قطر كقاعدة للعثمانية الجديدة

إن الدور القطري في الترويج للعثمانية الجديدة والاستقواء بأنقرة على العواصم العربية بات واضحاً ولعل إنشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر كان رسالة واضحة لكبريات العواصم الخليجية بأن ارتباط الدوحة مع العواصم الإقليمية الطامعة في التوسع على حساب الدول العربية إن أنقرة أو طهران بات حقيقة شاخصة على الأرض.

قطر كقاعدة للعثمانية الجديدة
الأحد 29 نيسان, 2018   02:11

شيرزاد يزيدي

ليست المرة الأولى التي تتحفظ فيها قطر على إدانة وزراء الخارجية العرب خلال اجتماعهم التمهيدي للقمة العربية الأخيرة، الاحتلال التركي لمناطق واسعة من الشمالين السوري والعراقي خاصة بعد احتلال عفرين، فهي كانت قد تحفظت قبلاً بُعيد بدء الغزو التركي على بيان تنديدي مشابه من قبل وزراء الخارجية العرب.

والواقع أن دور قطر التخريبي في سورية خصوصاً وفي عموم المنطقة من المغرب إلى الخليج ليس سراً ولعل الأزمة المستفحلة بينها وبين بقية عواصم الخليج العربية خير شاهد، فالدوحة متورطة في رعاية الإرهاب وتمويله منذ حقبة قاعدة أسامة بن لادن في عز ازدهارها و"غزوتي" واشنطن ونيويورك وصولاً إلى النصرة وداعش وعلى وقع تفجر الأوضاع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مطالع هذا العقد وما سمي بالربيع العربي وخاصة في سورية وحرف الانتفاضة الشعبية على نظام البعث عن مسارها وتحولها إلى صراع دموي على السلطة وحرب مذهبية وأهلية طاحنة في إطار صراع إقليمي ودولي كبير في سورية، وعليه فقطر كانت من أبرز المستثمرين في تلك الحرب والنافخين في اوارها وباعتراف وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم الذي كشف صراحة وبالأرقام كيف أنهم دفعوا عشرات مليارات الدولارات في سبيل شراء بل تصنيع "المعارضة" المفصلة على مقاسات بعينها للامساك بدفة الصراع وتحديد مآلاته ودوماً بالتنسيق التام مع أنقرة، ولعل العاصمتين الأكثر تسبباً في حرف ما سمي الثورة السورية نحو خيارات العسكرة والأسلمة والتطييف هما الدوحة وأنقرة اللتان لا يقل دورهما التخريبي والتدميري في سورية عن دور طهران بأي حال.

وهنا فأن الدور القطري في الترويج للعثمانية الجديدة والاستقواء بأنقرة على العواصم العربية بات واضحاً ولعل إنشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر كان رسالة واضحة لكبريات العواصم الخليجية بأن ارتباط الدوحة مع العواصم الإقليمية الطامعة في التوسع على حساب الدول العربية إن أنقرة أو طهران بات حقيقة شاخصة على الأرض، فاصطفاف الدوحة مع إيران تارة ومع تركيا تارة وبالضد من المصالح الخليجية والعربية العامة، ليس بحاجة إلى اكتشاف، والمثال الأسطع والأقرب هنا دعمها العلني سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً لاحتلال أنقرة لعفرين وغيرها من مناطق شمال سورية واندراجها في سياق الصفقة الدموية بين أنقرة وموسكو وطهران وكتحصيل حاصل نظام الأسد والتي مفادها عفرين مقابل الغوطة ما يكشف مدى ارتفاع منسوب النفاق في السياسة القطرية التي لطالما سخرت ماكيناتها الإعلامية الرائدة في النفخ في الخطاب الشعبوي القوموديني في العالم العربي وتحولت إلى منصة للترويج للعثمانية الجديدة وللتيارات الاخوانية والإسلاموية بعمومها والتي لعبت جنباً إلى جنب النظم العسكرية والديكتاتورية الدور الأبرز في تسعير لهيب الاحترابات الأهلية في المنطقة ووأد ما سمي ذات غفلة الربيع العربي الذي تتحمل الدوحة قسطاً غير يسير في اجهاضه وتحويله خريفاً دموياً، فالدوحة التي لطالما ادعت العمل على إسقاط نظام الأسد ها هي بقدرة قادر تصمت صمت القبور على الاتفاق الروسي - التركي - الايراني لتقاسم النفوذ في سورية وإعادة تأهيل النظام عبر القضاء على ما تبقى من جيوب خارج سيطرته ولو كلف ذلك الضرب بالكيماوي مع محاولة اجهاض تجربة الشمال السوري الفيدرالية عبر احتلال عفرين والسعي للتمدد أبعد منها إن أتيح لأنقرة ومن يقف خلفها ذلك بهدف القضاء على التجربة الديمقراطية الوحيدة في هذه السورية المنكوبة التي تمكنت من خلالها مختلف مكونات الشمال السوري وشعوبه من التوافق والتشارك لبناء نظام اتحادي يمثل وصفة حل وطنية عامة.

صحيح أن قطر تكاد تكون مجهرية وغير ملحوظة على خارطة العالم لكنها بارتباطاتها المشبوهة وأدوارها العازفة على وتر النفخ في النزعات العثمانية التوسعية والاخوانية الإسلاموية تلعب دوراً تخريبياً أكبر من حجمها بكثير ما سيرتد ولا شك عليها كون الاستثمار في الإرهاب والقوى التوسعية وكما تفيد التجارب عادة ما ينقلب على صاحبه، فلولا ايغالها في ممارسة هذه الأدوار الخطرة والسلوكات المدمرة لما شاهدنا المقاطعة ووقف العلاقات الدبلوماسية معها تمتد من الرياض وأبو ظبي إلى القاهرة.