العلاقات الأمريكية- التركية من الذروة الى المنحدر.. سوريا تغلق طرق التهدئة-2

ان دمج حزب العدالة والتنمية  منهج اخوان المسلمين المتشدد مع المنهج القوموي العنصري، المتمثلة بالعثمانية الجديدة، في تحركه ضمن دول التي حدثت فيها ثورات وأزمات داخلية، قد أحدثت شرخاً كبيراً في السياسة الخارجية التركية وأٌزمَ من الوضع داخل تركية أكثر، لتصل بها في علاقاتها مع أمريكا والغرب الى حد الانقطاع وذلك لما قامت به من تخبطات في خدمة الحلف الروسي الايراني لأمل الحصول على فتات من الأزمات وضرب الكرد في المنطقة.

العلاقات الأمريكية- التركية من الذروة الى المنحدر.. سوريا تغلق طرق التهدئة-2
الأربعاء 26 يلول, 2018   01:16

تركيا تغرق عسكرياً وسياسياً واقتصادياً بعد دخول المستنقع السوري

آلان روج\ مركز الأخبار

من خلال الجزء الثاني من هذا الملف المعنون باسم العلاقات الأمريكية- التركية من الذروة الى المنحدر.. وسوريا تغلق طرق التهدئة، سوف نفيد بمعلومات عن العلاقات الأمريكية- التركية في ظل التغيرات في البلدان التي شهدت ربيع شعوبها وكيف زجت تركيا بنفسها في المنطقة حاملة خطها الجديد في دعم تنظيم الإخوان المسلمين المتطرف وتحريكه لمصالحه الى جانب حمله لشعار العثمانية الجديدة في خطابه السياسي بهدف توسيع نفوذها واحتلال دول الجوار دون الرجوع الى أحد وأخد مصالح الغير بعين الاعتبار.

مصر بداية تعميق الخلاف الأمريكي التركي على الخارطة العربية

ان ترويض تركيا للإخوان المسلمين في الدول العربية وتكتلاتها في الدول الغربية ودعمها وجعل أنقرة واسطنبول مركزاً لتحركاتها منذ 2003 قد عادت اليه في البداية بنتائج كبيرة، منها ايصال هذا التنظيم الى سدة الحكم في تونس وفتحها الطريق للنفوذ التركي في افريقيا والمغرب العربي أكثر،

كما أوصلتها الى الحكم في مصر لتكون أهم نقطة ثقل لتركيا في البلدان العربية وشمال أفريقيا وبحرها، بما لمصر من أهمية وتأثير في المنطقتين بشكل كبير، ليزداد الخطر أكثر على مصالح الدول الاقليمية والعالمية الاستراتيجية في المنطقة، الا ان الحلم التركي لم يدم طويلاً حيث جوبه بانقلاب في مصر وتم اسقاط حكم الإخوان وزجهم في السجون ووصول قيادة علمانية الى حكم مصر بعيدة عن الأحلام العثمانية.

ومع وصول السيسي الى سدة الحكم تم ابرام اتفاق مع قبرص واليونان لترسيم الحدود البحرية بين البلدين للاستفادة من المصادر الطبيعية في المنطقة الاقتصادية عام 2013 بدعم ورضاء أوربي أمريكي، لتبدئ أزمة جديدة رافقتها انقطاع واتهامات متبادلة بين الطرفين فذهبت تركيا أبعد من ذلك وأتهمت الغرب وأمريكا بأنهم وراء المواقف المصرية وتحركاتهم.   

استمرار أزمة العراق أحدثت تباعد بين الطرفين

كما ذكرنا سابقاً فأن تركيا أغلقت أبوابها أرضاً وجواً في وجه أمريكا ابان دخولها للعراق، ولكن هذه الأزمة استمرت حتى بعد عقد من الزمن و انتهجت أمريكا سياسة التراخي مع تركيا بالرغم من اصطفاف كل واحد منهما في جانبين متنافرين داخل العراق.

فتركيا كانت منذ البداية تبدي تخوفها من كيان كردي على حدودها وتتخوف أكثر من حصول نظام فدرالي في مناطق قريبة منها، حيث تهدد ديكتاتوريتها المتفشية بحق شعوبها، وخاصة الكرد والمسيحيين منهم، الا ان أمريكا دعمت مثل هذه الخطوات في العراق وجنوبي كردستان الى حداً ما في البداية لكن اقليم كردستان قد انقلبت عليه وبدأت تتعامل مع تركيا متجاوزة بغداد والاتفاقات الأمريكية في الآونة الأخيرة، الأمر الذي لم يرضي الغرب أبداً حيث ظهر جلياً في عملية الاستفتاء الأخيرة.

كما انقسم الدعم الأمريكي والتركي في الانتخابات العراقية 2010 الى طرفين منفصلين ولم تكن تركيا راضية من التعامل التركي مع الكتل السنية في العراق وخاصة الموصل منها، لدرجة أن الأخيرة رفضت الدخول الى التحالف الدولي ضد داعش في العراق بعد دعوة أمريكا لها.

الأزمة السورية تغلق طرق التهدئة وتوجه علاقات البلدين الى منحدر ساحق

ومع انتفاضة الشعب السوري في 15 اذار2011 ومواكبتها للتحرك الشعبي في الدول الأخرى، أخذت اهتمام دولي وعالمي كبير وخاصة كل من تركيا وامريكا، لما لهما من مصالح استراتيجية كبيرة في المنطقة، كون موقع سوريا تملك ثقل على المستوى الدولي.

وباستمرار الأزمة في سوريا وتحوله الى صراع ظهر موقف تركيا الموالي للكتل السنية المتشددة الهادفة للسيطرة على الحكم كبديل عن الأسد، لذلك تحول خطاب أردوغان من مسألة الاصلاحات في سوريا الى تنحي الأسد وحكومته من السلطة في سوريا،

لكن أمريكا وبالرغم من موقفها الرافض لسياسات وتوجهات الاسد، الا ان حكومة باراك أوباما كانت تفضل بقاء الأسد على البديل الاسلام السني المدعوم تركياً، وترى أمريكا والغرب كذلك بأنه بديل غير مرحب به وسيشكل خطراً على المكونات السورية الغير سنية، الى جانب وجود الكرد كطرف ثالث في الميدان السوري والذي يعتبرها تركيا الخطر الأكبر بالنسبة لبلاده.

معركة كوباني و وضوح هشاشة العلاقة بين البلدين

مع تأزم الوضع واشتداد الصراع في الميدان السوري، بإعلان تنظيم داعش الارهابي عن دولة خلافته وتوسع مناطق نفوذه بدعم تركي قطري واضح، باتت الغرب وأمريكا تتخوف أكثر حيث أن تركيا تهددهم باللاجئين والارهاب العالمي في حال لم يدعموا خططه في الشرق لاسيما في العراق وسوريا.

وكان لابد للغرب أن يضع حداً للاستغلال التركي و لم يكن هناك قوة غير الكرد تحارب الارهاب في سوريا والعراق وتقوي من نفوذها لحماية مصالحها في المنطقة، فبدء التحرك الغربي بتحالف جديد على الارهاب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وذلك في معركة كوباني التاريخية، والتي أثبت فيها الكرد بأنهم القوى الوحيدة والفعالة في القضاء على الارهاب العالمي في المنطقة وردعه من التوسع.

هناك في كوباني انقسم البلدين في مصادر الدعم فقد دعمت أمريكا وحدات حماية الشعب والمرأة لتدعم تركيا بدورها داعش وترفض الدخول في التحالف الدولي ضدها بحجج وشروط واهية كانت فاضحة للجميع آنذاك.

الدعم الأمريكي هذا للكرد تحول الى تحالف استراتيجي بين قوات سوريا الديمقراطية وبين الولايات المتحدة لمحاربة الارهاب في سوريا وإنهاء خطره على المنطقة وأوروبا وأمريكا، ليزداد الشرخ في العلاقة التركية الأمريكية ليصل بتركيا باتهام أمريكا بدعم الارهاب في سوريا.

في سوريا...تركيا مسجلة في قوائم حلف الناتو و تلهو في ملعب الروسي

من الواضح خلال السنتين الأخيرتين من الأزمة السورية كان التلاقي التركي الروسي الايراني هو أكثر التحركات التي أخافت الولايات المتحدة، لما قدمته تركيا من تنازلات وابرام للصفقات على المستوى الإقليمي والدولي مع تلك الأطراف على حساب الفصائل المسلحة، المدعومة معظمها من الغرب، والتنظيمات الارهابية التي دعمتها هي بنفسها.

مع هذا التلاقي الثلاثي اتيح لإيران التوسع في سوريا والعراق وقوت من سيطرة النظام السوري المدعوم روسياً، مع ضربها المصالح الغربية والأمريكية في المنطقة بخلق زعزعة وتنافر ضمن صفوف الناتو الذي رافق استغلال روسيا لتركيا في سوريا لاعباً على ورقة الفوبيا الكردية لدى أنقرة، والذي جوبه بتهديد من الوزارة الخارجية الأمريكية التي قالت " اننا نحث تركيا على عدم التقارب مع الكتلة الأوراسية على حساب الناتو".

ولم يتوقف تركيا في لهوها خارج سرب الناتو عند هذا المستوى، بل بدء بتهديدهم بشراء منظومة S400 الروسية، والمشاركة مع ايران وروسيا في عقد مؤتمر استانة وسوتشي لإفراغ جنيف بشأن سوريا، مع دخولها في حرب سياسية واعلامية واستعراض عسكري بري ضد أمريكا وحلفاءها في منبج بشمال سوريا.

بهذه الخلافات المتعددة وغيرها من الأحداث قد أوصلت البلدين الى حد الانقطاع واغلاق طرق التهدئة بينهم، ليصل الى درجة التهديد وفرض الولايات المتحدة عقوبات على بعض وزراء أردوغان مع اقلال من شأن الانتخابات التركية وإلغاء التأشيرات بين البلدين وفرض رسوم جمركية ليصل تركيا بتخبطها السياسي وهلوستها في تحقيق احلام أسلافه الى وضع مأساوي داخلياً وخارجياً ويصبح دولة غير مرغوبة بها في الوسط الأوربي والامريكي.