المونيتور: قمة بوتين وأردوغان تسلّط الضوء على التوازن الهشّ لتركيا

يظهر فشل أردوغان في تحقيق أهدافه في الاجتماع رفيع المستوى مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن توازن تركيا مع روسيا والولايات المتحدة على وشك الانهيار.

المونيتور: قمة بوتين وأردوغان تسلّط الضوء على التوازن الهشّ لتركيا
الخميس 30 يلول, 2021   07:32
مركز الأخبار

بعد أن عملت أنقرة الفترة الماضية على التوازن بين روسيا والولايات المتحدة، تحاول الدبلوماسية التركية الإبحار في المياه العاصفة. فبعد فشل جهود أنقرة لتعزيز موقعها في الناتو وإصلاح العلاقات مع واشنطن على حساب موسكو، التقى رجب طيب أردوغان بنظيره الروسي فلاديمير بوتين. ومع ذلك، فإن مغادرته مدينة سوتشي الروسية دون مؤتمر صحفي مشترك مع بوتين، يشير إلى مدى ضعف موقف أنقرة قبل القمة، بحسب موقع المونيتور الأميركي.

وكان وصف المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الاجتماع بأنه "جدول الأعمال الأكثر شمولاً منذ بدء العلاقات الثنائية" نذيرٌ للمفاوضات الصعبة التي تنتظر الزعيمين.

واستغرق اجتماع 29 أيلول، الذي نوقشت فيه القضايا المتنازع عليها بما في ذلك سوريا والقوقاز وليبيا وأفغانستان، والعقود الجديدة للغاز الطبيعي، واحتمال حصول تركيا على صواريخ روسية الصنع إضافية من طراز S-400، حوالي ساعتين و45 دقيقة، لقد كان الاجتماع قصيراً نوعاً ما عمّا كان متوقعاً بعد توقف دام 19 شهراً.

وعلّق أردوغان بعد الاجتماع في تغريدة، قائلاً: "لقد عقدنا اجتماعاً مثمراً مع نظيري بوتين وغادرنا سوتشي".

الرقص التركي على الحبلين الروسي والأميركي لم يعد ينفع

وأظهرت القمة أن التوازن التركي بين الولايات المتحدة وروسيا فشل في إنقاذ الدبلوماسية التركية، منذ أن تولّى الرئيس جو بايدن منصبه في كانون الثاني.

جاء اجتماع أردوغان - بوتين في أعقاب زيارة أردوغان للولايات المتحدة الأسبوع الماضي لحضور قمة الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي أسفرت عن خيبة أمل تركية.

استهلّ الرئيس التركي زيارته لنيويورك برسائل بنّاءة تجاه واشنطن، على أمل تحقيق نجاح مماثل لاجتماعه مع بايدن في حزيران في بروكسل. جاء ذلك الاجتماع بعد بيع تركيا طائرات مسيّرة لأعداء روسيا اللدودين؛ بولندا وأوكرانيا. وأعربت أنقرة عن أسفها الشديد لضم شبه جزيرة القرم، واستعداد تركيا لتحمّل مسؤولية أمن مطار كابول الدولي بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان.

ومع ذلك، فشل أردوغان في نيويورك في تأمين فرصة لالتقاط الصور مع بايدن، وكذلك لم يحصل على لقاء مباشر مع  الأخير على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقال أردوغان في ختام رحلته إلى نيويورك دون أن يخفي انزعاجه، "آمل، بصفتنا دولتين في الناتو، أن نتعامل مع بعضنا البعض بصداقة لا عدائية. لكن المسار الحالي لا يبشّر بالخير. النقطة التي وصلنا إليها في علاقاتنا مع الولايات المتحدة ليست جيدة. لا أستطيع أن أقول إن الأمور بدأت بداية جيدة مع بايدن".

ومضى في الإشادة بالعلاقات التركية الروسية وقال: "لم نرَ أي خطأ في علاقاتنا مع روسيا"، مشدداً على أن أنقرة لن تتخلّى عن نظام الدفاع الصاروخي S-400 الذي اشترته تركيا من روسيا.

بدوره قال بوتين: "المفاوضات مع تركيا صعبة في بعض الأحيان، لكننا تركنا سوتشي دائماً بنتائج إيجابية. نتعلم كيف نتصالح".

ويُظهر الغياب الواضح لنتيجة ملموسة، أن القضايا الخلافية بين أنقرة وموسكو ستظل موضوع المحادثات الفنية بين البلدين.

الدبلوماسية التركية تواجه معضلة

وتواجه الدبلوماسية التركية عدة تحديات في علاقاتها مع موسكو على عدة جبهات. أولاً، قدّم أردوغان نفوذاً لبوتين من خلال الاعتراف بأن العلاقات التركية الأميركية في أدنى مستوياتها.

لقد لاحظ الجانب الروسي على النحو الواجب، مبيعات تركيا طائرات بدون طيار لأوكرانيا، وتعهّد أردوغان بعدم الاعتراف أبداً بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، والذي يعتبر كلا القضيتين حاسمتين لأمنه القومي. علاوة على ذلك، قال وزير الخارجية الأوكراني كوليبا دميترو، إن أوكرانيا تخطط لإنشاء مصنع للطائرات بدون طيار للإنتاج المشترك للطائرات، بدون طيار التركية الصنع.

وعلاوة على ذلك، فإن تركيا في أسوأ موقف ممكن في مفاوضات الغاز الطبيعي مع روسيا بشأن العقود الجديدة. وتنتهي عقود الغاز التركية في نهاية العام الجاري. خمسة منها مع شركات طاقة روسية من بينها غازبروم. بعد أن أزالت الولايات المتحدة العقوبات على خط أنابيب نورد ستريم 2 الذي سيضخ الغاز الروسي إلى أوروبا، حيث تضاءلت حاجة روسيا لخط أنابيب تركيش ستريم، مما زاد من تآكل موقف أنقرة.

العنصر الأكثر إثارة للجدل بين العاصمتين هو محافظة إدلب شمال غرب سوريا، حيث يتفاقم التصعيد بين قوات حكومة دمشق المدعومة من روسيا والمرتزقة  المدعومين من تركيا. وشنت روسيا ما لا يقل عن 150 حملة جوية في المنطقة الشهر الماضي، متهمة أنقرة بالفشل في الوفاء بدورها في اتفاقات وقف إطلاق النار المتفق عليها سابقاً. وتعهدت تركيا في ظلها بتطهير إدلب من العناصر المتطرفة، بما في ذلك "هيئة تحرير الشام" التي تسيطر على المنطقة، وإعادة فتح طريق M-4 السريع الذي تسيطر عليه القوات الجهادية.

كان من المتوقع أن يطلب أردوغان من بوتين وقف الضربات الجوية، والقضاء على التهديدات ضد المواقع العسكرية التركية حول إدلب، واستئناف الدوريات التركية الروسية المشتركة على طول M-4.

وفي غضون ذلك، فإن موقف روسيا من هذه المسألة واضح تماماً. وفقاً لموسكو، تستخدم الجماعات الجهادية المتطرفة المواقع العسكرية التركية في إدلب وحولها كدرع لمهاجمة قوات حكومة دمشق. وفي حديثه على هامش قمة الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن روسيا لن تتسامح مع الهجمات الإرهابية التي تنطلق من إدلب.

وأفادت تقارير أن قوات حكومة دمشق كانت تستعد لتحرك جديد في إدلب، بعد اجتماع بشار الأسد مع بوتين في 14 أيلول. وفي حديثه بعد الاجتماع، قال بوتين إن أكبر مشكلة في البلد الذي مزقته الحرب هي "وجود القوات الأجنبية"، في إشارة منه إلى تركيا والولايات المتحدة.

وعلى الرغم من أن أنقرة صنفت هيئة تحرير الشام كمنظمة إرهابية، لا يبدو أنها تعتبر الجماعة تهديداً. إلى جانب ذلك، يبدو أن تركيا تتجنب غضب التنظيمات الجهادية بالقتال العلني ضدها. من حيث مسؤوليتها في القضاء على العناصر الجهادية المتطرفة في إدلب، تعتبر أنقرة أن جهود هيئة تحرير الشام لكبح جماح فروع القاعدة الأخرى في المنطقة كافية.

وازداد ضعف موقف تركيا هذا العام بعد أن بدأت إسرائيل والولايات المتحدة في إيلاء أهمية أكبر للدور الروسي في سوريا في محاولة لكبح النفوذ الإيراني. علاوة على ذلك، قامت المملكة العربية السعودية ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة بمدّ غصن الزيتون إلى حكومة دمشق، لتسهيل خطة اللعبة الروسية.

وفي غضون ذلك، يبدو أن أردوغان مصمم على عدم تغيير الوضع الراهن في إدلب والمناطق الحدودية حيث تنتشر القوات التركية، كما يتضح من عمليات الانتشار الجديدة التي تم إرسالها إلى إدلب قبل الاجتماع. يبدو أن طلبات التقاعد المفاجئة التي قدمها اثنان على الأقل من الجنرالات الذين يخدمون في مهام متعلقة بسوريا، في خطوة فُسرت على نطاق واسع على أنها إشارة إلى عدم الموافقة على سياسات الحكومة، قد فشلت في كسر هذا التصميم.

في غضون ذلك، جعلت التطورات الأخيرة في ليبيا التنسيق الروسي التركي أمراً لا مفر منه. سيكون لموقف موسكو وأنقرة دور حاسم في أمن انتخابات 24 كانون الأول المقبلة.

وعملية وقف إطلاق النار في قره باغ هي قضية أخرى نوقشت في القمة. تشمل توقعات أردوغان على هذه الجبهة فتح ممرّ يربط بين تركيا وأذربيجان عبر منطقة ناخشيفان، وتعزيز الجهود المبذولة لإنشاء منصة السلام القوقازية - وهي مبادرة تعاون تركية تشمل روسيا وتركيا وأذربيجان وإيران وجورجيا وأرمينيا. كجزء من هذه الجهود، ترسل أنقرة رسائل إيجابية لتطبيع علاقاتها مع يريفان.

ومن المحتمل أن تكون مثل هذه التحديات قد عقّدت جهود أردوغان لخلق توازن الأخذ والعطاء خلال اجتماعه مع بوتين. ويبدو أن شراء صواريخ روسية إضافية هو الرافعة الوحيدة التي يمكن أن تلعبها تركيا ضد موسكو. لكن هل تستطيع تركيا تحمّل شراء مجموعة جديدة من تلك الصواريخ بعد أن أدت عملية الشراء الأولى إلى تدهور العلاقات بين أنقرة وواشنطن؟ قد تهدف تصريحات أردوغان إلى تخفيف التوترات مع روسيا مع ترهيب الولايات المتحدة. ومع ذلك، إذا كان الرئيس التركي يأمل في الاستثمار في المشاعر المعادية للولايات المتحدة، قبل انتخابات عام 2023 لتعزيز دعمه المتضائل في الداخل، فقد يكون تصريحه أكثر من مجرد خدعة.

(م ش)