الملف النووي الإيراني .. زخم على مدار أعوام وتفاعل ٌمع كل مشاكل العالم - 2

التوتر الملاحظ في راهننا بين إيران وإسرائيل لا يجري بين دولتين قوميتين وحسب. بل ويجري بين نظامي قوتين تسعيان لبسط الهيمنة على الشرق الأوسط، وتستخدم إيران أنشطتها النووية كورقة ضغط لتحقيق مآربها هذه.

الملف النووي الإيراني .. زخم على مدار أعوام وتفاعل ٌمع كل مشاكل العالم - 2
الثلاثاء 1 مايو, 2018   01:54

مركز الأخبار / يحيى الحبيب

الاتفاق الإيراني ومجموعة (5 +1) والتهديد الأمريكي بالانسحاب

تستمر أزمة الملف النووي الإيراني بالتفاعل المتصاعد مع جميع القضايا والمشاكل في الشرق الأوسط والعالم, بعضها يتعلق ببنية النظام الداخلي في إيران والمحافظين الجدد وبعضها يتعلق بطبيعة العلاقة بين إيران ودول الخليج من جهة والصراع الإيراني الإسرائيلي في المنطقة من جهة أخرى.

أحمدي نجاد وتوسع الملف النووي الإيراني ..فترة سادها التصعيد

في حزيران/يونيو 2005، تم انتخاب أحمدي نجاد رئيساً جديداً للبلاد ليقوم في شهر آب/أغسطس بفض الأختام عن معدات التخصيب في أصفهان، وهو ما اعتبرته المملكة المتحدة خرقاً لاتفاقية باريس. هنا قدم الثلاثي الأوروبي عرضاً لإيران مقابل وقف دائم لتخصيب اليورانيوم يتمثل في عدة فوائد في المجالات السياسية والتجارية والنووية منها ضمان إمدادات طويلة الأجل للمواد النووية، وضمان عدم الاعتداء من قبل الاتحاد الأوروبي وليس الولايات المتحدة. لكن إيران رفضت العرض.

وفي آب/أغسطس 2005، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة النووية أن آثار اليورانيوم عالي التخصيب في إيران هي آتية من المعدات التي تم استيرادها من باكستان ولا تعد دليلاً على برنامج نووي إيراني عسكري.

وفي شباط/ فبراير 2006، بدأ فصل جديد من قصة الملف النووي الإيراني بعدما صوت أعضاء الوكالة الدولية على إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن برعاية الثلاثي الأوروبي والولايات المتحدة. وردت إيران على هذا الإجراء بتعليق العمل بالبروتوكول الإضافي وجميع أشكال التعاون الطوعي.

وفي ذلك الوقت رفضت إيران التخلي عن حقها في تخصيب اليورانيوم، كما رفضت الولايات المتحدة في المقابل وجود أي عملية لتخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية.

وفي نيسان/أبريل 2006، أعلن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد عن نجاح إيران في تخصيب اليورانيوم بنسبة 3,5% باستخدام أكثر من 100 جهاز طرد مركزي. هذا الأمر أغضب الولايات المتحدة التي طالبت بخطوات قوية مضادة لإيران.

وفي الفترة ما بين عامي 2006 و2012 استمرت عمليات الشد والجذب بين إيران والمجتمع الدولي بخصوص برنامجها النووي، وصدرت خلال هذه الفترة 7 قرارات لمجلس الأمن تخص إيران وبرنامجها النووي. وهذه القرارات هي:

القرار رقم 1696 لعام 2006: طالب إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

القرار رقم 1737 لعام 2006: فرض عقوبات على إيران لرفضها وقف أعمال تخصيب اليورانيوم، وطالب بقطع التعاون النووي معها.

القرار رقم 1747 لعام 2007: وسع من قائمة العقوبات المفروضة على إيران.

القرار رقم 1803 لعام 2008: قام بتمديد العقوبات على أشخاص وكيانات إضافية، بالإضافة لفرض قيود على سفر الأشخاص وتقييد الصادرات المتعلقة بالأنشطة النووية.

القرار رقم 1835 لعام 2008: قام بالتأكيد على العقوبات والقرارات السابقة، لكنه لم يندرج تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

القرار رقم 1929 لعام 2010: فرض حظر سلاح شامل على إيران، ومنع إيران من أي أنشطة تتعلق بالأسلحة الباليستية، وتمديد تجميد الأصول الخاصة بالحرس الثوري الإيراني وخطوط شحن جمهورية إيران الإسلامية.

القرار رقم 1984 لعام 2011: قام بتمديد العقوبات السابقة لمدة 12 شهراً أخرى.

وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر نشرت الوكالة الدولية تقريراً أشارت فيه إلى توسع قدرات إيران الخاصة بتخصيب اليورانيوم، وأن إيران أنتجت 233 كيلوغراماً من اليورانيوم شبه المخصب بنسبة 20%. وفي تقرير آخر أشارت إلى أن إيران قد استخدمت 96 كيلوغراماً من هذا اليورانيوم كوقود لمفاعل الأبحاث النووية في طهران.

حسن روحاني والحل الدبلوماسي .. تشكيل ما يعرف مجموعة 5+1

في عام 2013، تمكن حسن روحاني من الفوز في انتخابات الرئاسة الإيرانية وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة الأمريكية تطوراً إيجابيّاً، ليبدأ فصل جديد في الملف النووي الإيراني باتجاه الحل الدبلوماسي.

وبعد الشد والجذب لسنوات طويلة من العقوبات الغربية على إيران توصلت أخيراً مجموعة (5+1) إلى “اتفاق إطاري” وإبرام الاتفاق المبدئي بين إيران ودول (5+1) أي (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن أمريكا، روسيا، الصين، فرنسا وانكلترا، إلى جانب ألمانيا) وصادف هذا الحدث في 2 نيسان 2015 عقب اجتماع بشأن الملف النووي الإيراني في مدينة لوزان السويسرية, حيث صرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما ”أن الحل الدبلوماسي لموضوع الملف النووي الإيراني أفضل بكثير من العقوبات التي استمرت عشرون عاماً”.

ومن جهته صرح الرئيس الإيراني حسن روحاني بأن هذا الاتفاق هو “انتصار لإيران لأنه يضمن لها الاستمرار في تخصيب اليورانيوم”.

بعد ذلك وفي تاريخ 14 تموز 2015 في عاصمة النمسا فينا، أفاد دبلوماسيون بأنه تم التوصل إلى اتفاق في المحادثات الجارية بشأن البرنامج النووي الإيراني يشمل تحديد النشاطات النووية الإيرانية وتخفيف العقوبات الدولية المفروضة حيث وصفت هذه المفاوضات بالماراثونية بين القوى الدولية (5+1).

تفاصيل بنود الاتفاق

الاتفاق النهائي الذي تم التوصل إليه في فيينا النمساوية، تضمن عدة بنود، من أهمها:

البند الأول: تقييد البرنامج النووي الإيراني على المدى الطويل، مع وضع حد لتخصيب اليورانيوم لا يتجاوز عتبة 3.76 بالمئة.

تقليل مخزون إيران من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى 300 كليو غرام خلال السنوات الخمسة عشر المقبلة.

كما تشمل البنود، تحويل مفاعل فوردو، المنشأة الرئيسية لتخصيب اليورانيوم، إلى مركز لأبحاث الفيزياء والتكنولوجيا النووية.

وأيضاً خفض عدد أجهزة الطرد المركزي بمقدار الثلثين لمدة عشر سنوات لتصل إلى نحو 5 آلاف.

وللتحقق من ذلك اشترط الاتفاق سماح طهران بدخول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكل المواقع الإيرانية المشتبه بها.

وأيضاً توقف إيران عن بناء مفاعلات تعمل بالماء الثقيل، وعدم نقل المعدات من منشأة نووية إلى أخرى لمدة 15 عاماً.

كما تشمل البنود حظر استيراد أجزاء يمكن استخدامها في برنامج إيران للصواريخ الباليستية لمدة ثماني سنوات، إلى جانب حظر استيراد الأسلحة لمدة خمس سنوات.

وفي مقابل ذلك، تحصل إيران على رفع تدريجي للعقوبات الدولية المفروضة عليها، وهو رفع مشروط بمدى وفائها في التزاماتها في الاتفاق النووي.

مما يعني استمرار تجميد الأصول الإيرانية في الخارج لمدة ثماني سنوات، واستمرار حظر السفر على معظم الأفراد والهيئات التي شاركت في البرنامج النووي لمدة خمس سنوات.

لكن سيتم تقليل هذه الفترات في حالة تأكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية من التزام الجانب الإيراني. 

كما تتمكن إيران بموجب الاتفاق من معاودة تصدير النفط بكامل طاقتها الإنتاجية فور بدء تنفيذه، ويتيح الاتفاق أيضاً التعاون بين الدول الكبرى وإيران في مجالات الطاقة والتكنولوجيا.

الاتفاق في مهب رياح ترامب .. استراتيجية جديدة لتقليص نفوذ إيران

ولكن ومع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض تغيرت النظرة إلى إيران وبرنامجها النووي، إذ وضع ترامب استراتيجية جديدة تشمل التركيز على "إبطال نفوذ إيران المزعزع للاستقرار واحتواء نهجها العدواني، لا سيما دعمها للإرهاب والمسلحين". وتتضمن أيضاً إحياء التحالفات التقليدية للولايات المتحدة والشراكات الإقليمية في مواجهة النهج التدميري لإيران، واستعادة توازن يكون أكثر ثباتاً للقوة في المنطقة. كما تشمل العمل على منع النظام الإيراني من تمويل نشاطاته، والتصدي لأنشطة الحرس الثوري التي تنهب ثروة الشعب الإيراني، وفق بيان البيت الأبيض.

وكان ترامب قد أعلن أنه سيبين موقفه النهائي من النووي الإيراني في 12 أيار/مايو المقبل.

النووي الإيراني يعود للواجهة مع كل أزمة في الشرق الأوسط

ومن خلال كل هذه المراحل التي مرّ بها الملف النووي الإيراني من لحظات هدوء وفتور ولحظات تصاعد. فعلى مرّ السنين كان هذا الملف يتصاعد مع كل أزمة إقليمية ودولية. وفي هذا السياق كتب الدكتور نصر محمد عارف "إن المراقب المحايد للمشهد السياسي في الشرق الأوسط يلاحظ أن ملف إيران النووي يُفتح ويُغلق في أوقات معينة، ويتم تبريده وتسخينه بنفس الطريقة، نحن لا نعرف الأسباب الكامنة وراء هذه التقلبات، ولكن نشاهدها، وسريعاً ما نتخذ منها مواقف عاطفية.

والحقيقة التاريخية الأولى تقول لنا إن قيام الثورة الإسلامية الإيرانية كان برضى من الغرب، فطائرة فرنسية حملت زعيم الثورة إلى طهران، وإيران لم تكن يوماً خطراً على الغرب أو إسرائيل، حزب الله حرر بيوت أتباعه من الاحتلال الإسرائيلي، ولم يقدم لفلسطين طلقة واحدة، بل قدم لها ملايين الكلمات والشعارات والهتافات".

ويوضح عارف "الاتفاق النووي مكّن إيران من الحصول على أكثر من أربعين مليار دولار نقداً من أموالها المجمدة في الولايات المتحدة؛ تم تحويلها خارج النظام المصرفي الدولي، لنقلها خارج النظام المصرفي الدولي من إيران إلى اليمن وسوريا ولبنان وكل ربوع أفريقيا".

والحقيقة التاريخية الثانية تقول لنا إن السلاح النووي سلاح دفاعي، ولم يستخدم، ولن يستخدم كسلاح هجومي، والعرب لن يهاجموا إيران، وإيران لن تهاجمهم، وتعتدي عليهم بالسلاح النووي، بل بالأسلحة التقليدية، لذلك مشكلة العرب مع إيران في ترسانتها من الأسلحة التقليدية، والصواريخ الباليستية، التي تم تهريبها إلى اليمن، وسيتم تهريبها إلى مناطق أخرى، لذلك فإن السلاح النووي لا قيمة له عند العرب سواء ملكته إيران أم لم تملكه، ولننظر إلى حالة باكستان لندرك قيمة السلاح النووي، وأنه لا يعدل ميزان القوى في المواجهات التقليدية.

والحقيقة التاريخية الثالثة تقول إن السياسة الدولية لا تعرف العمل الخيري، وإن إثارة الملف النووي الإيراني له علاقة بمصالح المتنازعين حوله، وليس من الضروري أن تتطابق مصالحهم مع مصالح العرب، مصالح العرب تتمثل في وقف إيران عن التدخل في شؤون دول الجوار، وتصدير الثورة، وخلق مليشيات، وجماعات مسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة، وعدم توظيف الطائفية السياسية لتفكيك الدول العربية، هذه هي مخاطر إيران المباشرة على الدول العربية في الوقت الحالي، وفي المدى القصير والمتوسط، أما السلاح النووي فقد يكون خطراً متوهماً على المدى البعيد.

إن الملف النووي الإيراني يُثار الآن وبهذه الطريقة للابتزاز بكل ما تعنيه الكلمة، تبتز به واشنطن الدول العربية، وتبتز به إسرائيل واشنطن، وتبتز به الدول الغربية روسيا، وتساوم به روسيا الدول الغربية، وتبتز به روسيا إيران".

إيران والسعي إلى الهيمنة في الشرق الأوسط

على مرّ التاريخ كانت إيران "الفرس" قوة عظمى في المنطقة، ولكن مع ظهور الدولة القومية، تقلص نفوذها كثيراً في المنطقة، وبعد الثورة الإسلامية عام 1979 وسيطرة المرشد الأعلى على الدولة، بدأت المخططات الإيرانية بالتوسع في المنطقة لاستعادة نفوذها، عبر هيمنة إيديولوجية "تصدير الثورة"، على الفكر السياسي الإيراني الحديث، التي ما تزال مستمرة إلى يومنا هذا وظهرت جلياً في تدخلها بأزمات الدول العربية المجاورة لها وخصوصاً المطلة منها على البحرين  الأبيض المتوسط والأحمر.

فإيران لها أذرعها في لبنان منذ تأسيس حزب الله عام 1985، وفي العراق منذ سقوط النظام العراقي عام 2003 وفي سوريا واليمن كان متواجداً منذ زمن ولكن بدأ بالظهور بشكل ملفت منذ انطلاقة ما يسمى الربيع العربي عام 2011. فإيران تسعى للهيمنة في الشرق الأوسط وتولي الزعامة الإسلامية ونجحت بالتعاون مع تركيا التي استطاعت تولي قيادة السنة من السعودية، في تحقيق الكثير من طموحها.

ويؤكد قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان في مانفيستو الحضارة الديمقراطية "أن كل مساعي الأوليغارشية الإيرانية تنصب في استخدام أرضية الثورة المناوئة للحداثة "المضادة للرأسمالية" كسلاح  فتاك ضد قوى الهيمنة الغربية بغية انتزاع المصادقة والشرعية لبلوغ مكانة نافذة ضمن توازنات الدول القومية في الشرق الأوسط"، ويشير أن الأوليغارشية الإيرانية باشرت في راهننا بخوض صراع ضد إسرائيل بشأن بسط الهيمنة على الشرق الأوسط ونخص بالذكر أنها تعمل على استخدام أنشطتها النووية كثاني ورقة ضغط بيدها لمآربها هذه.

ويضيف أوجلان "التوتر الملاحظ في راهننا بين إيران وإسرائيل لا يجري بين دولتين قوميتين فحسب بل يجري  بين نظامي قوتين تعملان على بسط هيمنتهما, لذا ينبغي التوقف عند إيران عن كثب أكبر نظراً لكونها ثاني قوة لاهثة وراء بسط الهيمنة".

ويشير أوجلان أن فرصة الأوليغارشية الشيعية الإيرانية في النجاح جد متدنية في حال لم تصب تركيزها على خيار حداثةٍ جذريةٍ في عصرٍ تعولمَ فيه النظام القائم إلى أقصاه، كما أنها تقوم بحسابات تشكيل حلفٍ منفردٍ بذاته، كما تتطلع إلى توظيف سوريا في توسيع التحالف الذي أبرمته مع جمهورية حزب العدالة والتنمية التركي AKP الثانية على خلفية معاداة الكرد.

فالتحالف الإيراني مع تركيا التي تولت زعامة المسلمين السنة، ومحاصرتها للسعودية التي كانت على الدوام، قبلة المسلمين، والتحالف الثلاثي بين إيران وتركيا وقطر، ألغى دور السعودية ومصر في الشرق الأوسط لصالح إيران، وهدد مصالح الغرب بتشكل حلف يمكن أن يشكل خطراً على المصالح الأمريكية والغربية في المنطقة. لذا تلجأ أمريكا والدول الغربية إلى إعادة الملف النووي الإيراني للضغط على إيران من أجل انتزاع تنازلات منها تهم مصالحهم في المنطقة.

(ح)

ANHA