على سرير نهر الفرات أبناء الرقة يحيون تراثهم الغنائي

يعتبر الغناء الفراتي من الفلكلور العربي الأصيل الذي تمتاز به الرقة والطبقة ودير الزور، وهذا الغناء مختلف الأنواع (الربابة, المولية, الزمارة) وإلى اليوم مازالوا محافظين على هذا الفلكلور ويتوارث من الكبار إلى الصغار, وهذا ما رصدته عدسة وكالتنا ANHA خلال تغطية جلسة تدريبية لفرقة الرقة التراثية.

على سرير نهر الفرات أبناء الرقة يحيون تراثهم الغنائي
على سرير نهر الفرات أبناء الرقة يحيون تراثهم الغنائي
على سرير نهر الفرات أبناء الرقة يحيون تراثهم الغنائي
على سرير نهر الفرات أبناء الرقة يحيون تراثهم الغنائي
على سرير نهر الفرات أبناء الرقة يحيون تراثهم الغنائي
الأربعاء 20 شباط, 2019   07:22

خالد الجمعة-عدي الأحمد /الرقة

يعتبر العزف والغناء من التقاليد العريقة لدى سكان الرقة والطبقة ودير الزور شأنهم في  ذلك شأن العديد من المدن العربية، وقد كانت آلة الربابة حاضرة في الكثير من مناسباتهم الاجتماعية، وقد اشتهر أبناء البادية بالاهتمام بها أكثر من غيرهم، حتى أن أغلبهم كان يقتنيها ويضعها في مكان بارز في بيته، وهم يقومون بصناعة الربابة والزمارة  والدف .

ما معنى الربابة باللغة العربية

تلفظ الربابة بفتح الراء أي (رَبابة) وتعني السحابة البيضاء أو السوداء وجمعها (رباب)، أي قطع السحاب الغير متجمع دون السحاب وتحت السحاب المتجمع، ومن أحسن ما قيل في وصف السحاب الرباب (السحاب غير المتجمع) قول عبد الرحمن بين حسان "كان الرباب دوين السحاب".

متى اكتشفت الربابة وما قصة اكتشافها

قصص كثيرة تداولتها الأجيال حول قصة اكتشاف الربابة، إلا إن أقرب هذه القصص للواقعية كانت قصة ذلك الرجل وزوجته, حيث نشب خلاف بينهما حيث اتهم الزوج زوجته اتهاماً باطلاً، وأدرك فيما بعد أنه مخطئ مما جعل الزوجة أن تذهب لبيت أهلها، ورفضت جميع محاولات الزوج بأن يرضيها فاشترطت عليه قائلةً (لن أعود حتى يتكلم العود).

والمقصود بالعود هو قصب الشجر أو الخشب فوقع الرجل بالحيرة، فذهب بعدها إلى مرأة حكيمة من أهل قبليته وقص عليها ما حدث فقالت له، الأمر بسيط وطلبت منه إحضار عود من عوشيزة ( نبات صحراوي يسميه البعض (عوسج)، فأحضر ما طلبت منه وقالت له أخرق رأس العود من الأطراف وأحضر جلد حوار والحوار هو ابن الناقة, وقام بحشو الجلد بأوراق نبتة العرلج، وأخيراً طلبت منه إحضار سبيباً من ذيل الخيل (شعرة)، وقالت له اجعل هذا السبيب في العود الذي خرقته، ثم قالت له اعزف الآن فعزف فإذا بالعود يتكلم أي يصدر لحناً ثم أسرع به إلى أهل زوجته وطلب مقابلة زوجته ليقول لها أنه فعل المستحيل لإرضائها، وقد لبى شرطها وجعل العود يتكلم ثم أنشد بعدها بيتاً من الشعر أثناء عوتهم إلى البيت وقال:"

يا بنت لا يعجبك صوت الربابة

تره جلد حوير فوق عيدان"

وبعد انتشار الربابة في أرجاء المناطق الفراتية تطورت صناعتها وتضم عصا طويلة هي عنق الربابة التي يركب عليها الوتر الوحيد ومثبت أسفلها طارة الربابة، وفي أعلاها مجرى يثبت بها الكراب الذي يعمل على شد الوتر من أسفل العصا لأعلاها والجزء الآخر منها هو السبيبة، وهو الوتر وهو عبارة عن شعرة من ذيل حصان والجزء الآخر هو القوس الذي يصنع من عود الرمان أو الخيزران ليشد عليه الوتر.

أما النوع الآخر من الغناء والعزف الفراتي هو  المولية الفراتية والزمارة التي لا تخلو مناسبة أو فرح أو عرس من غناء المولية الفراتية التي لا تزال صامدة إلى يومنا هذا بوجه الصهر الثقافي والتحريف التاريخي لحقيقة شعوب المنطقة العريقة، فتحافظ على جوهرها التراثي أمام ضياع واندثار الموروث الثقافي.

ويعد الغناء التراثي نمطاً فنياً راقياً في المجتمعات، حيث يدمج بين ثقافة الفائدة من جهة والمتعة والتسلية من جهة أخرى، ويضم في طياته الكثير من وصف التعابير الإنسانية والحالات الاجتماعية، كالحزن والفرح الذي يجسده غناء المولية.

إن الجذر التاريخي للمولية يرجع إلى القرن الثامن الميلادي، وإلى نكبة البرامكة بالتحديد عندما هاجمهم الخليفة العباسي هارون الرشيد, لأن للبرامكة خدم وجواري وقد شاهد البعض منهم ماحل بأسيادهم البرامكة، فحزنوا عليهم وبكوا صائحين (وامولياه) وإن أول من قال كلمة الموليا هي إحدى جواري البرامكة بعد نكبتهم التاريخية المعروفة.

ومع كثرة الغازين وجلل مصاب أهالي المنطقة شاعت المولية لندب الأحبة والأهل، وقد سجو خلال النضال الثوري لتحرير الأرض، فاضحت المولية من موروث المقاومة الثقافية الأصيلة ولحن لمعارك البطولة، كما أصبحت اهزوجة تعبر عن المشاعر لاسيما الحب العذري.

وتجدر الإشارة إلى أنّ المولية تغنى في مناطق الرقة على لحنين أساسين الأول على الزمارة وهو النوع الذي يلحن على آلة المزمار ويعد لحناً بطيئاً للمولية، أما اللحن الثاني هو المولية الدفية حيث يرافق الغناء القرع على آلة الدف.

هذا ويعود سر نجاح "المولية" وانتشارها في أرجاء المنطقة لقوة كلماتها وجزالتها، بالإضافة إلى اللهجة العامية المستخدمة فيها، حيث يصعب على غير سكان الفرات فهم مفرداتها.

وإلى هذا اليوم يتوارث الشباب هذا النوع من الغناء والعزف من آبائهم وهم متحفظين ومصممين أن يحافظوا على هذا الفلكلور الذي يعتبر من تراثهم.

وتحدث لوكالتنا المشرف على فرقة التراث الرقاوي عبد الغفور الخلف الذي قال: "بعد سنين عجاف نعمل على إعادة الفلكلور الغنائي الذي ورثناه عن أجدادنا، وعملت مرتزقة داعش على إبعاد أهالي منطقتهم عن هذا التراث بحجه الحرام وفي هذا اليوم نحن نحيي تراثنا".

وأكد الخلف على أنهم مصرين على إعادة التراث الرقاوي من جديد وقال: "بشكل يومي لدينا تدريب على الربابة والزمارة والمولية، وستعود فرقة الرقة من جديد كما كانت وأفضل من السابق".

والجدير ذكره بأن فرقة الرقة التراثية كانت قد شاركت في فعاليات الاحتفال بذكرى تحرير الرقة في الملعب البلدي والعديد من الفعاليات بالمنطقة.

(س)

ANHA