تدهور قطاع التعليم في مناطق سيطرة حكومة دمشق

يشتكي سكان المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق، من تدهور القطاع التعليمي، وانتشار الفساد والمحسوبية، فيما أكد مختص بالشؤون التربوية ضرورة إحداث تغيير شامل في البلاد من أجل بناء مجتمع حضاري متقدم بعيد عن لغة الدماء والدمار التي شبّ عليها تلاميذ اليوم. 

تدهور قطاع التعليم في مناطق سيطرة حكومة دمشق
الخميس 11 شباط, 2021   00:32
دمشق – نسرين خليل

إن هشاشة الوضع الأمني في سوريا بعد اندلاع الأزمة عام 2011 وتحولها إلى صراع مسلح بين طرفين أحدهما يسعى إلى المحافظة على حكمه ممثلًا بحكومة دمشق، والطرف الآخر الذي يحاول إسقاط الحكومة والسيطرة على السلطة متمثلة بالجماعات المسلحة التي كانت تتلقى الدعم من الخارج وعلى رأسها تركيا، أدى إلى تدهور الأوضاع في المناطق السورية التي احتدمت فيها معارك الصراع على السلطة.

ومنذ بداية الأزمة، تعرضت البنى التحتية والمراكز الخدمية لاستهداف ممنهج من قبل طرفي الصراع، وكان القطاع التعليمي الأكثر تضررًا مقارنة مع بقية القطاعات، نظرًا لتحول المدارس إلى ثكنات عسكرية ومواقع محصنة لقوات حكومة دمشق والمجموعات المسلحة على حد سواء، وهذا ألقى بظلاله على الوضع التعليمي في البلاد.

المعارك أثرت بشكل سلبي على واقع التعليم في مناطق سيطرة حكومة دمشق

وأصبحت المدارس ومحيطها مسرحًا لمعارك طاحنة بين قوات حكومة دمشق والمجموعات المسلحة، وتعرضت بعضها لهجمات بسيارات مفخخة من قبل المسلحين، وأخرى سقطت عليها القذائف والصواريخ العشوائية التي كانت تستخدمها المجموعات المسلحة في قصف مناطق سيطرة حكومة دمشق، في حين عمدت الأخيرة إلى قصف المدارس التي كان المسلحون يتحصنون فيها بالمدافع والدبابات والطائرات.

وهذا الوضع كان له تأثير كبير في خروج المئات من المدارس عن الخدمة وتوقف الطلبة عن ارتياد المدارس، ولم يكن وضع الجامعات والمعاهد أفضل من ذلك، بل هي الأخرى توقفت نتيجة انقطاع الطرق بين المدن والأحياء في المدينة الواحدة، وتحول أحياء المدن إلى مناطق سيطرة متعددة الأطراف.

وهذا الوضع أثّر على مستوى التعليم بشكل عام، فبعد أن كانت سوريا من الدول الرائدة في مجال التعليم بمنطقة الشرق الأوسط، إلا أنها تراجعت كثيرًا حتى خرجت جامعتها من بين قائمة أفضل مئة جامعة عربية، وتراجع تصنيفها على المستوى العالمي، فبحسب إحصائية عام 2020 كان ترتيب الجامعات الحكومية على المستوى العالمي بالشكل التالي: "جامعة دمشق 3533، جامعة حلب 4518، جامعة تشرين 4582، جامعة البعث 5742".

′أكثر من نصف أطفال سوريا محرومين من التعليم′

وفي هذا السياق، قال بيان مشترك صادر عن المدير الإقليمي لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تيد شيبان، والمنسق الإقليمي للشؤون الإنسانية للأزمة السورية، مهند هادي، في 24 كانون الأول/ يناير 2021 أن "أكثر من نصف الأطفال في سوريا لا يزالون محرومين من التعليم بعد مرور نحو عشرة أعوام على اندلاع احتجاجات شعبية في هذا البلد".

وأوضح البيان أنه يوجد في سوريا أكثر من 2.4 مليون طفل غير ملتحقين بالمدرسة، منهم 40 في المئة تقريبًا من الفتيات، ومن المرجح أن يكون هذا العدد قد ارتفع خلال عام 2020 نتيجة تأثير جائحة "كوفيد-19، وأضاف أن "نظام التعليم في سوريا يعاني من الإجهاد الكبير، ونقص التمويل، والتفكك وعدم القدرة على تقديم خدمات آمنة وعادلة ومستدامة لملايين الأطفال".

وبحسب البيان، فإن "الجائحة أدت إلى تفاقم تعطّل التعليم في سوريا، ولم تعُد واحدة من كل ثلاث مدارس داخل سوريا صالحة للاستخدام، لأنها تعرضت للدمار أو الضرر أو لأنها تُستخدم لأغراض عسكرية".

ولفت البيان إلى أن الأمم المتحدة تؤكد وقوع قرابة 700 هجوم على منشآت التعليم وطواقم التعليم في سوريا منذ بدء التحقق من الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال، مضيفًا أنه "تم تأكيد 52 هجومًا في العام الماضي".

ورغم عودة الهدوء النسبي إلى مناطق سيطرة قوات حكومة دمشق، إلا أن الوضع التعليمي ظل على حاله ولم يحقق تقدمًا ملحوظًا، ويعود سببه الأساسي في قيمة المادة العلمية التي تُعطى في المناهج التعليمية التي يتلقاها الطلبة في المدارس والجامعات وكذلك طلبة الدراسات العليا.

وفي هذا السياق قال أحمد، وهو والد لتلميذين أحدهما في المرحلة الابتدائية والآخر في الثانوية، إن التعليم لم يعد كسابق عهده.

′لا نأمل شيئاَ من التعليم الذي على رأسه طبيب بيطري′

وبلهجة لا تخلو من التهكم، قال إنه لا يأمل شيئًا من تعليم يقوم على رأسه طبيب بيطري، في إشارة إلى وزير التربية الحالي، دارم الطباع، وأضاف: "مثلما يقول المثل: اعطِ الخباز خبزه ولو أكل نصفه".

فيما قالت ريم وهي طالبة في كلية العلوم السياسية بجامعة دمشق "إن الحرب كان لها تأثيرها البالغ على كليتها تحديدًا التي لم تر مقرها الأساسي حتى، بسبب وجودها في منطقة التل بريف دمشق وهي منطقة غير آمنة، الأمر الذي جعل طلابها وأساتذتها يتنقلون بين مدرجات كليتي الحقوق والبيولوجيا في جامعة دمشق، بالإضافة إلى حالة الاكتظاظ التي شكلتها هذه المشكلة، وكذلك عدم وجود فرع لهذه الكلية سوى في العاصمة.

ومن جانبه قال كريم، وهو طالب دراسات عليا، إن ما يحتاجه الطالب اليوم، للحصول على هذه الدرجة العلمية ماديًّا يفوق ما قد تقدمه له عمليًّا، لعدم تقدير طلبة الشهادات العليا في مؤسسات الدولة نتيجة تفشي الفساد والمحسوبية عند التعيين.
′المنح الدراسية تقتصر على أولاد المسؤولين وذوي النفوذ′

وأشار إلى أن المنح الدراسية الخارجية إلى دول مثل إيران وروسيا وكذلك بعض دول أمريكا اللاتينية باتت متعذرة بسبب تكلفتها الباهظة على الدولة، واقتصارها على أولاد المسؤولين وذوي النفوذ.

ولكنه لفت إلى أن الحصول على هذه الدرجة العلمية تضيف للشخص ذاته إضافة علمية وثقافية لغناها وصعوبة الحصول عليها من ناحية الاجتهاد والكفاءة.

وفي هذا السياق، قال أستاذ مختص بالشؤون التربوية في وزارة التربية لدى حكومة دمشق، رفض الإفصاح عن اسمه للضرورة الأمنية، إنه تم إدخال مادة التربية الدينية لطلاب الصف الأول الابتدائي منذ ما يقارب ثلاث سنوات.

وأشار إلى أن إدخال المادة جاء عندما كان وزير التربية الحالي دارم الطباع يشغل منصب مدير المناهج في وزارة التربية، وأضاف: "طبعًا دارم الطباع هو طبيب بيطري وله بحوث ودراسات عن مرض جنون البقر".

ولفت المختص إلى النفوذ الكبير لوزارة الأوقاف وممثليها داخل أروقة وزارة التربية، والأثر الواضح لأفكارهم على المناهج الجديدة، وقال: "هذا الأمر يتعارض مع علمانية الدولة السورية".

′التطور الوحيد في المنهاج كان في الرسومات والألوان فقط′

وأشار إلى تدني مستوى القيمة العلمية في المناهج الحالية مقارنة بالمناهج السابقة، وأضاف: "مناهج الوقت الحالي لم تعد هادفة وذات معنى حقيقي كما السابق، والتطور الوحيد في المناهج الجديدة هو في الرسومات والألوان أي يمكن القول إن التطور هو من الناحية الجمالية فقط".

وأوضح المختص بالشؤون التربوية، إن هناك إهمالًا كبيرًا للمدارس المهنية، نتيجة النظر إليها نظرة دونية رغم أهميتها الكبيرة في إعداد كوادر تحتاجها المؤسسات بشكل ملحّ.

وفيما يخص المرحلة الجامعية، أشار المختص بالشؤون التربوية إلى أن المناهج الجامعية ثرية علميًّا وأكاديميًّا، ولكن عدم تطبيق الرقابة الفعلية أدى بالمقرر التعليمي المكتنز علميًّا إلى الاختزال في عدة أوراق تدعى بالمحاضرات رغم توجيهات إدارة الجامعات بالتوجه نحو الدراسة الالكترونية التي تبقى أخف وطأة على الطلبة من حيث ثمن الكتب والطباعة الورقية في ظل ما يعانيه الشعب السوري من وضع اقتصادي سيء.

′أنه لا بد من تغيير شامل في البلاد وعلى كافة المستويات وليس التعليم فقط′

ورأى المختص بالشؤون التربوية في ختام حديثه، أنه لا بد من تغيير شامل في البلاد وعلى كافة المستويات وليس التعليم فقط، من أجل بناء مجتمع حضاري متقدم بعيد عن لغة الدماء والدمار التي شبّ عليها تلاميذ اليوم، لأن التعليم يعتبر "اللبنة الأولى والأهم في بناء المجتمعات".

ومن جهة أخرى، تسبب فيروس كورونا بمعاناة أخرى لقطاع التعليم في مناطق سيطرة حكومة دمشق، إذ أن الإجراءات التي اتخذتها الجهات القائمة على التعليم لم تكن بالشكل المطلوب، ما حدا بالعديد من الأسر إلى التوقف عن إرسال أطفالها إلى المدارس خشية تفشي الفيروس.

وعلاوة على ذلك تعاني هذه المدارس من نقص في التمويل، وعدم تأمين الخدمات الكافية للطلبة من المياه النظيفة للشرب والكهرباء والمازوت للتدفئة في فصل الشتاء، وكذلك افتقارها للمرافق الصحية والتهوية الضرورية لصحة الطلبة.

(ح)

ANHA