​​​​​​​اليمن...النساء ما زلن يعانين المآسي والإقصاء

في الوقت الذي تحتفل فيه نساء العالم بيومهن العالمي للتأكيد على استمرار ثورتهن ضد الذهنية الذكورية الإقصائية، تتعرض نساء اليمن للمآسي وشتى أساليب الإقصاء، في تحوّلٍ معاكس لوضعها في ثورة 11 شباط.

​​​​​​​اليمن...النساء ما زلن يعانين المآسي والإقصاء
الأربعاء 3 آذار, 2021   03:12
القاهرة - أماني عزام – يارا محمد

وخُصّص يوم الـ 8 من آذار كل عام، والذي انبثق عن حراك عمالي، وناضلت خلاله المرأة للحصول على حقوقها المسلوبة واسترجاعها، يومًا عالميًّا للمرأة، ثم أصبح حدثًا سنويًّا حتى اعترفت به الأمم المتحدة، كـ يوم عالمي للمرأة.

وعانت المرأة في منطقة الشرق الأوسط على مرّ التاريخ من الاضطهاد والظلم نتيجة العادات والتقاليد المجتمعية البالية وعدم الفهم الصحيح للدين والسعي دومًا إلى حبس المرأة في المنزل، وحصر مهمتها بإنجاب الأطفال وتربيتهم، حتى الوصول إلى نظام الرأسمالية الذي استخدمها كيدٍ عاملة رخيصة، واستخدم جسدها في الدعاية والترويج.

وفي هذا السياق، يقول القائد عبد الله أوجلان في مجلد "أزمة المدنية وحل الحضارة الديمقراطية في الشرق الأوسط "إن "تقييم القضايا التي تعاني منها المرأة بالدرجة الأولى داخل المجتمع ضمن أبعادها التاريخية والاجتماعية يتحلى بالأهمية. فقضية المرأة تكمن في منبع كل القضايا، إذ نلاحظ أن هرمية ذكورية (النظام الأبوي) صارمة قد سيطرت وتمأسست على المرأة حتى قبل العبور إلى المجتمع الطبقي والدولتي".

ويضيف: "فإن تكن امرأة ربما يعني أن تكون إنسانًا في أحلك الظروف وأعسرها، وهذا أنه يتم تطبيق أشد درجات القمع والاستغلال الفظّ الذي يعانيه المجتمع على جسد وكدح المرأة".

ويؤكد "ينبغي المعرفة أنه يستحيل عيش حياة ثمينة ذات معنى، ما لم يتحقق عيش سليم مع المرأة ضمن المجتمع، ويقول: "علينا صياغة أقوالنا وتطوير ممارساتنا انطلاقًا من الإدراك بأن الحياة الأثمن والأجمل يمكن تحقيقها مع المرأة الحرة المتمتعة تمامًا بكرامتها وعزتها".

وعلى هذا الأساس، استبشرت المرأة خيرًا مع ثورات ربيع الشعوب التي انطلقت في المنطقة اعتبارًا من عام 2010. وفي اليمن، فإن المرأة التي عانت تحت وطأة الذهنية الذكورية استبشرت خيرًا مع ثورة 11 شباط / فبراير 2011.

فقد تمكنت المرأة اليمنية في هذه الثورة من تسجيل حضورها بشكل لافت وموازٍ للشباب، في ظاهرة سجلت ملاحمها أروع سجلاتها الثورية ضد نظام علي عبد الله صالح الذي ظل يستبد ملايين اليمنيين طوال 33 عامًا، وهي فترة حكمه.

وفي تدوينة للصحفية والروائية اليمنية، فكرية شحرة، أحد أبرز القيادات النسائية خلال ثورة الــ 11 شباط / فبراير، كشفت عما تمثله الثورة بالنسبة للمرأة اليمنية، وقالت في تدوينتها: "11 فبراير الخالدة، كانت انطلاقة المرأة قولًا وفعلًا، حتى صارت الثورة امرأة، والحرية امرأة، والكلمة امرأة، وارتفع صوتها الذي كان عيبًا وعورة، ودوّى عبر ساحات الحرية في أرجاء الوطن كاملًا؛ ليكون صوتًا واحدًا ضد الظلم والاستبداد، ولتصنع الغد، جنبًا إلى جنب مع أخيها الرجل".

'ثورة تنهي عقودًا من التزمت الديني'

وبالنظر إلى الطبيعة المحافظة للمجتمع اليمني، بفعل عقود من التكريس الممنهج للثقافة المنغلقة والتزمّت الديني، فإن المشاركة الفعالة لليمنيات في أحداث "ثورة فبراير"، مَثّلت انعطافةً حادة غير متوقعة، أثارت الدهشة والإعجاب داخل اليمن وخارجه.

وتركت عشرات الآلاف من النساء منازلهن، وأصبحن في الساحات والميادين العامة، معتصمات ومتظاهرات، من أول مسيرة إلى كل ساحة اعتصام، وفي قوائم الشهداء والجرحى ومن تعرضوا للاعتقال، وفي الإعلام ‏والمستشفيات الميدانية وحتى اللجان الأمنية، في قلب الثورة التي كانت ربيعًا للبلاد كانت هناك دائمًا المرأة اليمنية موجودة.

'مشاركات في المؤتمر الوطني'

وكانت تجربة الحوار الوطني في اليمن عام 2013 تجربة فريدة في المنطقة، حيث تمكنت اليمنيات من المشاركة في المؤتمر بشكل فعلي، حيث نصت الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية على ضرورة إشراك المرأة كمكون مجتمعي هام في مؤتمر الحوار الوطني، وهو ما قامت به اللجنة الفنية التي أعدت لمؤتمر الحوار الوطني، حيث فرضت على الأحزاب والقوى السياسية المشاركة كوتا للمرأة بنسبة لا تقل عن 30 في المئة من عدد ممثليها في المؤتمر.

بالإضافة إلى تمثيل خاص للمرأة المستقلة بـ 41 عضوة، فوصل عدد النساء المشاركات إجمالًا إلى30 في المئة من قوام أعضاء مؤتمر الحوار الوطني الشامل والبالغ 262 عضوًا وعضوة.

وعلى الرغم من ذلك، لم تلتزم الكثير من الأحزاب والقوى السياسية بحصة المرأة الفعلية في مؤتمر الحوار الوطني، حيث راوحت النسبة الحقيقية للتمثيل في إطار تلك الأحزاب بين 20% إلى 25%، كما عانت المرأة من ضعف التشبيك فيما بين النساء الحزبيات والنساء المستقلات، حول قضايا المرأة.

'منجزاتها'

وعلى الرغم من التحديات التي واجهتها المرأة اليمنية، إلا أنها استطاعت في مؤتمر الحوار الوطني أن تنتزع الكثير من الحقوق والامتيازات التي ظلت المرأة اليمنية تطالب بها عقودًا طويلة من الزمان عبر الهيئات والمنظمات والاتحادات النسوية والحقوقية المختلفة.

وتمكنت المرأة اليمنية من تفعيل دورها السياسي، وتحقيق مبدأ المواطنة والمساواة وعدم التمييز، وكذلك تجريم كافة أنواع وأشكال العنف ضد المرأة، كما شاركت في عملية صياغة الدستور بنسبة 4 أعضاء من بين 17 عضوًا.

وفي هذا السياق، أشارت الإعلامية والحقوقية اليمنية وعضوة مؤتمر الحوار الوطني في اليمن، وضحى مرشد، إلى أن الحركة النسوية في اليمن خلال الثورة، كانت قد قطعت شوطًا لا بأس به في مسألة الحقوق والحريات وإنهاء التمييز العنصري على أساس جندري.

وأكدت وضحى مرشد في تصريح لوكالتنا، أنه وعلى الرغم من ضغوط القوى الدينية والقبلية والمجتمعية توجت هذه الجهود في مؤتمر الحوار الوطني، والذي كانت هي إحدى عضواته بإقرار الكوتا (تخصيص نسبة، أو عدد محدد من مقاعد الهيئات المنتخبة مثل: البرلمانات والمجالس البلدية للنساء، وذلك لضمان إيصال المرأة إلى مواقع التشريع وصناعة القرار) في المكونات الحزبية المشاركة.

وأضافت الإعلامية أنه "تم تخصيص ٤٠ مقعدًا للنساء المستقلات، توزعت بين جميع فرق العمل، إضافة إلى كوتا في مقاعد الشباب ومنظمات المجتمع المدني ككيانات غير مهيكلة"، منوهةً إلى أنه من خلال المؤتمر حققت النساء أقصى سقف ممكن لتشريع ودسترة حقوق النساء والطفل في الدستور القادم للبلاد منها الكوتا وتحريم زواج الأطفال والمواطنة الكاملة للمرأة والمشاركة في الجيش والأمن وفق ضوابط المجتمع.

'نيران المعارك تطال المرأة'

ومع الإطاحة بنظام علي عبد الله صالح من حكم اليمن، سادت حالة من التفاؤل حيال مستقبل البلاد، لكن ما لبث صالح بتحالفه مع الحوثيين أن عمل على وأد أي ملامح أمل إيجابية في حياة اليمنيين.

وبعد نحو عامين من ترك السلطة تشابكت خيوط صالح والحوثيين حتى نسجت ما يصفه اليمنيون بـ "الانقلاب" على شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي، وذلك في أيلول/ سبتمبر عام 2014. وهذا ما دفع السعودية إلى التدخل على رأس تحالف عربي في اليمن في آذار/ مارس 2015.

ومنذ ذلك الوقت، بدأ التحالف العربي الداعم لحكومة عبد ربه منصور هادي وكذلك الحوثيون المدعومون من إيران، بفتح جبهات قتال شملت كافة المحافظات اليمنية، وما زال اليمنيون يعيشون تحت وطأة هذه الحرب منذ سبع سنوات.

وأكد تقرير للأمم المتحدة أن اليمن يعيش أسوأ ازمة إنسانية في العالم، مشيرة إلى أن البلاد على حافة الانهيار نتيجة لتأزم الأوضاع، بلا حلول تلوح في الأفق القريب.

وفي ظل الظروف الصعبة التي أفرزتها الحرب، وجدت المرأة اليمينة نفسها في مواجهة مباشرة منفردة كالسيف، مع كل ما يحيط بها، سواء في مخيمات النزوح أو في القرى البعيدة والمنسية من أبسط معايير الحياة الكريمة، أو حتى تلك التي تقطن المدن المكتظة بالفقر والغلاء والأوبئة القاتلة.

وكشفت الحقوقية اليمنية وضحى مرشد، أنه بسبب الحرب فقدت النساء اليمنيات أزواجهن وأطفالهن الذين تم إرسالهم قسرًا إلى الجبهات، فيما دفع الفقر ببعضهن إلى الانضمام لكتيبة ما يسمى "الزينبيات"، التي من مهامها قمع وتعذيب وابتزاز النساء وتجنيدهن في الدعارة والمخابرات، مؤكدة أن هذا الفصل "هو الأسوأ" في حياة اليمنيات عبر التاريخ، حيث مورس ضدهن كل صنوف الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

وأوضحت أن الحرب دشنت مرحلة مختلفة تمامًا من العنف والجرائم والانتهاكات ضد النساء، خاصة في مجتمع محافظ كاليمن، حيث مارس الحوثيون جميع أنواع جرائم الحرب ضد النساء من الضرب إلى القتل ومن التحرش إلى الاغتصاب ومن الخطف إلى الإخفاء القسري، إضافة إلى التهجير ومنع عمل المرأة، وتقول: "لنجد أنفسنا في قعر الحقوق والحريات أو بالأحرى مجردات من أدنى حقوقنا الإنسانية وأولها حق الحياة".

وكانت منظمة "رايتس رادار لحقوق الإنسان في العالم العربي"، قد كشفت عن إحصائية عام 2020، بالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة، 8 آذار/ مارس، تحت عنوان "اليمن، النساء في مهب الحرب"، آلاف الانتهاكات ضد المرأة في 19 محافظة يمنية، منذ بدء الحرب التي لا تزال مستمرة.

وبحسب التقرير، فقد وثّقت المنظمة نحو 16667 انتهاكًا ارتكبتها أطراف الصراع المسلح في البلاد بحق النساء، خلال الفترة من أيلول/ سبتمبر 2014 وحتى نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2019، موزعة على 19 محافظة، وتنوعت الانتهاكات بين (919 حالة قتل، و1952حالة إصابة، بالإضافة إلى 384 حالة اختطاف واختفاء قسري وتعذيب).

وسجلت منظمات حقوقية انتحار 7 فتيات في سجون جماعة أنصار الله "الحوثية" السرية بسبب الاغتصاب الجماعي المتكرر.

وتطرقت وضحى مرشد إلى انتهاكات جماعة أنصار الله، بحق النساء اليمنيات، وقالت: "أدى الانقلاب الحوثي إلى إنهاء حلمنا بدولة مدنية"، واصفة تلك الانتهاكات "بشن حرب على اليمنيين".

هذا، ووثقت منظمة "رايتس رادار لحقوق الإنسان في العالم العربي" ما ارتكبته جماعة أنصار الله من "جرائم القتل" بحق النساء، حيث بلغ عددهن نحو 668 حالة، و1733 إصابة.

وأكدت الإعلامية والحقوقية، وعضوة مؤتمر الحوار الوطني في اليمن، وضحى مرشد، أنهن كنساء حقوقيات يسعين إلى السلام وفق شروط السلام الحقيقية، وقالت إن المرأة يجب أن تكون من المشاركين في العملية السياسية والتفاوضية، وذلك لنقل معاناة وأصوات النساء في اليمن.

وطالبت وضحى مرشد الأمم المتحدة والمبعوث الأممي بالضغط على جماعة أنصار الله لإطلاق سراح جميع المعتقلات في سجونهم، مؤكدة أنهن يسعين لرفع الجرائم ضد النساء إلى المحاكم الدولية وملاحقة مجرمي الحرب، حتى وإن حدث اتفاق سياسي، "فهذه الجرائم لا تسقط بالتقادم ولا بالاتفاقات والمصالحات".

واختتمت قائلة: "حين تنتهي الحرب نأمل أن نعود من حيث انتهينا في مؤتمر الحوار الوطني لنبني عليه المزيد من المواطنة المتساوية في جميع مساراتها".

(ح)

ANHA