الاستعمار القائم على جسد المرأة والحماية الذاتية – 1

الاستعمار القائم على جسد المرأة والحماية الذاتية – 1
الإثنين 17 آب, 2020   21:13
مركز الأخبار-هيفي حسن

سياسات الحرب الخاصة الموجهة ضد المرأة

السياسات المعادية للمرأة، قامت بعقد مختلف الاتفاقات المشتركة مع الحداثة الرأسمالية، استنادًا إلى مفاهيم العنصرية، والاستعمار والتمييز الجنسي والديني والعلمي، فحتى في "أكثر الدول تقدمًا" تتعرض المرأة بشكل متواصل لحرب غير معلنة".خلال مراحل التاريخ المختلفة تعرضت المرأة لأكبر أشكال الإبادة، سواء من الناحية الجنسية أو من الناحية المادية.

 كما تعرضت وبشكل مدروس وممنهج لمختلف أشكال الاستغلال والاستعمار الثقافي والأيديولوجي والسوسيولوجي والجسدي، لذلك فمن الأهمية بمكان تناول كل هذه الجوانب بشكل متداخل ومشترك، وعليه فإن من الصائب تعريف هذه الإبادة بالإبادة المجتمعية.

من الواضح أن التاريخ نفسه هو تاريخ الإبادة الممنهجة، ومن أجل التعرف على هذا التاريخ، يجب إدراك أن إبادة المرأة لا تنحصر بممارسة العنيف الجسدي أو الاعتداء البيولوجي، بل هو شكل أوسع من الاحتلال، لكن التاريخ الذي تم تدوينه من قبل السلطة الذكورية لا يعتبر هذا الأمر قضية ممتدة من الماضي إلى يومنا الراهن.

وإذا تم قبول الإبادة الممارسة ضد المرأة، فإن هذا الأمر سوف يكون عاملًا من أجل إعادة بناء العلاقات بين التاريخ المجتمع والدولة وفق أسس الحرية.

العنف مستمر بشكل ممنهج

تستمر الإبادة الجنسية التي يمارسها النظام الأبوي ضد المرأة سواء على شكل حوادث فردية أو ممارسات جمعية، وبمختلف الأشكال.

 وهذه الإبادة ليست مصطلحًا أو مفهومًا ضيقًا يمكن حصره بمفاهيم ومصطلحات مثل "العنف في مناطق الحروب، العنف الجنسي، العنف في أماكن العمل"، بل هناك توافق وتفاهم بين السياسات المعادية والمناهضة للمرأة، والعنصرية، والاستعمار والتمييز الجنسي والتدين والتعصب العلمي، على خلفية وأسس الحداثة الرأسمالية.

في المناطق التي تشهد الحروب والنزاعات، أو حتى في الدول الأكثر تقدمًا، يتم إدارة حرب غير معلنة ضد المرأة.

الاغتصاب أداة لإبادة المجتمع

لم تتوقف الحروب في العالم منذ بداية تاريخ السلطة الذكورية وحتى الآن، وقد نالت المرأة النصيب الأكبر من التداعيات الاجتماعية السلبية لهذه الحروب والنزاعات،

 وقد صعًدت السلطات الذكورية الفاشية التابعة للدولة القومية، والتي هي امتداد وميراث للدولة الذكورية في القرن الأخير، من حرب إبادة المرأة كشرط أساسي لإبادة المجتمع، بناء على استراتيجية "اضربوا المرأة أولًا" استهدفوا المرأة بشكل أساسي في كل الحرب الموجهة ضد الشعوب".

وخلال الحروب والنزاعات التي دارت في القرنين العشرين والحادي والعشرين، تعرضت مئات الآلاف من النساء للاغتصاب من قبل الجنود، كما تعرضت العديد منهن للاستغلال الجنسي.

 ففي مناطق النزاعات والحروب، تم استغلال المرأة بشكل بعيد عن الأخلاق بهدف إبادة المجتمع، حيث اعتبرت الانتهاكات التي استهدفت المرأة مثل الاغتصاب أدوات لإبادة المجتمع.

يعتبرون جسد المرأة ساحة للفتوحات

 لم يكن استخدام المرأة كوسيلة للتحرش والاغتصاب وجميع أشكال الظلم والاضطهاد خلال فترات الحروب أمرًا اعتباطيًّا، لأن التحكم بالنساء يعني التحكم بالجغرافيا والمجتمع، وخاصة في الشرق الأوسط حيث تمثل المرأة الوطن.

ومن جهة أخرى فإن مفهوم الشرق الذي تمت صياغته وتعريفه بما ينسجم مع أطر ومفاهيم النظام الذكوري، الذي يعدّ العامل الأساسي لترسيخ العنف الممارس ضد المرأة، حيث إن تدنيس المرأة أو المساس بها يشكل أكبر المصائب بالنسبة للرجل في المجتمع.

النظام الموجود يعتبر المرأة مُلكًا، مما يؤدي بالتالي إلى توجيه دفة العنف دائمًا نحوها، ولهذه الأسباب فإن السلطة الذكورية الاستعمارية – الدولة القومية، تعتبر جسد المرأة بمثابة ساحة للفتوحات، وليس من باب الصدفة أن يتم استغلال الاغتصاب كأداة وتكتيك للحرب في كل من البوسنة، وألمانيا النازية وعلى يد داعش في شنكال وغيرها من الأماكن.

سياسات الإبادة التي تستهدف المرأة لا تقتصر فقط على فترات الحروب والنزاعات، فالمجتمعات الذكورية تقتل النساء بسبب اللباس القصير، لأنهن "خرجن عن الأخلاق"، هذا التصرف هو نتاج الذهنية الذكورية، فإذا نظرنا إلى إحصائيات مؤسسات النظام الذكوري، سنرى بوضوح الوضع المتردي الذي تعيش فيه النساء.

 منظمات النساء التابعة للأمم المتحدة نشرت عام 2019 تقريرًا تحت عنوان "تقدم المرأة في العالم"، وبحسب التقرير فإن نسبة 60 بالمئة من الجرائم التي ترتكب بحق النساء تتم على يد أفراد من الأسرة، والعديد من الدول لا تعتبر الاغتصاب جريمة يعاقب عليها القانون، كما أن بعض القوانين تجبر الضحية على الزواج من المغتصب، لتفادي العقوب.

وعلى هذا فإن نسبة 35 بالمئة من النساء تعرضن خلال حياتهن للعنف مرة واحدة على الأقل، إذ تتعرض واحدة من كل 5 امرأة أو فتاة ممن تتراوح أعمارهن بين 15 و 45 عامًا للعنف الجسدي والجنسي على يد الأقارب وأفراد الأسرة، وتواجه 500 مليون امرأة وفتاة الإعاقة بسبب الختان.

 باختصار، فإن ظاهرة العنف ضد المرأة مستمرة في كافة أنحاء العالم، بدءًا من أكثر الدول تقدمًا ووصولًا إلى أكثرها فقرًا.

أولى شروط الحرية: الحماية الذاتية

مما لا شك فيه أننا نحن (النساء)، يجب علينا التمييز بين الجيوش الكلاسيكية التابعة للدول، والإيديولوجيات المطالبة بالحرية والتي تستند إلى مبدأ الحماية الذاتية، وميادين الثورة الاجتماعية، لأن موضوع حماية المرأة "موضوع جاد ومهم، ولا يمكن تركه لرحمة الرجال".

والعامل الأهم في مسيرة حرية المرأة هو مفهوم الحماية الذاتية، ويجب التوقف بشكل جاد على موضوع تجربة المرأة الكردية في الحماية الذاتية، وبشكل خاص نساء رج آفا اللواتي لفتن أنظار العالم أجمع في التاريخ القريب، حيث أنه بإمكان المرأة الكردية، وعبر مشاركة تجربتها مع نساء العالم، تأسيس بنية لتشكيل اتفاق أممي ضد معاداة النساء.

وبإلقاء نظرة على ما تعرضت له النساء من انتهاكات ومجازر إبادة خلال حروب القرن الماضي، يظهر لنا بوضوح أشكال الإبادة التي تعرضت لها المرأة عبر التاريخ.

الحرب العالمية الأولى

خلال الحرب العالمية الأولى، عندما احتل الجيش الألماني بلجيكا وفرنسا، أقدم الجنود الألمان على اغتصاب الآلاف من النساء، وفيما بعد تم تشكيل لجنة بهدف التحقيق في تلك الحوادث، ولكن لم يتم الحصول على أرقام مؤكدة، وبسبب التفاهمات السياسية بين السلطات تم التغطية على هذه الحوادث، وحدث نفس الأمر أيضًا في الدول الأخرى.

ضحايا الإبادة: النساء الأرمنيات والسريانيات

بعد الحرب العالمية الأولى، دخلت الدولة العثمانية مرحلة الانهيار، فارتكبت عام 1915 مجزرتين وحشيتين تعدّان من أكبر المجازر التي حدثت في التاريخ، في هاتين المجزرتين اللتين استهدفتا أبناء شعبين اصيلين من شعوب منطقة ميزوبوتاميا وهما الأرمن والسريان، قُتل أكثر من مليون أرمني وأكثر من 500 ألف من السريان والآشوريين والكلدان.

وخلال المجزرتين تعرضت النساء للقتل والاغتصاب، كما تم احتجازهن قسرًا واستغلالهن في الدعارة، مما ترك آثارًا نفسية عميقة في نفوسهن استمرت طوال حياتهن.

سياسات الإبادة التي انتهجتها الدولة العثمانية ضد الشعوب المسيحية بدأت بإبادة الرجال، وما تبقى من أبناء هذه الشعوب، تم تهجيرهم وإرسالهم إلى الصحاري السورية، فيما سمي وقتها بالتهجير، وفيما بعد تحولت رحلة التهجير هذه إلى "رحلة الموت".

قوافل المُهجّرين إلى الصحاري كانت تضم الشيوخ والنساء والأطفال، وخلال رحلة النزوح تعرضت النساء الأرمنيات للاختطاف على يد عصابات قطاع الطرق الذين يشرف عليهم الجنود الأتراك، وتم الاعتداء عليهن.

 النساء اللواتي رفضهن هذا الأمر وحاولن التصدي له تعرضن للقتل، حيث قُتل الآلاف من النساء الأرمنيات خلال رحلة الموت، فيما أقدم العديد منهن على الانتحار خوفًا من الوقوع في أيدي الجنود الأتراك وخوفًا من الخطف والتعذيب.

وخلال مرحلة الإبادة الجماعية ضد الأرمن وكذلك رحلة التهجير، تم فصل وإبعاد الآلاف من النساء عن أسرهن، في المرحلة الأولى من المجزرة تم القضاء على الرجال، وفيما بعد جاء الدور على النساء، حيث بدأت رحلة تهجير العجائز والنساء والأطفال.

النساء اللواتي تم اختطافهن، وفيما بعد اعتنقن الدين الإسلامي، فقدن هويتهن، ومع مرور الزمن لم يعد بإمكانهن التحدث بلغتهن، حيث لم يكن أمامهن خيار أو فرصة سوى قبول اعتناق الإسلام من أجل إنقاذ حياتهن وحياة أنبائهن وأسرهن.

وبحسب الدراسات التاريخية التي أُجريت حول المجازر التي ارتُكبت بحق الأرمن والسريان، فإن حوالي 700 ألف امرأة من الشعوب المسيحية قتلن في منطقة الأناضول خلال الفترة من 1915 إلى 1918، منهن حوالي 350 ألف امرأة قتلن خلال رحلات التهجير القسري، أو قضين جوعًا وعطشًا، كما أن أكثر من مئة ألف من الأطفال ممن نجوا من المجزرة تم إبعادهم عن جذورهم وانتمائهم من قبل الأسر المسلمة، وكبروا وسط ثقافة مختلفة عن ثقافتهم، ولكن لا توجد معطيات وأرقام مؤكدة تثبت جريمة الحرب التي ارتكبتها الدولة التركية.

مريم جيلينكريان وخانوم كتنجيان، امرأتان أرمنيتان، أسستا عام 1915 وحدة مسلحة في منطقة رها، مؤلفة من 25 امرأة من أجل الدفاع عن شعبهن، وهما المرأتين الوحيدتين اللتين أقدمتا على تنظيم حركة المقاومة.

النساء وجرائم الحرب النازية

خلال الحرب العالمية الثانية، أقدم الجنود الألمان على اغتصاب الآلاف من النساء الروسيات واليهوديات، وتضم صفحات التاريخ المنسي أمثلة كثيرة لنساء مقاومات ضد الفاشية.

بعد المجزرة اليهودية لم يتم معرفة وكشف العدد الحقيقي لعدد ضحايا المجزرة، ولكن المعلومات تشير إلى مقتل أكثر من 5 ملايين شخص في المجزرة، وبحسب المعطيات فإن أكثر من مليونين من هؤلاء هم من النساء، كما تم استغلال اليهود في الأحياء المعزولة (الغيتو) في مختلف الأعمال التي تؤدي بهم إلى الموت، أو يتم استخدامهم كفئرات تجارب وبشكل لا أخلاقي،  في تلك الفترة خاضت الآلاف من النساء مقاومات كبيرة وعظيمة مناهضة للفاشية ولإبادة النساء، وتبؤأت العديد منهن قيادة تنظيمات المقاومة في أحياء الغيتو أو كن أعضاء في تلك المقاومة.

 لقد تم استهداف النساء ليس بسبب جنسهن فقط، بل بسبب انتمائهن الديني وكذلك انتماءاتهن السياسية أيضًا.

في البداية خاضت النساء مقاومة جماعية ضد النازية على شكل مجموعات نضال مدنية، وقد خاضت النساء الآريات اللواتي تزوجن من اليهوديين، نضالًا دؤوبًا خلال الاحتجاجات، وتولت روزنيسترا وتولين قيادة هذا النضال والاحتجاج من أجل إنقاذ أزواجهن.

ليري جيرو، إحدى النساء المقاومات في تلك الفترة، ومنذ أن كانت في الـ 13 من عمرها قاتلت ضد الاحتلال النازي في ألبانيا، في البداية انضمت إلى جانب 68 امرأة أخرى إلى حركة التحرير الوطنية في ألبانيا، وفيما بعد انضمت إلى لواء الهجوم السادس عشر، والذي له مكانة مرموقة في التاريخ، وخلال إحدى الاشتباكات مع النازيين، عثر عليها النازيون وكانت فقد فقدت الوعي، وقاموا بقتلها، ولا زال الشعب الألباني يحي باحترام، وحتى يومنا الراهن ذكرى النساء الـ 68 اللواتي انضممن إلى المقاومة.

تسولا نينشيفا دراجويتشيفا، المعروفة أيضًا باسم مستعار (سونيا)، كانت رمزًا للمقاومة، وأدخلت الخوف والرعب في نفوس النازيين، وساهمت في انضمام الملايين في البلغار والمناهضين للفاشية إلى صفوف المقاومة.

كما شارك العديد من النساء في المقاومة ضد الفاشية، مثل الشقيقتين إليزابيت روز وتروس، اللتان دعتا من خلال رسائلهما إلى التصدي لفاشية الجنود في جبهات القتال، وكذلك فريدي أوفرستينغر التي نفذت عمليات اغتيال ضد الاحتلال النازي، وكذلك النساء اللواتي انضممن إلى العمليات ضد الفاشية تحت اسم (أشباح الليل)، ومثلهن العديد من نساء المخيمات اللواتي انضممن إلى الجبهات الأمامية للمقاومة.

غداً: جرائم الحرب ضد المرأة في الشرق الأقصى

ANHA