حرب المياه التركية.. انتهاكات مستمرة وأزمة إنسانية حقيقية

منذ أن بدأت تركيا باستخدام سلاح المياه ضد شعب شمال وشرق سوريا؛ تتصدّر الواجهة أرقام كارثية غير مسبوقة نتيجة خفض منسوب مياه الفرات، وتؤكد أن شعب المنطقة يواجه كارثة إنسانية حقيقية من جوانب حياتية مختلفة، في ظل صمتٍ دولي.

حرب المياه التركية.. انتهاكات مستمرة وأزمة إنسانية حقيقية
الثلاثاء 28 يلول, 2021   00:02
كوباني - ميساء عكاري

تحارب تركيا أبناء منطقة شمال وشرق سوريا، بكافة السبل الممكنة بدءاً من الحرب بالوكالة وتدخّلها المباشر في مناطق شمال وشرق سوريا، إلى الحرب الخاصة التي تخوضها ضد أبناء المنطقة.

ومن ضمن أساليب الحرب الخاصة التي تتبعها تركيا ضد منطقة شمال وشرق سوريا، هي حبس مياه نهر الفرات عن شعب المنطقة، والتي يشير الكثير من المحللين السياسيين إلى أن تركيا تستخدم المياه كسلاح بوجه أهالي المنطقة.

منذ الـ 27 من شهر كانون الثاني/ يناير المنصرم، ودولة الاحتلال التركي تسرق حصة السوريين من مياه نهر الفرات، إذ لا تطلق سوى أقل من 200 متر مكعب من المياه في الثانية، بينما تنص الاتفاقية التي توصلت إليها سوريا مع تركيا في عام 1987، على ضرورة ألّا يقل الوارد المائي من مياه الفرات إلى سوريا عن 500 متر مكعب في الثانية.

ويؤثر انخفاض منسوب مياه الفرات بشكل سلبي على قطاعات عدة، بدءاً من انقطاع الكهرباء بشكل مستمر ولساعات طويلة، وصولاً إلى التأثير السلبي على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية. بالإضافة إلى التأثير على الحياة اليومية لأهالي المنطقة، من صعوبة تأمين مياه الشرب والتعرض للأمراض الناتجة عن تلوث المياه جرّاء توقفه عن الجريان.

المنسوب الميت

يقول المهندس والإداري في سد تشرين حمود الحمادين، في حديث لوكالتنا، بأنه "في الوقت الحالي لا يتجاوز الوارد المائي لنهر الفرات إلى الأراضي السورية من الجانب التركي 182 متر مكعب في الثانية".

وانخفض منسوب المياه في سد تشرين إلى أكثر من 4,5 متراً، بحسب مقياس الميرا على مستوى سطح البحر في السد، الذي تبلغ سعة بحيرته 1,9 مليار متر مكعب.

ومنسوب سد تشرين الطبيعي 325,50، أما المنسوب الحالي فهو 320,70 وهو منسوب الحد الأدنى، ويتبقى منه 70 سنتمتراً فقط ويخرج السد عن العمل نهائياً، بحسب القائمين على السد.

أما عن منسوب سد الفرات فإن منسوب السد الطبيعي يبلغ 304، ومنسوبه الأدنى يبلغ 238، وقد انخفض من منسوب السد الطبيعي 298,50، أي قرابة 6 أمتار، فيما تبلغ سعة بحيرة سد الفرات 14 مليار متر كعب وهي بمثابة الخزان المائي الكبير للمنطقة.

وانخفضت بحيرة سد الفرات حوالي 6 أمتار ونصف تقريباً انخفاضاً شاقولياً، بالتزامن مع الانخفاض الأفقي. أي انحسرت البحيرة 2 إلى 3 كيلو متر انحساراً أفقياً.

وبحسب القائمين على سد الفرات، فإن الوارد المائي لا يغطي خسارة ما يتم استهلاكه في مياه الشرب ومياه الزراعة والتبخر.

هذا، ويتم استهلاك 150 متراً مكعباً من أصل 182 متراً مكعباً يومياً من الوارد المائي لمياه الشرب والري والتبخر، وهو ما يؤدي إلى انخفاض في توليد الكهرباء.

وبالتزامن مع ارتفاع درجة الحرارة في الأشهر الأخيرة ازدادت نسبة تبخّر الماء، الأمر الذي أدى إلى فقدان نسبة من الوارد المائي. مع العلم إن مستهلكات مياه التبخّر مع مياه الشرب تصل إلى 50 متراً مكعباً في الثانية بشكل تقريبي.

أضرار وأعطال

ويقول المهندس حمود الحمادين، إن "السد في حالة إيقاف لمدة 16 ساعة متواصلة نتيجة انخفاض الوارد المائي وقلة المخازين المائية في البحيرة، وهو ما أدى إلى حدوث الكثير من المعوقات في توليد الطاقة الكهربائية".

ويشير حمود الحمادين إلى أنه عند إيقاف السد لمدة 16 ساعة، يتم تشغيل عنفتين فقط من أصل 6 ولمدة 8 ساعات، وبهذا لا يستطيع السد تلبية حاجة المنطقة كاملة من الكهرباء.

وينوّه حمود الحمادين إلى أنه في ظل انخفاض الحبس العلوي والحبس السفلي للنهر؛ تم الوصول إلى مرحلة نقطة التشغيل السيء، وهو ما يؤثر بشكل كبير على العنفات، إذ تؤدي إلى تشقق في شفرات دولاب العامل لأغلب العنفات.

وتولّد كل عنفة في المنسوب الطبيعي حوالي 105 ميغاواط، أما في الوقت الحالي وفي أحسن ظروفها في المنسوب المنخفض تولّد 75 ميغاواط أي يتم خسارة 30% من توليد الكهرباء، بحسب المهندس حمود الحمادين.

وأدى انخفاض منسوب مياه الفرات إلى زيادة ساعات تقنين الكهرباء في المنطقة، إذ يعمل السد لثماني ساعات فقط بشكل يومي لتفادي خروج السد عن العمل بشكل تام، أي أنه تم خفض ساعات التشغيل إلى الحد الأدنى.

ويبدأ سد تشرين بتوليد الكهرباء من الساعة الرابعة مساءً حتى الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل، ويكمل سد الفرات توليد الطاقة لسد حاجة المنطقة لمدة ساعتين، إلى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، حيث تعمل هناك عنفة واحدة.

هذا وينذر القائمون على السد أنه إذا استمر منسوب المياه على هذا الشكل بالانخفاض يوماً بعد يوم، فإن الوضع سيسوء بشكل أكبر ويخرج السد عن العمل نهائياً.

أزمة إنسانية

وعن تأثيرات انخفاض منسوب الفرات يقول حمادين: "نتيجة انخفاض منسوب المياه وُجِدت أضرار إنسانية وبيئية كثيرة، تأتي في مقدمتها تأمين مياه الشرب، إذ توجد محطات ضخ تضخ مياه الشرب بشكل مباشر من النهر إلى المواطنين فأغلب مضخات المياه تلك أصبحت خارج العمل بسبب الانحسار الأفقي لمياه النهر".

ويضيف قائلاً: "إيقاف تلك المضخات أدى إلى اضطرار الأهالي على الاعتماد على الصهاريج المائية، أو الاعتماد على مضخاتهم المؤقتة ووضعها في النهر مباشرة لتأمين مياه الشرب".

وكما أدى انخفاض منسوب الفرات ونقص الأمطار الموسمية إلى جفاف الآبار وانخفاض المياه الجوفية وعدم قدرة الأهالي على حفر الآبار، بسبب زيادة التكلفة أضعاف ما كانت عليه في السابق.

كل تلك الأسباب أدت إلى مواجهة شعب منطقة شمال وشرق سوريا، لأزمة إنسانية حقيقية في صعوبة الحصول على مياه الشرب نتيجة انخفاض منسوب مياه الفرات، إذ يضطر الكثيرون إلى شراء مياه الشرب.

إضافة إلى ذلك، يؤثر إيقاف تشغيل السد لمدة 16 ساعة على نوعية وجودة المياه، جرّاء توقّف النهر عن الجريان، حيث يحدث الكثير من التلوث نتيجة إلقاء المياه الصناعية ومياه الصرف الصحي والمخلفات في مياه النهر، وهو ما يخلق جوّاً مثالياً للبكتيريا للنمو في النهر، ما يسبب إصابة الأهالي بالأمراض المختلفة في مناطق مختلفة في شمال وشرق سوريا.

هذا، وقد تم تسجيل الآلاف من حالات التسمم والإسهال للأهالي في مناطق مختلفة في شمال وشرق سوريا، جرّاء تلوث مياه الفرات منذ بداية العام الجاري.

قطاعات وثروات متضررة

وعن الضرر الذي لحق بالقطاع الزراعي جرّاء حبس تركيا لمياه الفرات، يقول المهندس والإداري في سد تشرين حمود الحمادين: "أثّر انخفاض مياه النهر بشكل سلبي على القطاع الزراعي، ويتضح ذلك أنه في موسم الخضار فإن الخضار تكون معدومة بشكل ما في المنطقة، مقارنة مع الأعوام السابقة؛ بسبب الكلفة المادية المتزايدة على المزارع وانخفاض المياه الجوفية وجفاف الآبار".

ويشير إلى أن كل ذلك انعكس على المحصول الشتوي، وأدى إلى غلاء فاحش في سعر الأعلاف الذي انعكس بدوره على الثورة الحيوانية، بحيث أن الكثير من مربّي الماشية اضطروا إلى بيع مواشيهم بأرخص الأسعار نتيجة عدم تمكنهم من تأمين العلف.

وكما انعكس حبس تركيا لمياه الفرات على الثروة السمكية، بسبب ارتفاع نسبة التلوث في النهر والذي أدى إلى تناقص وتغيير نوعية الأسماك الموجودة في النهر ونقص كميتها.

ويؤكد حمادين على أن منطقة شمال وشرق سوريا، تواجه أزمة إنسانية حقيقة جرّاء حبس تركيا لمياه الفرات، في وقت أن المنطقة بذروة الحاجة إليها.

وبينما تعيش منطقة شمال وشرق سوريا أزمة إنسانية حقيقة، ورغم المطالبات والمناشدات من الدول العالمية بوضع حد لانتهاكات تركيا بحق شعب المنطقة، إلا أن الأخيرة لا تزال تستمر بحبس المياه ومعاداة شعب المنطقة، مرتكبةً جرائم بحق الإنسانية وسط صمت دولي وعالمي.

(ج)

ANHA