​​​​​​​قمة بغداد.. تناقش خلافات الدول ومصالحها وتهمّش أزمات الشعوب

تستمر التحليلات حول نتائج قمة بغداد التي عقدت قبل أيام في العاصمة العراقية، والتي شاركت فيها دول عربية وأجنبية بينها خلافات وتناقضات كبيرة، فماذا أنتجت هذه القمة؟

​​​​​​​قمة بغداد.. تناقش خلافات الدول ومصالحها وتهمّش أزمات الشعوب
الجمعة 3 يلول, 2021   02:23
مركز الأخبار- يحيى الحبيب

وأقيمت في العاصمة العراقية بغداد قمة أمنية بهدف تخفيف التوتر في المنطقة، وشاركت في القمة دول عربية وأجنبية منها السعودية وإيران والإمارات وتركيا ومصر وقطر والأردن والكويت وفرنسا، بالإضافة إلى منظمات عربية ودولية.

ومنذ ما قبل قمة بغداد وحتى الآن، لا يزال النقاش دائرًا حول فكرة ما إذا كان هذا المؤتمر قادرًا على أن يحل المشاكل والتناقضات بين الدول المشاركة أو أن يحسن من وضع العراق الداخلي.

وانعقدت القمة على مدار يوم واحد، في المنطقة الخضراء المحصّنة أمنيًّا بالعاصمة بغداد، لمناقشة ملفات سياسية واقتصادية وأمنية تتعلق بالعراق والمنطقة، وهي القمة الأولى من نوعها في ظرف زمني دقيق يحاول فيه العراق استعادة مكانته في المنطقة، إلا أن العراق نفسه لم يستطع طوال السنوات الماضية تحصيل حقوقه المائية من تركيا وإيقاف انتهاك الأخيرة لسيادته، كما أنه لم يتمكن من إقناع إيران بتخفيف تدخلاتها في الشأن العراقي.

وفي افتتاح المؤتمر، أكد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أنه يرفض استخدام العراق ساحة لتصفية الصراعات، مشددًا على أنه "لا عودة للعلاقات المتوترة والحروب العبثية".

إبراز دور العراق في المنطقة

وحول ذلك، قال المحلل السياسي العراقي مصطفى السراي: "أبرزت قمة بغداد دور العراق الاستراتيجي في المنطقة والإقليم، لاسيما في دائرة الصراع والتنافس الثلاثي السعودي - الإيراني - التركي، الأمر الذي لعب فيه العراق دورًا محوريًّا من حيث سياسة المحاور ونقاط التقاطع والالتقاء".

وأضاف: "جاءت القمة لتبرز دور العراق الأكثر فاعلية من حيث الاستقرار وتحقيق الأمن الإقليمي وضمان سلامة القوى الإقليمية المؤثرة، كذلك من حيث التنظيم والاستقبال كان يتمتع بحرفية عالية وتنسيق منظم على مستوى عالٍ".

وفي الحديث عن التنظيم، أثارت صورة وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان في ختام مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة الكثير من الجدل بسبب وقوفه في الصف المخصص لرؤساء الدول، مما جعل الكثيرين يتساءلون ما إذا كان قد خرق البروتوكول.

ملفات كثيرة

وحول الملفات التي تمت مناقشتها قال المحلل العراقي: "تمت مناقشة عدة ملفات إقليمية ودولية وداخلية، مثل قضية الأمن الإقليمي وتحقيق الاستقرار الإقليمي وكذلك التعاون الاقتصادي بين الدول ومواجهة تحديات الإرهاب على مستوى الإقليم وتبني لغة الحوار والتفاهم من أجل حل القضايا العالقة، لاسيما بين إيران والسعودية، وكذلك قضايا الدعم الدولي ومناطق النفوذ والهيمنة الدولية وقضية الاحتباس الحراري، فضلًا عن الملفات الداخلية وأهمها إجراء انتخابات مبكرة في العراق".

وأضاف السراي: "شدد الحاضرون على إقامتها (الانتخابات) في موعدها وأكدوا على دعم مسار الديمقراطية وكذلك الأمن الداخلي. حيث ركز كل من الرئيس المصري ووزير الخارجية الايراني على أهمية تحقيق الاستقرار الأمني الداخلي وكذلك الدعم الاقتصادي. كما أكد الحاضرون على دعم العراق في الجانب الاقتصادي وريادة الأعمال وجلب الاستثمارات إلى العراق".

وتابع: "كان هناك حديث يدور حول مناقشة بعض القضايا التي تخص الإقليم مثل الأزمة السورية، وتوتر العلاقات بين اليمن ولبنان، وقضية ضرب السفن في الخليج العربي بشكل سري من خلال الاجتماع الجماعي أو اللقاءات الثنائية بين الدول المشاركة".

لم تحقق نتائج كاملة

وحول نتائج هذه القمة قال المحلل العراقي: "إلى الآن لم تحقق النتائج الكاملة من مخرجات حقيقية، وإنما فقط في جانب واحد وهو الاجماع المشترك ومحاولة تبني مثل هكذا قمم تعزز من عملية المواصلة".

وأضاف: "أجمعت الدول المشاركة على قضية تبني الحوار والثقة المتبادلة بين الأطراف لحل الخلافات والقضايا العالقة، لاسيما في خطاب السعودية وإيران. حيث كانت الأخيرة أكثر شدة في خطابها في تناول القضايا الخلافية. لاسيما في قضية الدعم الأميركي".

على العراق استغلال هذه الفرصة بشأن التدخلات التركية والإيرانية

وقال المحلل العراقي السراي "على العراق استغلال مثل هكذا فرص إقليمية ودبلوماسية لتحقيق نتائج استراتيجية ومنها التدخلات الأمنية والسياسية من قبل تركيا وإيران ومحاولة إيجاد خريطة طريق متوازنة بين البلد والاحتفاظ بالعلاقات الحميدة من خلال منافذ دستورية وقانونية تعزز من وحدة وسيادة الدولة وليس من خلال وكلاء هذه الدول في المنطقة أو العراق تحديدًا".

تناقضات كثيرة

وبدوره، قال رئيس مركز كرد بلا حدود كادار بيري: "لا يمكن تقييم أعمال مؤتمر بغداد بهذه البساطة وفي هذه الفترة القصيرة بعد إنهاء المؤتمر بأيام، ولكن بإمكاننا أن نحلل كيف سيكون خاصة بأنها المرة الأولى التي ينعقد مؤتمر بهذا الشكل في العراق من أجل العراق ومن أجل دول الجوار، فانقطاع بغداد لفترة طويلة عن أي نشاط عربي أو إقليمي ودور مهمش، يعتبر المؤتمر بادرة جيدة وخطوة أولى بأن يأخذ العراق مكانه الطبيعي في الشرق الأوسط أو ضمن مجموعته العربية. إنها بادرة جيدة".

وشارك في القمة العراقية أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، بعد سنوات من الغياب عن الاجتماعات العربية المشتركة إثر المقاطعة الخليجية والعربية لبلاده منذ 2017 والتي انتهت في 5 كانون الثاني/ يناير الماضي، في القمة الخليجية الـ41 بمدينة العلا شمال غرب السعودية.

وعلى الرغم من الجهود لإتمام عملية المصالحة بين قطر ودول الخليج ومصر من جهة وتركيا ومصر من جهة أخرى وحل الخلافات بين إيران والسعودية إلا أن ذلك لم يكتب له النجاح والتقدم حتى الآن.

وكان ذلك واضحًا في حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال القمة والتي وجه حديثه إلى تركيا واتهمها بعدم احترام دول الجوار ونقل الإرهابيين من دولة لأخرى.

وأضاف كادار بيري: "تناقضات كثيرة ضمن هذا المؤتمر، أولًا الدعوات والجهات التي حضرت هذا المؤتمر إن كانت تركيا أو إيران أو المحيط العربي وتحديدًا جمهورية مصر، فحالة التناقض بين المشاركين أنفسهم كانت واضحة، وهذا دليل على صحوة عراقية، وكأن العراق يقول: لي عودة إلى المكان الصحيح لي. عودة إلى الجامعة العربية والدول العربية أكثر ما أن يكون سيطرة إيرانية تامة على كل شيء وعلى كل مفاصل العراق، ومن طرف آخر تركيا التي أصبحت انتهاكاتها واضحة في العراق لحربها المستمرة على جنوب كردستان وقصفها اليومي".

تركيا لم تصل إلى الأهداف التي حضرت من أجلها

وأضاف بيري: "كان هناك قصف تركي وحتى بعد المؤتمر كان هناك قصف على مخيم للنازحين من شنكال في منطقة زاخو، وهذا أكبر دليل على أن تركيا في هذا المؤتمر لم تصل إلى الأهداف التي هي حضرت من أجلها، طبعًا هذا كان متوقعًا، ولذلك لم يحضر الرئيس التركي وحضر من ينوب عنه".

ولفت بيري إلى أن "الوجود الفرنسي كان له دور فعال وكلنا نعلم حالة التناقض الموجودة بين تركيا وفرنسا، إذًا بداية مشوار المؤتمر بدأ يتوضح من خسر أو من لم يتمكن من الاستفادة من هذا المؤتمر، الاستفادة بمصالحه واعتداءاته وتدخله في دول الجوار".

وحول بحث الأطراف المشاركة عن مصالحها قال بيري: "من الطبيعي جدًّا أن جميع من حضر سوف يبحث عن مصالحه، فكل الدول تبحث عن مصالحها باستثناء بعض التنظيمات الإرهابية التي تعمل من أجل مصالح غيرها وغير شعوبها، ومن أجل مصالح مموليها، وهذا ينطبق على التنظيمات الإسلامية منها وتحديدًا تنظيم الإخوان المسلمين. طبعًا في العراق هناك عدة تنظيمات إسلامية تتبع لإيران وهي بنفس مستوى تفكير تنظيم الإخوان المسلمين. حيث دائمًا ولاؤهم للخارج".

الاتهامات كانت واضحة لتركيا

كادار بيري رأى أن "المؤتمر تميّز بعدم توجيه الاتهام بشكل مباشر، ولكن كانت هناك الكثير من الأمور المبطنة في تصريحات الرئيس الفرنسي وفي التصريحات المصرية وكان الوضوح أكثر حول من يتسبب بمشاكل هذا البلد وفي منطقة الشرق الأوسط تحديدًا سوريا والعراق، فالأسماء كانت واضحة مع دون ذكرها فاللغة الدبلوماسية طغت على كل شيء".

وتابع في هذا السياق: "من يقرأ لغة الدبلوماسية يفهم أن المستهدف أو الكلام كان موجهًا إلى تركيا وإيران مع العلم أنهم تجنبوا ذكر الأسماء. لكن التصريحات التي كانت بعد ذلك، وهنا أتحدث عن تصريحات للرئيس التركي بعد المؤتمر الذي نفى أن تكون قواته قد قامت بقصف مشفى في منطقة شنكال، وهذا دليل أنه في الحوارات الداخلية أو ما لم يتم التصريح عنه قد وجه الاتهام لتركيا بأنها قصفت وارتكبت مجزرة في ذلك المكان أي في المشفى".

الهجمات التركية لن تتوقف

وأكد كادار بيري أن الهجمات التركية على جنوب كردستان "لم تتوقف ولن تتوقف في المستقبل؛ لا بعد هذا المؤتمر ولا بعد عشرات المؤتمرات الأخرى؛ إلا إذا كان هناك حل شامل للقضية الكردية شمال كردستان داخل تركيا، حينئذ سيتوقف الهجوم التركي، وبخلاف ذلك فمن ينتظر أن تقوم تركيا بوقف هجماتها وعن قتل الأبرياء فهو واهم، ولنقل أمل إبليس في الجنة كما يقال. لأن كما عرفنا الدولة التركية لا يوقفها مؤتمرات ولا تصريحات ولا تنديدات؛ بل ما يوقفها هو الوقوف في وجهها والرد عليها بالمثل، أو إيجاد حل كما نطمح له وهو إيجاد حل للقضية الكردية شمال كردستان أو داخل تركيا".

تركيا تستخدم أوراق عديدة ضد العراق

وحول عدم حديث رئيس الوزراء العراقي الكاظمي عن التدخلات التركية بشكل مباشر قال بيري: "قبل فترة كانت هناك زيارة للكاظمي إلى أنقرة، وكانت هناك مباحثات بينهم، واتفاقات عراقية – تركية قديمة ضد الكرد بشكل عام إعطاء تصاريح إذن بدخول القوات التركية مسافة 10 كم".

وأضاف: "العراق بوضعه الحالي هو في وضع لا حول له ولا قوة، لا يمكنه الوقوف في وجه تركيا التي تستخدم الكثير من الأوراق؛ سواء الاقتصادية أو حتى المجموعات الإرهابية وخلق بلبلة ومشاكل داخل العراق باستخدام، كما يدّعي، نفوذه السني على المجموعات الموجودة داخل العراق، فالوضع في العراق والكاظمي لا يمكنه مواجهة دولة كتركيا في الوقت الحالي وأعتقد في المؤتمر كان واضحًا بأن رئيس الوزراء العراقي كان يتجنب أي احتكاك مباشر مع تركيا".

الكاظمي يبحث عن دعم أوروبي وعربي

وحول أهداف الكاظمي من المؤتمر قال بيري: "هي خطوة للكاظمي بالعراق لكي يأخذ وضعه الطبيعي ويأخذ دعمًا أوروبيًّا، وأن يكون هناك دعم سياسي ودبلوماسي وأيضًا دعم عربي، فوجود السعودية ومصر ضمن هذا المؤتمر ودعمهما للسيادة العراقية هي الفائدة الأولى أو بداية التحول الذي يجب أن يكون في العراق".

وحول تصريحات السيسي قال بيري: "لا يمكن قراءتها إلا كما وردت تمامًا، هو كان واضحًا كما كان من قبل. الساسة يبدؤون حياتهم السياسية بالمراوغة والدبلوماسية. بينما من يكون جنرالًا ويتحول إلى السياسة يكون لديه وضوح أكبر وهذا حال الرئيس المصري الذي تربى في كنف المؤسسة العسكرية".

سيكون هناك تقارب بين الدول الإقليمية

وحول ماذا سيتبع القمة رأى بيري أنه "بالمحصلة سيكون هناك تقارب بين السعودية وإيران وتركيا أيضًا، خاصة في الملف العراقي بين إيران والسعودية، وسيكون إيجاد حل ما لمشاكل العراق واليمن ربما، في النهاية الخلافات لن تدوم. هذه دول وبينها مصالح مشتركة وهذا ما سوف يكون".

وأفادت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية شبه الرسمية "إيسنا"، الثلاثاء، أن طهران تخطط لإجراء جولة رابعة من المحادثات مع السعودية في العراق بعد تشكيل الحكومة الإيرانية الجديدة.

وبدورها، أعلنت الخارجية المصرية انطلاق جولة جديدة من المحادثات الاستكشافية مع تركيا الأسبوع القادم تمهيدًا لتطبيع العلاقات بين البلدين.

وأجرى ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اتصالًا هاتفيًّا، الاثنين، بعد أيام من زيارة مستشار الأمن الوطني الإماراتي، الشيخ طحنون بن زايد، إلى تركيا.

وحول مواجهة تركيا أشار بيري إلى أنه "لم تكن هناك تصريحات مباشرة باستثناء الرئيس المصري غير ذلك التصريحات المبطنة أو ربما الأحاديث الخاصة داخل أروقة المؤتمر والاجتماعات، كانت اتهامات مباشرة بالتدخل التركي".

وفي ختام حديثه، قال مدير مركز كرد بلا حدود، كادار بيري: "لا يمكن التعويل على المؤتمر أو غيره من المؤتمرات التي لا تكون للقوى الفاعلة التي هي جزء من حل مشاكل الشرق الأوسط مشاركة فيه لإيجاد حل لمشاكلهم. استبعاد الكرد والقوى الديمقراطية في سوريا والعراق في أي نقاشات إن كانت تخص المنطقة أو تخص كل بلد بمفرده لا يعتبر هذا حلًّا إلا بمشاركة كل الأطراف الفاعلة على الأرض".

(ح)

ANHA