إدلب وتضارب المصالح الدولية

تحدث تغييرات طارئة بين الحين والآخر بخصوص ملف إدلب، وصراع الدول الكبرى في الانفراد بمصالحها عبر الترويج الهائل لمسألة إدلب واعتبارها النقطة الحاسمة لحل الازمة السورية، بيد إن الاحتلال التركي لسوريا يفاقم من الصراع الداخلي، بالإضافة للسعي لإطالة عمر تواجد بذرة الارهاب في سوريا عبر إنشاء منطقة عازلة ضمن اتفاق روسي وتركي.

إدلب وتضارب المصالح الدولية
الخميس 27 يلول, 2018   03:27

شرفين مصطفى/الشهباء

تسيطر المجموعات والفصائل المرتزقة والإرهابية وخاصة "هيئة تحرير الشام" على الجزء الأكبر من أراضي محافظة إدلب السورية منذ بداية الثورة السورية في عام 2011، فيما يسعى النظام السوري في لعب دور المهاجم في مرمى ملعب يقودها روسيا وتركيا للتمويه أمام مرأى الجميع بأنه يشن حملات عسكرية لتحرير مدينة إدلب وإعادته تحت سيطرته.

سنسرد في هذا الملف أهمية إدلب، وصراع الدول عليها..

الموقع الاستراتيجي..

موقعها الاستراتيجي هو امتداد لموقعها عبر التاريخ حيث كانت ملتقى القوافل التجارية القادمة من أنطاكية فأفاميا وحلب وآفس وسهل العمق ومنذ الألف الثالث قبل الميلاد شكلت مملكة إيبلا صلة الوصل بين عالم البحر المتوسط وعالم الشرق الأقصى حيث تختزن ثلث ما في سوريا من أوابد ومواقع أثرية.

تقع مدينة على البوابة الشمالية لسوريا التي تطل منها على تركيا وأوروبا  تقدر مساحتها بـ 6100 كم2، يحدها من الشمال لواء اسكندرون وتركيا بطول 129 كم، ومن الشرق حلب بطول 159 كم، ومدينة حماة من الجنوب بطول 158 كم، وغرباً اللاذقية بطول 29 كم.

وتمتاز إدلب بموقعها ضمن غابة من الزيتون وعلى الطريق الممتد من أنطاكية إلى معرة النعمان فـحماة ودمشق، والطريق الواصل بين حلب واللاذقية.

وهي تحتل المرتبة الثامنة على مستوى سورية من حيث المساحة، وكذلك تحتل المرتبة الخامسة من حيث الكثافة السكانية، وتحتل موقعا متميزاً وهاماً على طريق الحرير قديماً وتعد معبراً للجيوش الغازية وطريقاً مهماً للقوافل التجارية القادمة من أوروبا إلى الشرق أو بالعكس عبر معبر باب الهوى الحدودي.

كانت إدلب قرية صغيرة تدعى على الأرجح (وادي لب) وتتألف من قسمين: إدلب الكبرى الواقعة شمال طريق معرة مصرين الحالي وهي قرية "دارسة"، وإدلب الصغرى إلى الجنوب من الأولى على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات وهي العامرة اليوم.

ادلب في التاريخ

 

وكانت قرية إدلب تتبع سرمين فيما مضى، ثم بدأت أهميتها بالظهور بعد أن اهتم بها الصدر الأعظم محمد باشا الكوبرلي (1583-1661)، أعفاها من الرسوم والضرائب وأقام فيها مباني ما تزال قائمة إلى اليوم فقصدها الناس من جسر الشغور وسرمين والقرى المجاورة، فاتسعت وازدهرت على حساب إدلب الكبرى.

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر غدت إدلب تتبع جسر الشغور ثم أتبعت بـأريحا ثم صارت مركز قضاء عام 1812م، ثم مركز محافظة في عام 1960م.

عانت إدلب ما عانته بقية المدن السورية في أوائل القرن العشرين من المجاعة بسبب الحرب العالمية الأولى وأصابها الدمار وسيق رجالها إلى الجندية الإجبارية وصودرت أرزاقها وغلاّتها باسم الإعانة والإعاشة، كما عانت مرة أخرى من الأنتداب الفرنسي عندما اتخذها إبراهيم هنانو معقلاً لثورته على فرنسا فقصفتها قوات الاحتلال بالمدفعية في 20 كانون الثاني1920. 

نظم محمد باشا الكوبرلي مدينة إدلب وفق مخطط عمراني اختاره بنفسه فبنى فيها الخانات كخان الشحادين وخان الرز ونظم أسواقها فجعل لكل حرفة فيها سوقاً خاصة، ورصف شوارعها بالحجر، ويتألف المخطط العام للمدينة من نواة بيضوية قديمة مكتظة بالسكان، وأحياء جديدة تنتشر حلقات حول النواة وتخترقها شوارع عريضة مستقيمة ومنتظمة.

المكونات..

قدّر عدد سكان مدينة إدلب مليونين ونصف مليون نسمة، أغلبهم من  المكون العربي، ونسبة قليلة من التركمان والكرد، ويشار إلى انتماء أكثر السكان إلى الطائفة السنية، كما ويوجد نسبة من المسيحيين، والدروز، وأقليات دينية أخرى. 

بما تشتهر إدلب؟

تشتهر إدلب وريفها بمنتوجها من محصول الزيتون حتى أن الأخوين رسل سمّياها عام 1772 بلد الزيتون وهو محصولها الأول، وفي إدلب صناعات قديمة مختلفة، كعصر الزيتون -كان في المدينة زمن الاحتلال العثماني 200 معصرة زيتون تحت الأرض اندثرت كلها-، وصناعة الصابون (حصرت هذه الصناعة بها في عهد محمد باشا الكوبرلي، فكان فيها ست وثلاثون مصبنة، وصناعة الدبس والحلاوة والطحينة والأحذية.

المعالم الاثرية

يحيط بمدينة إدلب عدد كبير من المناطق الأثرية كـالبارا ورويحة وقلب لوزة وقصر البنات وغيرها، وهي لا تبعد أكثر من 15كم عن جبل الأربعين أفضل مصايف الشمال، إلى جانب العشرات من المواقع الاثرية الاخرى

الاقتصاد

يحتل القطاع الزراعي موقع الريادة لتواجد السدود وشبكات الري والذي اكسبت المدينة لقب المدينة الخضراء، ففي حين تبلغ المساحة المستثمرة 347570 هكتاراً أي بنسبة 56.5%، وتتميز بخصوبة اراضيها وغزارة امطارها وتعدد مواسمها الزراعية وكثافة أراضي الأحراج والغابات فيها حيث تحتل مساحة قدرها 18211 هكتاراً أي بنسبة 13.5% وكذلك تنوع الاشجار المثمرة فيها وفي مقدمتها شجرة الزيتون التي يبلغ عددها حوالي 15 مليون شجرة يقدر متوسط انتاجها السنوي بحوالي 160 الف طن

المراحل التي مرت بها ادلب في الثورة

انتفضت ادلب في بداية الثورة السورية في 2011 والتي كان اكثر الاحتجاجات والتظاهرات في جسر الشغور ومعرة النعمان وجبل الزاوية وسراقب، حتى وضعت ضمن المنطقة الرابعة من خفض التصعيد ضمن صفقة ثلاثية " إيران وروسيا وتركيا".

23 مارس/آذار 2015 : جيش الفتح  يعلن عن معركة بهدف السيطرة على إدلب، وبعد خمسة أيام سيطر على كامل المدينة، وكانت ثاني مركز محافظة بعد الرقة تخرج عن سيطرة النظام.

25 أبريل/نيسان 2015:  جيش الفتح يسيطر على جسر الشغور بريف إدلب الغربي، وهي بوابة المحافظة إلى اللاذقية معقل النظام السوري.

9 سبتمبر/أيلول 2015:  جيش الفتح يسيطر على كامل إدلب ريفا ومدينة، بعد سيطرته على مطار أبو الظهور العسكري بريف إدلب الشرقي الذي كان يشكل آخر معاقل النظام في المحافظة.

نهاية 2015 كانت نهاية جيش الفتح بعد إعلان فصيل جند الأقصى انسحابه منه، واتهام بقية الفصائل له بانتمائه لمرتزقة داعش، وانتهى المطاف بجند الأقصى إلى استئصاله في إدلب، والسماح لبقية عناصره بالذهاب إلى مناطق مرتزقة داعش، و انتهى بالمجمل وجود جيش الفتح بعد إعلان هيئة تحرير الشام عن تشكيل إدارة مدنية لإدلب وإنهاء إدارة جيش الفتح لها.

وكما شهدت إدلب مواجهات بين مرتزقة جبهة فتح الشام (النصرة سابقا) والمجموعات المرتزقة التي خرجت من  حلب، وانتهت بانصهار عدد منها في أحرار الشام.

و شهدت أيضا الفترة التي أعقبت خروج المجموعات المرتزقة من شرق حلب، تفكك مرتزقة حركة أحرار الشام، وانضمت إلى هيئة تحرير الشام التي شكلتها جبهة فتح الشام.

سيطرت هيئة تحرير الشام على معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا والمناطق المحيطة به بعد مواجهات مع حركة أحرار الشام وكما تسيطر على مدينة إدلب والمعبر والمناطق المحيطة به، وعلى خان شيخون وأريحا وجسر الشغور، والريف الشمالي والقسم الأكبر من الريف الجنوبي.

الجبهة الوطنية للتحرير والجيش الوطني أبناء الاحتلال التركي

بعد أن روج النظام السوري لخوض معركة ضد المجموعات المرتزقة لتحرير ادلب، سعت المجموعات المرتزقة والتي تضم مرتزقة جيش الفتح" النصرة سابقاً" وهيئة تحرير الشام إلى تمويه وجودها وأعلنوا عن تشكيل جبهة تضم المجموعات المرتزقة باسم "الجبهة الوطنية للتحرير"، والجيش الوطني فيما بعد.

تشكلت الجبهة والجيش الوطني في رواية كتبها الاحتلال التركي لبسط نفوذه في سوريا وذلك عبر دعم وجمع المجموعات المرتزقة من حولها وضمها في مسمّيات مختلفة، غير أن تركيا ترى بأن ادلب هي عبارة عن مناطق نفوذ لها نظراً لتواجد بقايا القاعدة ومرتزقة داعش والمجموعات المرتزقة الأخرى فيها.

ادلب في المرحلة الحالية

بعد اجتماع قمة طهران بفترة لم تتجاوز عشرة أيام، اجتمع حكام تركيا وروسيا في قمة سوتشي مجدداً في 17 أيلول/ سبتمبر الجاري، وكان الملفت عدم دعوة ايران بعد أن كانت هي راعية اجتماع قمة طهران قبل عشرة ايام، واتضح بأن اردوغان وبوتين ارادا أن يظهرا للعلن بأنهما سحبا مهمة توسط ايران في الحرب السورية وأن تستفردا في الساحة السورية، وايضا افشال ما جاء في قمة طهران.

ولكي ترد ايران الصّاع صاعين حول فشل قمة طهران وعدم التعامل معها بجدية، اعلنت عبر بيان بأنها لن تشارك في حملة تحرير ادلب، وبالفعل بعد اعلانها توقفت هجمات النظام على ادلب، ومن الناحية الاخرى كان قصف اسرائيل للمحافظتين السورية اللاذقية وحماة رسالة صارمة لايران، وبهذا يتضح بأن هناك مخطط مشترك بين الدول ضد ايران لكي تنفرد كل دولة للاهتمام بمصالحها والمتاجرة بالدم السوري.

ايران لم تصمت وتحركت لترد على المخطط التركي والروسي حول تجميد تدخلها في الملف السوري، وبهذا ارادت ايران ان تضع علاقة روسيا واسرائيل والولايات المتحدة ضمن محور التساؤلات والنقاش لكي تفشل مخططاتهم حول تواجد ايران في سوريا، في الواقع روسيا لا تتفق مع أي دولة للاهتمام بالشأن العام إنما من اجل أن تمد بقائها في الملف السوري لخدمة مصالحها.

تضمن اتفاق روسيا وتركيا بخصوص ملف ادلب في اجتماع سوتشي بقاء بقايا القاعدة وداعش في ادلب تحت رعاية تركية عبر انشاء منطقة عازلة بعمق 15- 20 متراً وبذلك كي تحمي تركيا مرتزقتها في ادلب، وهذا ما لم يرضى به إيران والنظام.

وعليه سيكون المخطط الحالي هو كيفية انهاء التواجد الايراني في سوريا من قبل روسيا وتركيا، وستسعى إيران لإفشال مخطط روسيا وتركيا حول سوريا كما أفشلت مخطط روسيا وإسرائيل.

الاهتمام الشديد لتركيا في ملف ادلب يؤكد ضمنياً بأن مصلحتها تكمن في تواجد المجموعات المرتزقة والارهاب لأنها تتحكم في الملف السوري وخاصة ادلب عبر تواجد مرتزقتها في المنطقة.

التواجد التركي على غرار تواجد الدول الخارجية في سوريا لن يخدم بأي طريقة في وضع حل سياسي وسلمي يرضي كافة الاطراف السورية، حيث إن التواجد التركي سيسعى إلى نشر بذرة الارهاب والمرتزقة في المناطق الأخرى، وحال إدلب سيعقد الأزمة بشكل مضاعف.

(ك)