قبول "الهدية" يعني قبول الإبادة

قبول "الهدية" يعني قبول الإبادة
الإثنين 20 يلول, 2021   21:41

مصطفى علو

قبل عامين، عندما ذهب أردوغان إلى مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية لحضور أعمال الدورة الـ 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة، حمل معه خريطة توضح خطة الإبادة الجماعية بحق الكرد ولم ينطق أحد بكلمة، وفي مشهد متكرر يذهب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الأمم ومعه مسلة من موقع "خراب رشك"، ويقدمها على أنها جزء من تراث الأناضول، ويقبل الأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غوتيريش "هدية" أردوغان.

وتضم "خراب رشك" التي يعود تاريخها إلى 12 ألف عام، أقدم منشأةٍ هندسية للبشر في العالم، وهو معبدٌ يعتبر الأول في تاريخ البشرية؛ يضم أحجارًا عمودية عملاقة، والتي توضح الاستقرار البشري قبل آلاف الأعوام في منطقة كردستان على حواف جبال طوروس بين نهري دجلة والفرات.

قبل عامين، لم يعترض أحد  من الحاضرين في أعمال الدورة الـ 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع أردوغان في تنفيذ إبادة جماعية بحق الكرد، وصدق من قال إن "الصمت علامة الرضا".

الخريطة التي عرضها أردوغان في الـ 24 من أيلول عام 2019، كانت تضم كل المناطق التي حررتها وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية من مرتزقة جبهة النصرة وداعش، أو طردت منها قوات حكومة دمشق منذ تموز عام 2012.

وبينما كانت التقارير الواردة من عفرين التي احتلتها تركيا في الـ 18 من آذار 2018 تظهر وحشية الدولة التركية ومرتزقتها وعمليات الخطف والقتل والاغتصاب والتغيير الديمغرافي، بما فيها بعض التقارير الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة ومعرفة جميع الحاضرين بجرائم الدولة التركية، عرض أردوغان تلك الخريطة وزعم أنه سيقيم فيها منطقة آمنة، ولم يُقابل بأي اعتراض ولو شفوي لمنع إبادة الكرد.

بعد عرض الخريطة بأسبوعين، بدأت دولة الاحتلال التركي ومجموعاتها المرتزقة بهجوم على منطقتي سري كانيه وتل أبيض، بعد أن نال الموافقة الدولية على إبادة الكرد، وبالفعل احتلت تركيا ومرتزقتها المنطقتين، وهجّروا منها نحو 300 ألف مدني، وقضوا تمامًا على جميع الملامح الكردية، واستقدموا مستوطنين من مختلف البلدان، جميعهم إما مرتزقة سابقون في داعش والنصرة أو أسرهم، وحدث ذلك أمام أنظار العالم والمجتمع الدولي الذي أعطى الضوء الأخضر لإبادة الكرد.

المشهد ذاته يتكرر اليوم، ولكن بطرق مختلفة. فقد استبق رجب طيب أردوغان انعقاد أعمال الدورة الـ 76  للجمعية العامة للأمم المتحدة،اليوم، بتقديم "هدية" إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غوتيريش. "الهدية" هي عبارة عن مسلّة من موقع "خراب رشك" التاريخي، وزعم أردوغان أنها جزء من إرث الأناضول وقبِل غوتيريش "الهدية الأردوغانية" في مشهد لا يعيد إلى الأذهان سوى صمت الحاضرين في أعمال الدورة الـ 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع أردوغان في تنفيذ إبادة جماعية بحق الكرد.

وعلى الرغم من البحوث الكثيرة التي أجريت في موقع "خراب رشك" التي لم تشر إلى تركيا، وعلى الرغم من أنه متفق عليه إلى حد بعيد، فإن قدوم الأتراك إلى منطقة الشرق الأوسط جرى فعليًّا عام 1071، لم يشر أحد إلى تضليل أردوغان وقيامه بنهب تاريخ الكرد.

ما علاقة تركيا بموقع سبق وجوده في المنطقة وجود الأتراك بما يزيد عن عشرة آلاف عام، ولماذا يقبل الأمين العام للأمم المتحدة تلك "الهدية الأردوغانية"، وتركيا ذاتها هي التي سرقت مئات القطع الأثرية من عفرين المحتلة، ودمرت وحفرت عشرات المواقع الأثرية في عفرين المحتلة، ودمرت موقع "حصن كيف" التاريخي بحجة بناء سد أليسو.

قبول "الهدية" يعني قبول الإبادة. كما قبلت الأمم المتحدة قبل عامين بإبادة الكرد؛ فإن الموقف الراهن للمنظمة الأممية لم يتغير، بل هناك إصرار على تنفيذ مخطط إبادة الكرد الذي دخل حيّز التنفيذ عام ،1923 تاريخ تأسيس الجمهورية التركية.

هذا يؤكد مرة أخرى، أن الجمهورية التركية على اختلاف الأحزاب التي تعاقبت على حمكها ليست إلا مشروعًا استعماريًّا في المنطقة. مهمتها الأساسية تصفية الحركات المناهضة للنظام الرأسمالي وللقوى الاستعمارية. تركيا لعبت دورًا رئيسًا في منع انتشار الاشتراكية في المنطقة، وبعد عام من إعلان إسرائيل 15 أيار عام ،1948 كانت تركيا أول دولة في المنطقة اعترفت بإسرائيل عام 1949، وبهذا أدت دورًا بارزًا في تصفية القضية الفلسطينية، واليوم تكمل دورها في إبادة الكرد والعرب المتطلعين إلى الحرية، ومنظمة الأمم المتحدة أصبحت بدون شك، مكانًا لإضفاء الشرعية على مخططات الإبادة بحق الشعوب التي تطالب بالحرية.

ANHA