​​​​​​​ما بين التأكيد والنفي.. قراءة حول دوافع وتداعيات زيارة الوفد السعودي المفترضة لدمشق

انشغلت وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية بمتابعة الحديث حول زيارة وفد سعودي إلى العاصمة السورية دمشق ولقائه مع المسؤولين فيها، وما بين تأكيد ذلك ونفيه يتساءل الجميع حول الأسباب التي دفعت للقاء المزعوم وارتباط ذلك بالتطورات الإقليمية، إلى جانب تداعياته المتوقعة؟

​​​​​​​ما بين التأكيد والنفي.. قراءة حول دوافع وتداعيات زيارة الوفد السعودي المفترضة لدمشق
الجمعة 14 مايو, 2021   01:05
مركز الأخبار- يحيى الحبيب

أثارت صحيفة الرأي اليوم، خلال الأسابيع الماضية جدلًا واسعًا بعد أن نشرت خبرًا يفيد بزيارة وفد سعودي أمني إلى العاصمة السورية دمشق ولقائه وفد من حكومة دمشق برئاسة علي مملوك.

خبر صحيفة الرأي اليوم، وعلى الرغم من تداوله السريع إلا أنه تلاه شكوك كثيرة، لتعود صحيفة الغارديان البريطانية وتؤكد حدوث هذا اللقاء.

وقالت الصحيفة البريطانية إن رئيس المخابرات السعودية اللواء خالد حميدان قام بزيارة إلى العاصمة السورية دمشق التقى خلالها علي المملوك نائب الرئيس السوري للشؤون الأمنية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول سعودي قالت إنّه طلب عدم الكشف عن هويته لحساسية القضية القول إنّه "تم التخطيط للاجتماع منذ فترة وإنّ تغيرات الأحداث على المستوى الإقليمي شجعت على بدء الانفتاح في العلاقات السورية – السعودية".

واعتبرت الغارديان أنّ "الاجتماع الذي عُقد في دمشق الإثنين، بين حميدان والمملوك مقدمة لانفراجة وشيكة بين خصمين إقليميين كانا على خلاف طويل الأمد".

وقال مسؤولون في الرياض إنّ "تطبيع العلاقات مع دمشق قد يبدأ بعد فترة وجيزة من عيد الفطر”، بحسب الصحيفة ذاتها.

ونقلت الصحيفة عن مصادرها أن السعودية تعتزم إعادة فتح سفارتها لدى دمشق كخطوة أولى لاستعادة العلاقات بين البلدين بعد أن أغلقتها في نوفمبر 2011 عقب قرار صدر عن جامعة الدول العربية.

هذا التفاؤل لم يدم طويلًا، حيث قال مدير إدارة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية السعودية السفير رائد قرملي إن التقارير الإعلامية الأخيرة التي تفيد أن رئيس الاستخبارات السعودية أجرى محادثات في دمشق غير دقيقة.

وأوضح قرملي في تصريحات لوكالة رويترز، أن سياسة بلاده تجاه سوريا لا تزال قائمة على دعم الشعب السوري وحل سياسي تحت مظلة الأمم المتحدة ووفق قرارات مجلس الأمن.

'طبيعة الزيارة ودوافعها'

الكاتب والأكاديمي السوري الدكتور مهيب صالحة تحدث حول ذلك قائلًا: "من المرجح أن صحة التسريبات الإعلامية عن زيارة رئيس الاستخبارات السعودية إلى دمشق أن تكون الزيارة في سياق التنسيق الأمني بين الحكومتين - وقد سبق تسريب زيارة أكثر من مسؤول أمني سوري رفيع المستوى إلى السعودية ربما أكثر من مرة خلال السنوات الماضية - مما قد يعني أن اللقاءات الأمنية ليست جديدة بين البلدين".

 وأوضح "تستدعيها في الأعم الأغلب، حاجتهما لتبادل المعلومات والخبرات الأمنية وخاصة المتعلقة بأنشطة الجماعات الإسلامية المتشددة من داعش والنصرة وأخواتهما اللواتي ينتشرن على الساحة السورية".

وأضاف "التقارب التركي - المصري على حساب جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر وبعض دول الخليج العربي ينذر بانتقال هذه الجماعات وقياداتها من تركيا عبر سورية إلى السعودية والأردن واليمن ودول الخليج الأخرى وربما تقوم بعض الجهات الإقليمية الموجودة على الأرض السورية بتسهيل هذا الانتقال لإلحاق الأذى بالأمن القومي لدول الخليج".

ومن جهة أخرى يأتي التنسيق الأمني بين الحكومتين بحسب صالحة "في إطار التنسيق الأمني بين السعودية والعراق والأردن بما يضمن التصدي لخطر الجماعات الإسلامية المتشددة وخاصة خطر عودة داعش إلى المشهد الإقليمي من جديد عبر البوابتين العراقية والسورية".

'الأجواء التي سبقت الزيارة'

زيارة الوفد السعودي المزعومة إلى دمشق، سبقها جولة محادثات بين السعودية وإيران في العراق، بالإضافة إلى أنها تزامنت مع المفاوضات بين القوى الدولية الكبرى وإيران بشأن ملف الأخيرة النووي.

وحول ارتباط هذه الزيارة المزعومة بالتطورات الإقليمية قال صالحة: "ربما يكون للزيارة المفترضة بعض الدواعي السياسية أو التمهيد لمناقشة قضايا سياسية تهم البلدين على مستوى سياسي عالي وبخاصة الإشارات الآتية من الرياض عن تغييرات مهمة في السياسة السعودية الداخلية والخارجية يحضر لها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان".

وأضاف "يأتي في هذا السياق ما يشاع أيضًا عن إذابة الجليد في العلاقات السياسية بين السعودية وإيران على خلفية ربما تخوف السعودية من التقارب الإيراني - الأمريكي المحتمل في حال قدمت إيران تنازلات مهمة لإدارة بايدن في الملف النووي مقابل استبعاد القضايا الأخرى وخاصة التدخل الإيراني السافر في دول المنطقة وزعزعة أمن الخليج العربي ودعم الحوثيين في اليمن واستبعاد ملف الصواريخ الباليستية ورفع العقوبات الاقتصادية عن إيران مما يمد نظام الخامنئي بمئات المليارات من الدولارات التي سيذهب قسم منها إلى الحرس الثوري الإيراني سيء الصيت في عموم المنطقة".

وأوضح "من جهة أخرى ربما يكون المحور العربي السعودي المصري الإماراتي قد شعر بخطر غياب أي شكل من أشكال التضامن العربي على الأمن القومي للدول العربية مجتمعة في مواجهة التحديات التي تنتجها سياسات الدول الإقليمية إيران وتركيا وإسرائيل، وزيارة المسؤول الأمني السعودي إلى دمشق قد تكون في سياق استراتيجية جديدة تتمحور حول رأب الصدع بين الأنظمة العربية لبناء تضامن عربي جديد ولو في حدوده الدنيا لمواجهة هذه التحديات، وهذه الاستراتيجية تستدعي بالضرورة إعادة دولتين مهمتين سورية والعراق إلى الصف العربي".

'دور روسيا في ذلك وموقف أميركا منه'

هذه الزيارة سبقها سعي روسي مكثف إلى تعويم حكومة دمشق ودفع الدول العربية لإعادة العلاقات معها وهذا ما عمل عليه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال زيارته الأخيرة إلى الخليج والذي تحدث صراحة عن ضرورة عودة دمشق إلى الجامعة العربية.

وحول الدور الروسي في ذلك قال صالحة: "مما لا شك فيه أن السياسة الروسية تعمل جاهدة لفك الحصار العربي والدولي عن النظام السوري، ونقطة البداية بالنسبة إليها هو عودة سورية إلى الجامعة العربية، ولكن الدول العربية وبخاصة الخليجية ملتزمة بتعهداتها للولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية فيما يتعلق بالملف السوري وهامش الخروج عن هذه الالتزامات محدود للغاية ويصطدم بالعقوبات الأمريكية والأوروبية وأضرارها على مصالحها الاقتصادية".

وأضاف "بالتالي برأيي لن تقدم على هكذا خطوات من دون تنسيق أو ضوء أخضر أمريكي وأوروبي، على الرغم من احتمال أن يكون لروسيا دور مهم في إعادة الدفء للعلاقات السعودية - السورية إن حصل فعلًا".

ما هو السيناريو المتوقع؟

وحول السيناريوهات المتوقعة رأى صالحة "عودة حكومة دمشق إلى الجامعة العربية ودعوتها للمشاركة في القمة العربية القادمة في الجزائر سيكون المؤشر الأبرز عن هذه الاستراتيجية التي ربما تساعد على رحرحة الوضع السوري الداخلي وتدفع بالتسوية السياسية للمسألة السورية إلى أولويات السياسة العربية والإقليمية والدولية علاوة عن إعطاء انطباع متفائل يضيف فرصًا اقتصادية جديدة تنعكس على سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية وتحسن تدريجي محدود للوضع الاقتصادي في عموم البلاد".

ماذا تستفيد دمشق؟

مهيب صالحة قلل من فوائد دمشق من ذلك قائلًا: "إذا كان بالفعل هذا هو غرض الزيارة فإن ما يشاع عن إعادة فتح السفارة السعودية في دمشق هو أضغاث أحلام تراود البعض طالما لم توافق الحكومة السورية على تنفيذ القرار 2254 وخريطة طريق الحل السياسي للمسألة السورية الواردة في البند الرابع من القرار، وطالما لم تعلن السعودية خروجها من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية والذي يشترط عودة العلاقات الدبلوماسية مع دمشق بتنفيذ القرار الأممي".

 وأوضح "في جميع الأحوال فإن وجود السفارات الأجنبية في دمشق من عدمه لم يمنع أولًا انزلاق البلاد في حرب أهلية لم تبق ولم تذر، وثانيًا لم يساعد على دفع الأطراف الداخلية المتصارعة ولا خوارجها الداعمة لها لقبول مبدأ التسوية السياسية التي ترضي الجميع".

صالحة رأى أنه "في حال فعلًا تم فتح السفارة السعودية في دمشق، فلن يقدم أية إضافة مهمة لمسار المسألة السورية إذا لم تتوفر الإرادة الدولية الجامعة الملزمة لجميع أطراف الصراع لبحث آليات تنفيذ القرار الأممي والقرارات الدولية الأخرى ذات الصلة".

(م)

ANHA