​​​​​​​من 12 آذار 2004 إلى اليوم مسيرة الوحدة بين الكرد والعرب في مواجهة مخططات التفرقة

يوم الـ 12 من آذار 2004 لم يكن يومًا عاديًّا، فكافة أحداثه كانت غريبة ومخطط لها مسبقًا، لخلق فتنة بين الشعبين الكردي والعربي، وقمع الكرد، إلا أن الشعب الكردي لم يستسلم لهذا المخطط الذي مازال مستمرًا إلى يومنا الراهن.

​​​​​​​من 12 آذار 2004 إلى اليوم مسيرة الوحدة بين الكرد والعرب في مواجهة مخططات التفرقة
الخميس 11 آذار, 2021   05:00

أكرم بركات

كنا مجموعة من الشبّان من مناطق مختلفة من مقاطعة قامشلو، ندرس في مدينة الحسكة، تحضّرنا منذ ساعات المساء، لحضور المباراة بين فريقي الجهاد في إقليم الجزيرة وفريق الفتوة التابع لمحافظة دير الزور، على أرضية ملعب الجهاد في مدينة قامشلو.

توجهنا في 12 آذار من حي النشوة في مدينة الحسكة إلى محطة القطار في الحسكة، وفي تمام الساعة الـ 09.00، حيث كان القطار ينطلق وبشكل يومي من مدينة دير الزور في الساعة 06.00 ويصل إلى مدينة الحسكة قرابة الساعة الـ 10.00، ومن هناك كان يتوجه إلى مدينة قامشلو ويصل قرابة الساعة الـ 11.15.

فور وصول القطار إلى محطة الحسكة صعدنا إليه للتوجه إلى مدينة قامشلو، كان فيه عدد هائل من الناس، صعدنا إلى المقطورة الخامسة، وكان فيه قرابة الـ 15 شخصًا، جميعهم رجال أعمارهم بين الـ 35 والـ 40 عامًا، واللافت أنّ وجوه معظمهم لم تكن مألوفة والبعض منهم كانوا ملتحين، وكأنهم لم يروا الشمس منذ مدّة، يتحدثون باللهجة الديرية مع قليل من الفصحى، وكان مع العديد منهم أدوات حادة كالسكاكين.

'أحداث غريبة'

خلال سير القطار من مدينة الحسكة باتجاه مدينة قامشلو، وفي حادثة نادرة، توقف القطار في منطقة غير مأهولة بين مدينتي الحسكة وقامشلو، وخرج معظم الذين كانوا يستقلونه وبيدهم ترامس مياه، وبدأوا يملؤونها بالأحجار الموجودة على جانبي سكة الحديد، ثم صعدوا إلى القطار مجددًا.  

وفور دخول القطار إلى مدينة قامشلو سُمعت أصوات بعض الهتافات ضمن القطار، كانت تُمجّد صدام حسين، وتشتم مسعود البرزاني الذي كان رئيسًا لإقليم باشور كردستان آنذاك، ولدى وصول القطار إلى محطته في مدينة قامشلو ترجّل الجميع منه، وشرارات الغضب تُقذف من أعينهم، ولم نكن ندري ما السبب أو ما الذي يحصل؛ وأصوات الشعارات تعالت أكثر وسط حضور كثيف للقوى الأمنية.

بشعارات تُمجّد صدام حسين، وتوجيه الشتائم للبرزاني والكرد، توجّه مشجعو فريق الفتوة من محطة القطار إلى ملعب الجهاد (ملعب شهداء 12 آذار)، بعد أن جابوا شوارع المدينة.

واللافت للانتباه هو مشاركة عدد هائل من مشجعي نادي الفتوة في حضور هذه المباراة، ودخولهم إلى الملعب قبل الفريقين بساعات من موعد المباراة المزمع انطلاقها في الساعة الـ 14.00، وعدم تعرضهم للتفتيش من قبل قوات حفظ النظام التابعة لحكومة دمشق، أما بالنسبة لمشجعي نادي الجهاد فتم تفتيشهم بعناية فائقة حتى تم أخذ الحزام الذي يوضع على الخصر وقوارير المياه منهم.

دخل مشجعو فريق الجهاد إلى الملعب وكان مشجعو فريق الفتوة في الجانب الأيمن من المدرج، وتوجه مشجعو الجهاد إلى الجانب الأيسر، وفور دخول لاعبي الفريقين إلى الساحة من أجل الإحماء، بدأ مشجعو نادي الفتوة بإطلاق شعارات تمجد صدام حسين مجددًا، وتنعت الكرد بالخونة، ورمي الأحجار على مشجعي فريق الجهاد؛ على الرغم من وجود عدد هائل من عناصر حفظ النظام والشرطة التابعين لحكومة دمشق إلا أنهم لم يتدخلوا، على العكس فقد قاموا بضرب مشجعي نادي الجهاد، وإخراجهم واعتقال البعض منهم.

بعدها تم تطويق الملعب من قبل قوات حكومة دمشق، أعقبه أمر محافظ الحسكة وقتها، سليم كبول، بإطلاق الرصاص الحي على مشجعي الجهاد، وقال بالحرف: "أطلقوا على هؤلاء الكلاب"، حسب المعلومات التي حصلنا عليها من الذين مقربين منه.

'مخطط مسبق'

ما حدث في ملعب الجهاد في 12 آذار 2004 كان مخططًا ومدروسًا بعناية، والهدف منه خلق فتنة بين الكرد والعرب الذين يعيشون معًا منذ آلاف السنين، والآخر قمع الكرد، وبخاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق في آذار 2003، وحصول الكرد على بعض حقوقهم هناك، والاعتراف بها بموجب الدستور العراقي، واحتفال الشعب الكردي في روج آفا بما حققه الكرد في باشور، وما أقلق حكومة دمشق خروج نساء قامشلو في 8 آذار للاحتفال باليوم العالمي للمرأة، وضربهم رئيس فرع الامن العسكري الذي حاول فض الاحتفالية.

أما الذين كانوا يدّعون بأنهم مشجعون لنادي الفتوة، فكانوا أولئك الذي ذهبوا إلى العراق بعد الغزو الأمريكي بداعي الجهاد بالتنسيق مع المخابرات السورية، وعادوا إلى سوريا وتم اعتقالهم، والإفراج عنهم عشية مباراة الفتوة والجهاد، وتوجيهم من قبل المخابرات السورية لافتعال فتنة بين أبناء دير الزور والشعب الكردي، واتبعت الحكومة النهج نفسه عقب الأزمة السورية التي انطلقت في 15 آذار عام 2011، فعندما كنا في سجن الحسكة بعد اعتقالنا من قبل الأجهزة الأمنية بسبب مشاركتنا في تظاهرات قامشلو، قال شخص من حي غويران بمدينة الحسكة، إن أحد الذين قتلوا في الملعب، هو ابن عمي، وكان معتقلًا في سجون حكومة دمشق بسبب ذهابه إلى العراق للقتال وبقائه هناك قرابة الـ 5 أشهر، وقال حينها "تفاجأنا عندما أبلغونا أن ابن عمي قد قتل في الملعب، وجاؤوا بجثته إلى المنزل، لأننا كنا نعلم بأنه في السجن منذ أشهر، متى خرج من السجن، وكيف وصل إلى ملعب قامشلو.. لا ندري!".  

نعم دفع الشعب الكردي ضريبة باهظة، حيث استشهد 38 شخصًا بين طفل وشاب وامرأة، إلا أن الشعب انتفض وامتدت الانتفاضة إلى كافة مدن ونواحي روج آفا ومدينة حلب والعاصمة السورية دمشق، ولم يستسلم الشعب الكردي لحكومة دمشق، وحال دون حدوث فتنة بين الشعبين الكردي والعربي.

إلى يومنا الراهن تحاول حكومة دمشق افتعال الفتن بين الشعبين العريقين في المنطقة، الكرد والعرب، عبر تحريض بعض العرب الموالين لها، وما حدث مؤخرًا خلال شهري كانون الثاني وشباط في كل من مدينة قامشلو والحسكة، ودعم الخلايا النائمة في دير الزور لاستهداف وجهاء العشائر وموظفي الإدارة الذاتية خير مثال على ذلك.

تكاتف الشعب تحت كنف الإدارة الذاتية كفيل بردع كافة محاولات حكومة دمشق التي حولت سوريا إلى ساحة للحرب، خلال الأزمة السورية الناتجة عن الذهنية الإقصائية والشوفينية لحكومة دمشق التي فتحت الطريق لدولة الاحتلال التركي لاحتلال أجزاء من الأراضي السورية، وتركت كل قوة إقليمية ودولية تسرح وتمرح على الجغرافية السورية على حساب الشعب السوري.

ANHA