​​​​​​​المياه... سلاح تركيا بوجه الشعب المقاوم

تجتمع تفاصيل السياسة التركية المتّبعة في شمال وشرق سوريا بقاسمٍ مشتركٍ واحد، وهو طابع العداء ضدّ شعب المنطقة ولا تتردّد تركيا في استخدام جميع الوسائل المتاحة، حتى وإن كانت تعطيش ملايين السوريين في سبيل تحقيق أطماعها.

​​​​​​​المياه... سلاح تركيا بوجه الشعب المقاوم
الجمعة 1 كانون الثاني, 2021   23:05
كوباني- جمعة محمد

عداء الدولة التركية للشعب السوري لم يعد خافياً على أحد، البعض يقول إنّ ذلك انتقامٌ تركي من السوريين الذين كانت بلادهم أحد المسارح التي هُزمت عليها الامبراطورية العثمانية البائدة قبل نحو مئة عام بعد حكمٍ دام مئات السنين لم تجنِ منه شعوب المنطقة سوى الجهل والتّخلف.

بدأ الأمر عندما تحرّك الشارع السوري ضدّ حكم  الرئيس بشار الأسد في آذار/مارس عام 2011، وهي كانت الخطوة التي شكّلت الأرضية للتدخُّل التركي في الشأن السوري على نطاق واسع.

وسرعان ما تحوّل الحراك السلمي إلى نزاع مسلّح، ثمّ اندلعت حربٌ دعمت فيها تركيا المرتزقة ضدّ قوات الحكومة.

كما كانت الحدود التركية السورية مفتوحة على مصراعيها أمام توافد الآلاف من المرتزقة الأجانب القادمين من كلّ حدبٍ وصوب للانتساب إلى داعش الذي دعمته تركيا بالمأوى والمال والسلاح والدعاية الإعلامية.

كلّ ذلك كان في إطار خطة تركية مهّدت الطريق لتحتل تركيا بالتّدريج أجزاءً عدّة من الأراضي السورية، كانت البداية من جرابلس ثمّ وصل الأمر إلى عفرين ثمّ إلى كري سبي/تل أبيض وسري كانية/رأس العين.

وما تزال الهجمات التركية على المنطقة مستمرّة على أمل احتلال المزيد من المناطق السورية، كلذ ذلك بتواطُؤ دولي صريح.

وجه قذر للحرب التركية اتّجاه شمال وشرق سوريا

تسعى تركيا لإرضاخ الشعب السوري تحت الهيمنة التركية، وقد فشلت في ذلك فعلياً في مناطق شمال وشرق سوريا، لذا فعمليات القصف على هذه المنطقة مستمرّة والهجمات باتّجاهها تتواصل بين الحين والآخر.

وبما أنّ الجانب العسكري لا يأتِ لتركيا بالنتائج المرجوّة، تلجأ دولة الاحتلال إلى اسلوب قذر في حربها ضدّ المنطقة وذلك باستخدام سلاح المياه.

وكان قطع المياه عن الحسكة التي يقطنها نحو مليون نسمة، وخفض مستوى تدفّق مياه نهر الفرات إلى الأراضي السورية هو السلاح التركي الجديد الذي استهدف شعب المنطقة بمختلف مكوّناته بشكل مباشر.

قطع المياه عن المدنيين جريمة حرب وفق القانون الدولي

منذ احتلال تركيا لكل من مدينتي سري كانيه وكري سبي/ تل أبيض إبّان الهجوم الذي أُطلق، ولا يزال مستمرّاً على الرغم من الاتّفاقات بين روسيا وأمريكا وتركيا- في الـ9 من تشرين الأول 2019، قطع الاحتلال التركي المياه 8 مرات عن الحسكة وضواحيها التي تعتمد على محطة علوك المحتلّة بالقرب من سري كانيه.

ويعدّ قطع المياه من قبل الاحتلال ومرتزقته جريمة ضدّ الإنسانية بحسب القوانين الدولية، ويتسبّب بكارثة إنسانية خاصة أنّ القطع يتزامن مع انتشار جائحة كورونا في العالم، ومن ضمنها مدن شمال وشرق سوريا التي سجّلت إلى الآن مئات الإصابات، حيث أنّه من المعروف أنّ هذا الفيروس يتطلّب الكثير من الماء من أجل ضمان عدم تفشّيه، فالمياه تستخدم في التّعقيم والنظافة الشخصية.

وتقطع تركيا المياه عن منطقة يعيش فيها مليون نسمة، وتوجد فيها ثلاثة من أكبر مخيمات النّزوح في شمال وشرق سوريا "واشوكاني، العريشة والهول".

وسبق لمرتزقة تركيا أن استخدموا المياه كسلاح في الأزمة السورية، إذ استخدموها ضدّ أهالي مدينتي دمشق وحلب، واليوم يستخدمونها ضدّ أهالي مدينة الحسكة وريفها.

ويرى المراقبون أنّ قطع مياه محطة علوك هو لابتزاز الإدارة الذاتية، والضغط عليها من جهة عبر تأليب المجتمع على هذه الإدارة.

وعلى اعتبار أنّ الماء ثروة اجتماعية ويحق لأيّ مواطن الحصول عليه، وضرورة عدم استخدامه في الحروب، فإنّ اتّفاقية جنيف تنظر إلى مسألة قطع المياه على أنّها ترتقي إلى مستوى "جريمة حرب وجريمة إبادة جماعية" ويجب محاسبة الجُناة.

وبحسب نظام روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، فإنّ الانتهاكات التي تقدم عليها تركيا ومرتزقتها وأفعالهم غير القانونية وغير المسؤولة تعدّ مناقضة حتى بوصفها دولة احتلال، ما يعرّضها للمساءلة القانونية الدولية.

مصير الفرات بيد تركيا

كرّرت تركيا خلال الأعوام الفائتة لمرّات عدّة خفض منسوب مياه نهر الفرات المتدفّقة إلى الأراضي السورية، وذلك ما أثّر سلباً على المنطقة من نواحٍ عدّة.

ويعتبر النهر شريان الحياة لملايين السوريين في إقليم الفرات شمالي البلاد ومناطق أخرى كالرقة ودير الزور بالإضافة إلى تزويد ثاني أكبر مدينة في البلاد وهي حلب بمياه الشرب.

وتغذي مناطق شمال وشرق سوريا ثلاثة سدود على نهر الفرات البالغ طوله 600 كم داخل الأراضي السورية، وهو سد تشرين جنوب شرق مدينة منبج، وسد الفرات أكبر السدود السورية بالقرب من مدينة الطبقة ببحيرة تسع 14 مليار متر مكعب من المياه، وسد الحرية بالقرب من مدينة الرقة.

وتحبس 6 سدودٍ تركية مياه نهر الفرات قبل تدفّقها إلى سوريا، من بينها سد أتاتورك ثاني أكبر السدود في الشرق الأوسط  والذي يخزن 48 مليار متر مكعب من المياه.

وكما فعلتها صيف عام 2017، عادت تركيا صيف العام الحالي لخفض منسوب مياه الفرات، ليصل الوارد المائي إلى سوريا إلى أقل من 200 متر مكعب في الثانية.

وقطعت تركيا مياه النهر المتدفّق إلى الأراضي السورية 3 أشهر متواصلة بين أيار/مايو و آب/أغسطس خلال العام 2020 المنصرم، ما أثار ردود فعل محلية وإقليمية حول حصة سوريا والعراق من المياه، وذلك بما لا يتوافق مع الاتّفاق الذي يجمع الحكومة السورية والتركية حول تقاسم نهر الفرات.

ونصّت اتّفاقية حول نهر الفرات أُبرمت عام 1987 بين تركيا وسوريا على حصول الأراضي السورية على 500 متر مكعب مياه في الثانية، أي ما يعادل 2500 برميل.

وذكرت إدارة السدود في شمال وشرق سوريا في آب/أغسطس العام الفائت أنّ البحيرات شمال سوريا قد فقدت ما يقارب 3 مليار متر مكعب من المياه، من إجمالي مخزون المياه في البلاد "14 مليار" خلال 3 أشهر، أي ما يعادل 33 مليون متر مكعب من المياه بشكل يومي.

ويهدّد نقص مياه الفرات آلاف الهكتارات الزراعية في حوض الفرات، إذ يسقي الفرات ما يقارب 400 ألف هكتار من الأراضي المزروعة بالحبوب أهمّها القمح إلى جانب البساتين وأشجار الفاكهة المنتشرة على طول ضفاف النهر في حوض الفرات شمال شرق سوريا، بحسب عددٍ من لجان وهيئات الزراعة في مناطق مختلفة.

كما يلقي خفض مياه الفرات بظلاله على حال المئات من الصّيادين على طول ضفتي الفرات الشرقية والغربية، ولا تتوفّر إحصائيات دقيقة حول أعداد صيادي السمك على طول مجرى النهر في سوريا، إلّا أنّ مئات الصيادين القرويين  الذين يستخدمون طرق شرعية وغير شرعية في اصطياد الأسماك، يعانون من نفوق كميات هائلة من الأسماك إبّان تقلّص منسوب مجرى النهر عندما تخفض تركيا تدفّق المياه، وهو مصدر رزقهم الوحيد، وبالتّالي العطل عن العمل في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة، كما يلحق انخفاض منسوب المياه أضراراً بالثروة السمكية.

إلى جانب ذلك، يعدّ نقص مياه الشّرب في عددٍ من المناطق السورية، من المشاكل الناجمة عن خفضِ تركيا لحصة البلاد من المياه التي تعتبر شريان الحياة لملايين السوريين.

وفي مطلع شهر كانون الأول/ديسمبر من العام الفائت، عادت تركيا لقطع مياه الفرات لأسبوع كامل، وهو ما أثّر بشكل مباشر على توليد الكهرباء لعشرات المدن السورية.

 (م)

ANHA