم يَبدوا مرتاحين كثيراً لانطلاقي نحو أوروبا. وعدمُ إيجادِهم البديلَ في هذا المضمار، إنما هو مَأخَذٌ جادٌّ مُسَجَّلٌ عليهم. في واقعِ الأمر، لَم يَكُنْ الانطلاقُ نحو أثينا في موضعِ الحُسبان. بل كانت فرصةً مسنوحةً لَم أتجنَّبْ الاستفادةَ منها، إيماناً مني بجديةِ أصدقائِنا هناك. ولو كنتُ أعرفُ أنهم كما قابَلتُهم على أرضِ الواقع، لَما انطلقتُ إلى هناك إطلاقاً. لكنّ السؤالَ الذي يجب طرحُه هنا هو: تُرى هل شعبةُ شبكةِ الغلاديو – التي من المعلومِ أنها شديدةُ المناعةِ في اليونانِ أيضاً – هي التي لعبَت دورَها في سيناريو الخروجِ ذاك؟ لا أستطيعُ صياغةَ جوابٍ حاسمٍ على ذلك. بل يتعينُ البحثُ في هذا الموضوع. وما يندرجُ في لائحةِ الاحتمالاتِ الواردةِ بشأنِ تسليمي إلى تركيا، هو اتفاقَ أمريكا مع الإدارةِ التركيةِ من حيث المبدأ على حلِّ مشاكلِها مع اليونان، أو أنها اقتَطَعَت منها عهداً بذلك. وترجحُ كفةُ احتمالِ إعرابِ أمريكا عن نواياها في هذا السياق ضمن إطارِ حلِّ مشكلةِ إيجه وقبرص بشكلٍ خاص. وعليه، ينبغي الأخذُ في الحُسبانِ دون بُدّ، أنّ تركيا قد سلكَت موقفاً تنازلياً بلا حدود في هذا المضمار.

التقط المسؤولون السوريون انفاسهم بعدما حطت بي الطائرة في يوم التاسعِ من شهرِ تشرين الأول. وقف كالندريديس أمامي عندما هبطتُ في مطارِ أثينا. كان كالندريديس قد مكثَ طويلاً في تركيا أيضاً كضابط مسؤول في الناتو. وقام بنفس المهمة في السويد أيضا، لذا ربما هو تابعٌ لغلاديو اليونان. كان يتظاهرُ بالصداقةِ إلى أبعدِ مدى. كان ثمة مراسلٌ غريبُ الأطوارِ وسيطٌ بيننا، سَرَّبَ إليَّ بعضَ وثائقِ الناتو. قد يَكُونُ فعلَ ذلك لزرعِ الثقة. وهو مَن أخذني في نفسِ المطارِ إلى عندِ الضابطِ الجويِّ ورئيسِ المخابراتِ ستافراكاكيس، الذي كان ينتظرني في غرفةٍ هناك، فقال لي بغطرسةٍ وعنادٍ لا يَحتَمِلُ الجدل، أني لن أستطيعَ دخولَ اليونان، ولو مؤقتاً. لَم يَظهرْ الأصدقاءُ الذين تواعدنا معهم إلى الوسطِ هناك. وتراشَقنا الكلامَ حتى المساء. وبمحضِ صدفة، دخلَ على الخطِّ وسيطُنا الذي في موسكو نومان أوجار وهكذا، غيَّرنا وِجهَتَنا صوب موسكو على متنِ طائرةٍ يونانيةٍ خاصة. وبمساعدة رئيسِ "الحزب الديمقراطيِّ الليبراليّ" جيرينوسكي، تمَكَّنّا من الهبوطِ في موسكو ودخول روسيا التي كانت تعاني الفوضى الاقتصاديةَ في تلك الأيام، لكنّ رئيسَ المخابراتِ الداخليةِ الروسيةِ وقف أمامنا هذه المرة. وهو أيضاً كان متعجرفاً وعنيداً. لذا، ما كان بوسعِنا البقاءُ في تلك الظروف. فمكثتُ حوالي ثلاثةً وثلاثين يوماً بشكلٍ قِيلَ إنه سريّ. مَن نزلتُ عندهم واعتنَوا بي، كانوا ساسةً من أصولٍ يهودية. كنتُ مقتنعاً بصدقِهم. إذ كانوا يودون فعلاً إخفائي عن الأعين. لكن، ما كان لي أنْ أصادقَ على هذا الأسلوب. كان رئيسُ الوزراءِ الإسرائيليّ أربيل شارون، ووزيرةُ الخارجيةِ الأمريكيةِ "مادلين أولبرايت" قد وَفَدا إلى روسيا خلال تلك الفترة. كان "بيريماكوف" رئيسا للوزراء في روسيا حينها.  وجميعُهم من أصلٍ يهوديّ. علاوةً على أنّ رئيسُ الوزراءِ التركيّ مسعود يلماز أيضاً كان في حراكٍ حينها وفي آخرِ المطاف، أَمَّنوا خروجي من روسيا بعد الاتفاق على "مشروع التيار الأزرق " وقرضٍ ماليٍّ من صندوق النقد الدوليِّ قدرُه عشرة مليارات من الدولارات.

الذهنية السياسية والفلسفية للمؤامرة

كانت مذهلةً فترةُ الشهورِ الأربعةِ الممتدةِ من 9 تشرين الأول 1998 حتى 15 شباط 1999. وما كان لأيةِ قوةٍ في العالَمِ عدا أمريكا، أنْ تُرَتِّبَ لهذا التمشيطِ الممتدِّ أربعةَ أشهرٍ بأكملها في تلك المرحلة. أما دورُ قواتِ الحربِ الخاصةِ التركية حينذاك (رئيسُها كان الجنرال أنكين آلان) فكان منحصراً في نقلي إلى إمرالي على متنِ الطائرة تحت الاشراف، كانت فترةً شاهدةً على تنفيذِ أهمِّ التمشيطات التي عرفَها تاريخُ الناتو بالتأكيد. وقد كان هذا ساطعاً بجلاء، لدرجة ان أي شخص لم يقم بأي تصرفٍ شاذٍّ في أيِّ مكان حللنا فيه. ومن فعل ذلك شل تأثيره على الفور. فحتى روسيا الكبرى شل تأثيرها بجلاء فاقع. في حين إنّ موقفَ اليونانيين كان كافياً أساساً لإيضاحِ كلِّ شيء. كما إنّ الإجراءاتِ الأمنيةَ المُتَّخَذةَ داخلَ وخارجَ المنزلِ الذي أقمتُ فيه بروما، كانت تسردُ الوضعَ إلى حدٍّ كبير. لقد اتَّخذوا تدابيراً استثنائيةً بخصوصِ الأَسْر. ولَم يَسمحوا حتى بخطوِ خطوةٍ واحدةٍ إلى خارج المنزل. وكانت وحداتُ الأمنِ الخاصةُ تراقبُ كل مكان بل وحتى باب غرفتي على مدارِ الساعةِ كانت حكومةُ داليما يساريةً ديمقراطية. وكان داليما قليلَ الخبرة، وعاجزا عن اتخاذِ قرارٍ بمفردِه. لقد جاب أوربا بأكملها. وبَيَّنَت إنكلترا له ضرورةَ اتخاذِه قرارَه الذاتيّ، ولَم تتعاونْ معه كثيراً. في حين كان موقفُ بروكسل غامضاً. وفي النتيجةِ أُحِلنا إلى القضاء. هذا وكان ممكنا عدمُ رؤيةِ تأثير الغلاديو في اتخاذِ هذا الموقف.

وبالأصل، فإيطاليا كانت واحدةً من البلدانِ التي يتمتعُ الغلاديو بالقوة الكبرى. كان برلسكوني قد استنفرَ كافةَ قواه. وهو بذاتِه كان رجلَ الغلاديو. وعليه كنتُ مُرغَماً على الخروج. لأنني علمت بعدم قدرة إيطاليا على تحمّلي. بالطبع كانت تركيا قد صُيِّرَت مقابل ذلك واحدةً من أكثرِ البلدانِ التي تَثِقُ بها أمريكا وإسرائيل، بعدَما جعلتاها تَدورُ في فلكِهما. من هنا، فالسياقُ الذي يزعم أنه عولمة طائشة ما هو في واقعِ الأمرِ سوى حكايةُ تقديمِ تركيا هِبَةً للرأسماليةِ الماليةِ العالمية.

ماهية المؤامرة الدولية

أوليتُ الأولويةَ لمفهومِ مرافعةٍ تضعُ ماهيةَ المؤامرةِ الدوليةِ نُصبَ العينِ فيما يخصُّ سياقَ إمرالي. فالمتحركون باسمِ التركياتيةِ كانوا قد بتَروا أواصرَهم مع الحقيقة، بسببِ وعيهم التركياتيِّ المتشدد. بالتالي، فإدراكُ الفلسفةَ الكامنة وراء المؤامرة، كان يخالف طبيعتهم، لأنهم – هم أيضاً – ثمارَ البنى التي شادَتها فلسفةُ المؤامرةِ تلك طيلةَ مئةِ عامٍ على الأقلّ. وعليه، كان من غيرِ المتوقَّعِ أنْ يتنكروا لتلك البنى المُشادة، أو يتناولوها بعينٍ ناقدة. كما وكان لا طائل من التعويل علىِ أنْ يُبدوا أيةَ إرادةٍ للتغيرِ الإيجابيِّ، سواء أثناء كوميديا المحاكمة، أم خلال مرحلة الاعتقال. أما تصديقُ أنه سيتمُّ التصرفُ بمقتضى الأقوالِ التي همَسَ بها ممثلُ رئاسةِ الأركانِ العامة، فكان سيغدو سذاجةً في ظلِّ الظروفِ القائمة. فبالأصل، إنهم مجرَّدون من قوةِ القرارِ التي تُخَوِّلُهم لتطبيقِ أقوالِه. لقد ابتُكِرَ نظامٌ تدعمُه أمريكا في الخفاء، ويشرفُ عليه الاتحادُ الأوروبيّ. وانكلترا من صمم هذا النظام، في حين أنّ تطبيقَه كان من حصةِ الأتراك.

من عظيمِ الأهميةِ استيعابُ الذهنيةِ الفلسفيةِ والسياسيةِ الكامنة خلف المؤامرة. ولذلك أتحدثُ مِراراً وتكراراً عن خلفيةِ المؤامرةِ التي تشملُ عصراً بأكملِه، وأُصَرِّحُ بذلك في كلِّ فرصةٍ مواتية. كما وتطرقتُ إلى المؤامراتِ التي تُعَدُّ حجرَ زاويةٍ في عهدِها. ومنها فيما يتعلقُ بالكردِ فحسب: مؤامرة الألوية الحميدية، مؤامرتا قتلِ الملا سليم في بدليس والشيخ سعيد في 1925، ومؤامرتا آغري 1930 وديرسم 1937، قضية الـ49 عامَ 1959 وقضية الـ400 عامَ 1960، قتل فائق بوجاق، مقتل سعيد قرمزي توبراق على يدِ KDP، إضافةً إلى المؤامراتِ التي يمكن ذكر المئات منها دفعة واحدة، والممتدةُ منذ المرحلةِ الأيديولوجيةِ لـPKK إلى يومِنا الراهن، والتي تُحاكُ من طرفِ العقليةِ عينِها. إنّ مُدَبِّري المؤامراتِ يَعتبِرونها فناَ سلطوياً مُرَتَّباً ببراعةٍ فائقة. أنّ المؤامرةَ بمنزلةِ الروحِ في فنِّ السلطة، أو هي أهمُّ وسيلةٍ فيه. وكان من الضروريِّ تسييرِ هذا الفنِّ بالنسبةِ إلى الكردِ على خلفيةِ المؤامرةِ دون بد. ذلك أنّ تنفيذَ المؤامرةِ بأسلوبٍ علنيّ، كان سيفضي إلى قولِ الطفل: "انظري يا أمي، المَلِكُ عارٍ". ومن هنا فقوةُ السلطةِ التي تَهدفُ إلى تطبيقِ أفعالٍ تَصِلُ حدَّ التطهيرِ الجماعيّ، سوى المؤامرةُ والعقليةُ التي تُحَدِّدُ مسارَها. المهمُّ هنا هو التعرفُ الصحيحُ على القوى المندرجةِ في سياقِ المؤامرة، والتعريفُ السليمُ لها.

عليَّ التبيانُ بأني لاقيتُ صعوبةً في هذا الموضوعِ خلال سياقِ إمرالي. فموضوعُ الحديثِ هنا هو تواجُدُ قوى متنافرةٍ إلى أبعدِ حدٍّ ضمن المؤامرة. حيث أُدرِجَت كثيرٌ من الدولِ ضمنها، بدءاً من أمريكا إلى روسيا الاتحادية ومن الاتحادِ الأوروبيِّ إلى الجامعةِ العربية، ومن تركيا إلى اليونان، ومن كينيا إلى طاجكستان. فما الذي كان قد وَحَّدَ الأتراكَ واليونانيين بعدَ عداءِ عصورٍ بأكملِها؟ ولِمَ كان يُعقَدُ على حسابي كلُّ هذا الكمِّ من التحالفاتِ أو اتحاد المنافعِ غيرِ المبدئية؟ زِدْ على ذلك أنّ الأتراكَ والكردَ اليساريين والقوميين المتواطئين المغتبطين في قَرارةِ أنفسِهم جراء استهدافي، كانوا كُثُراً لدرجةٍ لا تُعَدُّ ولا تحصى.

وكأنّ العالَمَ الرسميَّ قد أوقَعَ أخطرَ رقيبٍ له في الفخِّ متجسداً في شخصيتي. وضمن PKK أيضاً، كان من العصيبِ الاستخفافُ بتعدادِ أولئك الذين اعتقدوا بأنّ اليومَ يومُهم، وأنه آنَ الأوانُ ليعيشوا على هواهم. لكنّ ما لا جدال فيه، هو أنّ تعريفاً عاماً للأمر منذ البداية سيَبسطُ للعَيانِ كونَ كافةِ تلك القوى تتشكلُ من الشرائحِ التي تحتلُّ الصَدارةَ في لائحةِ اللاهثين وراء المنافعِ الليبراليةِ للحداثة الرأسمالية. وأنا كنتُ خطراً يهددُ المصالحَ والعقليةَ الليبراليةَ الفاشيةَ لِجُلِّهم.

فمثلاً؛ إنكلترا هي الأكثر خبرةً من بين تلك القوى. وهي القوةُ التي أطلقَت الإنذار الأولِ بعدمِ السماحِ بمزاولتي السياسةَ ضمن أوروبا. وما أنْ وطأَت قدماي أرضَ أوروبا، حتى سارعَت لإعلاني "persona non grata" أي "الشخص المنبوذ". لَم تَكُ هذه خطوةً بسيطة، بل كانت من الخطواتِ التي تقررُ النتيجةَ النهائيةَ سلفاً. حسناً، ولماذا اتُّخِذَ إزائي هكذا موقفٌ فوريٌّ لَم يُتَّخَذْ حتى إزاء خميني أو لينين؟ لقد سعيتُ إلى توضيحِ العديدِ من البوادرِ والعلائمِ المعنيةِ بذلك في العديدِ من فصولِ مرافعتي. لذا، لا داعي لمزيدٍ من التكرار. وباقتضاب؛ كنتُ حجرَ عثرةٍ لا يُستَهانُ به على دربِ حساباتِ الهيمنةِ المُعَمِّرةِ قرنَين من الزمنِ بشأنِ الشرقِ الأوسط، وبالأخصِّ بسببِ سياساتِها المتعلقةِ بكردستان (باختصار، بسببِ السياسةِ التي مفادُها "إليكَ كركوك والموصل، واقضِ على الكردِ داخل حدودك"). وكنتُ قد أمسيتُ خطراً يهددُ كلَّ مخططاتِها، ويقضُّ مضاجعَ منفذيها.

أما هَمُّ أمريكا، فكان مختلفاً. كانت لها مطامعُها في تمرير "مشروعِ الشرقِ الأوسطِ الكبير" لذا، اتسمت التطورات في كردستان بأهميةٍ حياتيةٍ وحرجة. بالتالي، فإن شَلُّ تأثيري بصورة أكيدة، كان ضرورةً من ضروراتِ الأجواءِ الحرجة حينذاك. بأقل تقدير. هذا وكان القضاءُ عليُّ يتناسبُ مع السياساتِ العالميةَ في تلك الأيام. أما روسيا التي كانت تمرُّ بأزمةٍ اقتصاديةٍ بالغةِ الأهميةِ في تاريخِها، فكانت في مسيسِ الحاجةِ إلى قرضِ مَعونةٍ عاجلة. ولَئِنْ كان سيصبحُ دواءً لدائِها، فلن يبقى أيُّ سببٍ لعدمِ لعبِ دورِها واحتلالِ مكانِها في المؤامرةِ المُحاكةِ ضدي. أما الآخرون، فكانوا من الأساسِ "كالإخوةِ الصغارِ المهذَّبين والطائعين لأخيهم الأكبر" الذي يُعَدُّ تاجاً على رؤوسِهم، أيا كان كلامه. في حين إنها كانت فرصةً سانحةً لأجلِ كلٍّ من اليسارِ التركيِّ (عدا الاستثناءات) والمتواطئين الكردِ والمستائين داخل PKK، كي يتخلصوا من ند ذي شأن. في نهايةِ المآل، فالفلسفةُ الكامنةُ في الأغوارِ السحيقةِ لجميعِ هذه المواقف، كانت فلسفةَ المصالحِ اليوميةِ والمنفعيةِ والأنانيةِ في الليبرالية.

أعتقدُ أني بذلك أسلطُ النورَ أكثر على الحقيقة. فمناصَرةُ حريةِ كردستان ونيلِ الكردِ هويتَهم في تلك الأيام، كان يقتضي تذليلَ شتى أشكالِ المصالحِ الليبراليةِ اليوميةِ والبراغمائيةِ والأنانية، وتأمرُنا بالتخلي عن حياةِ الحداثةِ الرأسماليةِ بيمينِها ويسارِها، وترغِمُنا على الانتفاضِ في وجهِها. وخِلافَ ذلك، فعالَمُ تلك الأوقات، كان عالَمَ تلك الأيامِ شاهد عيان على انتعاشِ الليبراليةِ العالميةِ في حربِ غزوِها للعالَم. كنا نعيش سنوات أَعلَنَت فيها الفاشيةُ الليبراليةُ سيادتَها عالمياً. أما من الناحيةِ السياسية، فكانت منطقةُ الشرقِ الأوسطِ تمثلُ بؤرةَ صراعِ الهيمنة. لذا، كان الصراعُ على كردستان يتسمُ بدورِ المفتاحِ من جهةِ حساباتِ الهيمنة. وكان شأنُ PKK الأيديولوجيُّ والسياسيُّ على تناقضٍ صريحٍ مع تلك الحسابات. بناءً عليه، فالقضاءُ عليه كان يعني إفساحَ المجالِ أمامَها.

الحسابات التاريخية لدوامة إمرالي

انتعشَت كلُّ هذه الحساباتُ التاريخيةُ مرةً أخرى ضمن دوامةِ إمرالي، متمثلةً في شخصي. ولكي أستطيعَ تحليلَ سياقِ إمرالي، كان يتعينُ أن أتمتعَ بوعيٍ قادرٍ على الانتباهِ إلى صراعِ المصالحِ اليوميةِ المرتكزةِ إلى خلفيةٍ تاريخيةٍ طويلةِ المدى. الخاصيةُ الهامةُ الأخرى التي ينبغي توخي الحساسيةِ الفائقةِ إزاءها بشأنِ الحساباتِ التآمريةِ للنظامِ المهيمن، هي عدمُ التحولِ إلى أداة بِيَدِ سياستِه "فَرِّقْ تَسُد" المرتبةِ بمهارةٍ والمسَلَّطةِ على المنطقةِ ببراعةٍ خلال القرنَين الأخيرَين، وعدمُ السماحِ بالدخولِ في منفعةِ تلك القوى بشأنِ تجذيرِ الصراعِ التركيِّ – الكرديِّ الذي ترمي إليه بشكلٍ خاص. لكن الأرمن، الإغريق، البنى الأثنيةِ في بلادِ البلقان، العرب، السُّريان، الأتراك، والكردِ الذين أضحوا أداة في يدِ تلك السياسات، كانوا قد خسروا الكثير. فبعضُ هؤلاء كان قد استُئصِلَ من وطنِه وجُرِّدَ من ثقافتِه المُعَمِّرةِ آلافَ السنين، وبعضُهم الآخرُ أُخرِجَ حتى من كونِه مجتمعاً وطنياً. علاوةً على أنّ قوى عديدةً كانت تضمرُ الحقدَ تجاه الكردِ لعيشِهم المشتركِ مع الأتراك. وهكذا، فإنّ هذه الوحدةَ التي ما فتئَت تحافظُ على أهميتِها الإستراتيجية منذ معركةِ ملازكرد، قد ذهبَت أدراجَ الرياحِ مع سياسةِ الإنكارِ والإبادةِ المُطَبَّقةِ منذ 1925 على وجهِ التخصيص. ولدى سَبرِ أغوارِ مرحلةِ إنكارِ والقضاءِ على هذا العنصرِ الأصليِّ في الجمهورية، وتفسيرِه بواسطةِ فلسفةِ التاريخ؛ كان يتبدى للعَيانِ أنّ المُستَهدَفَ ضمنياً هنا، هو هذه الوحدةُ الإستراتيجية. من أهمِّ خطواتِ المؤامرة، كانت قيامَ الإنكليزِ وامتداداتِهم الداخليةِ باختلاقِ الضائقاتِ على دربِ مصطفى كمال. بينما لَم يَكُ ثمة محلٌّ لنزعةِ عداءِ الكردِ وصهرِهم ضمن ظاهرةِ الإدارةِ التركيةِ التقليديةِ وفلسفتِها. لكنّ بذورَ تلك العداوةِ كانت قد غُرِسَت لمآربَ خاصة. ومجرياتُ مراحلِ التمردِ وما بعدها، كانت تؤكدُ صحةَ هذه الحقيقة. هذا الوضعُ الذي لفتَ انتباهي بقوة، فضاعفتُ التركيزَ فيه في إمرالي، قد أفضى إلى تحولٍ جذريٍّ في فلسفتي السياسية. وبالمقدورِ استشفافُ تطورِ سياقِ هذا الفكرِ السياسيِّ في مرافعاتي التي دونتُها في هيئةِ ثلاثةِ نُسَخ.

نتائج المؤامرة

أ- لَم تُنسَجْ خيوطُ المؤامرةِ ضد الكردِ فقط متمثلين في شخصي، بل وضد الأتراكِ أيضاً. فشكلُ تسليمي، ونيةُ الذين لهم دورُهم في ذلك لا يشيرُ إلى الحلِّ والحدِّ من الإرهاب؛ بل تجذيرُ وتعبيدُ أرضيةِ الخِلافِ والشِّقاقِ بحيث سيَطُولُ قرناً آخر من الزمن. وإيقاعُهم إياي في فخِّ المؤامرة، كان قد قدَّمَ لهم فرصةً مثاليةً لتحقيقِ نواياهم المُغرضةِ تلك. وكانوا سيطمعون في انتهازِ هذه الفرصةِ حتى الأخير. إذ ما كان ممكناً التفكيرُ بالعكس. حيث لو أنهم شاءوا، لَكان بمقدورِهم المساهمةُ في إنجازِ مستجداتٍ إيجابيةٍ جداً في هذا الاتجاه. لكنهم كانوا يدفعون الأمورَ نحو الهاويةِ دوماً، ويُصَيِّرون المشكلةَ عقدةً كأداء بدلاً من حلِّها. كانت ثمة مساعٍ لخلقِ ثنائيةٍ نموذجيةٍ على غرارِ ثنائيةِ إسرائيل – فلسطين. فكيفما خدمَ الصراعُ الإسرائيليُّ – الفلسطينيُّ الهيمنةَ الغربيةَ في الشرقِ الأوسطِ قرناً كاملاً من الزمن، فكان بإمكانِ الصراعِ التركيِّ – الكرديِّ الأوسع آفاقاً بكثير، أنْ يخدمَ حساباتِ الهيمنةِ قرناً آخر من الزمن بأقلِّ تقدير. وقد رُعِيَ الهدفُ عينُه أساساً، أثناء تصعيدِ العديدِ من القضايا الأثنيةِ والمذهبية، وجعلِها تتخبطُ في اللاحلِّ ضمن المنطقةِ خلال القرنِ التاسع عشر. لقد أَنضجَت حقيقةُ إمرالي معلوماتي الخامةَ جيداً في هذا المضمار. إلا إنّ المعضلةَ الأهمَّ التي انتصبَت في وجهي، كانت إفهامَ ذلك إلى المسؤولين الأتراك.

ب - بالتالي، فإقناعهم بأنّ المؤامرةَ مُحاكةٌ ضد الأتراكِ أكثر منه ضدي أو ضد الكرد، كان قد أمسى أهمّ إشكالٍ لديّ. وكنتُ أشدِّدُ على ذلك مراراً إزاء المُحَقِّقين معي. لكنّ هؤلاء كانوا مهووسين بنشوةِ النصر. وقد استمرَّ موقفُهم هذا إلى أنْ أدركوا عامَ 2005 أنّ حركةَ الهويةِ والحريةِ الكردية ازدادَت حيويةً وانتعاشاً عما كانت عليه في الماضي. ولدى تركيزي على الموضوعِ بإمعانٍ أكبر، رأيتُ عن كثب العناصرَ التآمريةَ الكائنةَ خلال عهد الملكية الدستوريّة وعهدِ الجمهورية. وفَطِنتُ إلى أنّ الحدثَ المسمى بالاستقلالِ التركيّ، ما هو إلا أسوأُ أشكالِ التبعية. لقد كانت تبعيةُ الأتراكِ أيديولوجيةً وسياسية. ومع مُضِيِّ الوقت، استطعتُ الإدراكَ أكثر فأكثر بأنّ القومويةَ والوطنياتيةَ المُنشَأَتَين ذاتا منشأٍ غريب، وأنّ علاقتَها نادرةٌ جداً مع الظاهرةِ الاجتماعيةِ التركيةِ وتاريخِها. لقد كانت القوى المهيمنةُ عالِمةً بمدى ضعفِ النخبةِ الحاكمةِ التركيةِ بشأنِ السلطة، وتستفيدُ منه. كما إنّ السيطرةَ اللامحدودةَ التي بسطَتها هذه الأخيرة على الكرد، كانت تتأتى من نقاطِ الضعفِ عينِها. لكنّ هذا التحكمَ كان يَأسِرها في نفسِ الوقت. فحاكميتُها كانت موَجَّهةً على الدوام، وكانت تفتقرُ إلى الأيديولوجيةِ الذاتية. أو بالأحرى، كانت تُفَعَّلُ ميدانياً قاعدةُ "الحاكميةُ كلُّ شيء، والأيديولوجيا لا شيء".

ج- ابتعت قوى الهيمنة أسلوبُ "اهرب يا أرنب، امسِكْه يا كلبَ الصيد" لتكريسِ الصراعِ التركيِّ – الكرديّ، بحيث سيسقط الأرنبُ وكلبُ الصيدِ مُنهَكَين في هذه المطاردة، وسينهمكان في نهايةِ المطافِ بخدمةِ أربابِهما دون قيد وشروط، وما طُبِّقَ عليَّ شخصياً، إنما كان يؤكدُ إتباع هذا الأسلوب. فمواقفُ المفوضيةُ الأوروبيةُ من جهة، وقراراتُ محكمةِ حقوقِ الإنسانِ الأوروبية من الجهةِ الثانية؛ كانت تخدمُ مزاولةَ هذه السياسةِ بكلِّ ما للكلمةِ من معانٍ. ومنطقُ ربطِ الطرفَين بذاتِهم بلا حدود هو الذي كان سارياً. لَم يَكُن الهدفُ من ذلك إحلالَ العدالةِ واستتبابَ الحلّ. لذا، فقد بنيتُ مرافعاتي على فضحِ هذا المنطقِ بالأكثر. ذلك أنّ إجلاسَ شبكةِ الغلاديو على قمةِ جهازِ الدولةِ بشكلٍ لا نظير له في أيِّ بلدٍ من بلدانِ حلف الناتو، أمرٌ يستحيلُ إيضاحُه بالنوايا الطيبةِ ودواعي الأمن. بل كانوا قد تغاضَوا عن امتدادِ الغلاديو داخل تركيا، باعتبارِه يضعُ زِمامَ الأمورِ في حوزتِهم من جهة، ويقدمُ لهم فرصةً لا مثيل لها للتحكمِ بالبلدِ على مزاجِهم. ولدى التمحيصِ في شبكةِ الغلاديو ككلٍّ متكاملٍ عن كثب، وإماطةِ اللثامِ عن فلسفتِها؛ فسيُلاحَظُ أنّ الغايةَ تتجسدُ في احتلالِ البلدِ من أقصرِ الطرق، وتقسيمِ شعبِه إلى أجزاء مُؤَلَّبةٍ على بعضِها البعض. هذا ويكشفُ هذا الواقعُ عن نفسِه ضمن امتداداتِهم التي في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ على وجهِ الخصوص، من خلالِ الممارساتِ المُعاشةِ بكثافة. لقد كانت هذه الوسيلةَ الأكثرَ تأثيراً للتحكمِ بشعبٍ ما. حيث يستفزون الشعبَ ضد الدولةِ من جانب، ويحرضون كِلَيهما على سحقِ بعضَيهما بعضاً من جانبٍ ثان. كما كانوا يقضون على مَن يَرَونه خطيراً بإتباع الأسلوبِ عينِه. لقد كانت هذه الظاهرةَ لافتةً للانتباهِ بنحوٍ فاقعٍ في حقيقةِ الحُكمِ داخل تركيا خلال الأعوامِ الستين الأخيرة. إذ وكأنّ البلدَ قد صُيِّرَ مختبَراً لتسييرِ اشتباكاتِ ونزاعاتِ الغلاديو. فالصِّداماتُ التي تسبَّبَ بها الغلاديو في كافةِ مراحلِ PKK الهامةِ لوحدِها، كانت كافيةً وافية لوضعِ حدٍّ نهائيٍّ لعلاقاتِ الصداقةِ التقليديةِ المستمرةِ منذ قرونٍ مديدةٍ بين الدولةِ وشعوبِها.

د- قيَّمتُ مرحلةَ إمرالي كمِحفلٍ نموذجيٍّ لإفسادِ هذه اللعبة. فعززتُ أرضيتي النظريةَ اللازمةَ من أجلِ ذلك. وطوَّرتُ جميعَ المقوماتِ الفلسفيةِ والعمليةِ اللازمة لاستتبابِ السلامِ وتوفيرِ شروطِ الحلِّ السياسيّ. وركزتُ على خصوصيةِ الحلِّ السياسيِّ الديمقراطيّ. لقد كان بمقدورِ هذه الأنشطةِ العصيبةِ والتي تستلزم الصبرِ وسِعَةِ الصدر، أنْ تُحَطِّمَ جدرانَ الدواماتِ العقيمةِ للمؤامرة، وتخلقَ بدائلَ الحلِّ المُرتَقَب. لَم يَكُنْ أمامي في هذا المضمارِ سوى الثقةُ بالنفس. في الحقيقة، كانت نوايا القائمين على مهامِّهم في سياقِ المؤامرةِ مختلفة. إذ كانوا يتطلعون إلى إنهاءِ وجودِ PKK وحركةِ الحريةِ متجسداً في شخصي. هذا كانت ممارساتُ السجنِ وجميعُ مواقفِ محكمةِ حقوقِ الإنسانِ الأوروبيةِ والاتحادِ الأوروبيِّ مرتبطةً بهذه الغاية. كان يتم التطلع إلى حركةٍ كرديةٍ مُنَقّاةٍ مني. يُرادُ خلقُ نسخةٍ حديثةٍ للتواطؤِ التقليديّ، بحيث تَكُونُ مخصيةً ومُسَخَّرةً لخدمةِ أسيادِها. وفعالياتُ أمريكا والاتحادِ الأوروبيِّ على المدى الطويلِ بشكلٍ خاصٍّ كانت تتمحورُ حول ذلك. وقد كانوا منفتحين على التحالفِ مع النخبةِ التركيةِ الحاكمةِ بناءً على هذه الأرضية. باختزال؛ فنموذجُ الخَصيِ هذا، الذي نجحَت الهيمنةُ الإنكليزيةُ بوجهٍ خاصٍّ في تطبيقِه على حركةِ الطبقةِ العاملةِ ثم على حركاتِ التحررِ الوطنيِّ والحركاتِ الثوريةِ والديمقراطية، قد أحرزَ النصرَ مع أسلوبِ حقوقِ الإنسانِ وحرياتِه الليبرالية. حيث قاموا بتصفيةِ القياداتِ والتنظيماتِ الثورية. وعلى غرارِ أساليبِ التصفيةِ التي مارسوها طيلةَ قرونٍ عديدة، كان يُطَبَّقُ أسلوبٌ مشابهٌ على PKK والحركةِ الثوريةِ وحركةِ المساواةِ والحرياتِ العامةِ أيضاً. كانت هذه هي النتيجةُ الأوليةُ المأمولةُ من سياقِ إمرالي، وهذا هو المخططُ المَعمولُ عليه بكثرة، بهدف تطبيقُه بمهارة. وقد كانت الإستراتيجية والتكتيكاتُ تُصاغُ مُؤَطَّرةً بهذا المخطط. أما المرافعةُ التي طوَّرتُها مقابلَ ذلك، فلَم تَكُنْ تعتمدُ على الموقفِ الأرثوذكسيِّ الدوغمائيِّ التقليديّ، ولا على إنقاذِ نفسي وتحسينِ ظروفي. بل إنّ طريقَ الحلِّ السلميِّ والديمقراطيِّ المُشَرِّفِ والمبدئيِّ والمتماشي مع واقعِ الشعوبِ التاريخيِّ والاجتماعيّ، هو الذي رسمَ مسارَ مرافعتي.