العطار الذي بات صيدلياً وطبيباً في حلب

ما زال محله الصغير في الحي الذي هاجمه أكثر من مئة فصيل عسكري خلال ستة أعوام متواصلة بنفس الواجهة التي كان جلياً اختراق بعض الشظايا لأجزاء منها، رفوفه المغبرة بفعل رماد القذائف المنهمرة على نفس الشارع الواقع بحي الشيخ مقصود شرقي تدل بشكل غير مباشر على مدى قدم محل أبو بشار العطار المعروف بأنه أحد أشهر العطارين بمدينة حلب.

العطار الذي بات صيدلياً وطبيباً في حلب
العطار الذي بات صيدلياً وطبيباً في حلب
العطار الذي بات صيدلياً وطبيباً في حلب
العطار الذي بات صيدلياً وطبيباً في حلب
الجمعة 27 نيسان, 2018   02:47

روج موسى – أحمد رشيد /حلب

أبو بشار العجوز الذي دخل عقدهُ السبعين، افتتح محله في الشيخ مقصود مجدداً عقب سنوات من الغياب بالشيخ مقصود، يكنس بمكنسة الغبار أمام محله الذي افتتحه عام 1989 متأملا حالة محله الذي كان ممتلئاً بالأعشاب الطبيعية والبهارات الأصلية والمواد الطبيعية، فالعجوز الذي فتح محله مجدداً ببعض من البضائع الجديدة والأعشاب التي جمعها بنفسه من الأراضي المحيطة بحلب رغم خطورة الأمر.

حالة محل أبو بشار لم تختلف عن المئات من المحال التجارية الأخرى في الحي، ولكن إرادة أبو بشار وارتباطه بتراب الحي المقاوم ومحبتها لأهله الذي يعتبر نفسه من بينهم كانت السر الحقيقي لعودة أبو بشار لمباشرة عمله بالعطارة في الحي.

خبرة 60 عاماً في العطارة

شريف بشير ولاية والمعروف باسم أبو بشار في حلب، من أبناء حي المغازلة الذي يعتبر من أقدم أحياء مدينة حلب القديمة وهو أب لثلاثة شباب ومثلهن من البنات، ورث مهنة العطارة من والده قبل 60 عاماً التي ترك أبو بشار دراسته من أجل إتقان هذه المهنة بشكل خاص.

يشير أبو بشار إلى الشارع الذي يرفد بالقول بأنه كان سوقاً شعبياً ولكنه الآن ليس مثلما كان عليه من قبل، فالأهالي أغلبهم باتوا عوائل شهداء وجرحى وبعضهم نزحوا نتيجة الهجمات الوحشية على مدار الست الأعوام الماضية، فمحل أبو بشار كان مكاناً للسمانة والصيدلة وحتى كان  كعيادة، فخبرة أبو بشار التي تتجاوز الستين عاماً في مهنة العطارة والأعشاب طبيعية عالجت الآلاف من المدنيين الذين كانوا يقدمون حتى من مناطق سورية أخرى مثل حمص ودمشق.

رغم سرقة جل ممتلكاته.. عاد للبدء من جديد

الشعبية الكبيرة لأبو بشار بين أهالي الحي وارتباطه بالحي كانا الدافعين الرئيسيين لافتتاح المحل من جديد من قبله، فعلى الرغم من سرقة 3 مستودعات و3 محال تجارية أخرى له من قبل مرتزقة الاحتلال التركي عام 2013، قام أبو بشار بجمع بعض الأعشاب الطبيعية وتجهيز بعض الخلطات الصحية والعديد من البهارات التي يقوم بتجهيزها يدوياً وبمواد طبيعية تماماً، فالثقة الشعبية بخلطات ومنتجات أبو بشار كانت عاملاً مشجعاً له لافتتاح محله رغم إمكانياته الضعيفة.

تضرر أبو بشار من المفرزات السلبية للأزمة السورية، فما عدا فقدانه لكل منتجاته التجارية وأعشابه الطبيعية خلال أعوام الحرب، فباتت اليوم مهنة العطارة من أصعب المهن في سوريا، بسبب قلة مصادر التزود بالمواد الطبيعية من الخلطات والأعشاب وخاصة سوق العطارين الذي تعرض لأضرار كبيرة في عام 2016 أثناء الاشتباكات بين مرتزقة الاحتلال التركي وقوات النظام والتي كانت تعرف بمعركة الأحياء الشرقية لمدينة حلب.

حيث كان يعتبر سوق العطارين مصدر أساسي لتزويد عطاري سوريا بالمواد، ولكن ومع قطع طرق التجارة الدولية الداخلة إلى سوريا وعلى رأسها طريق الحرير القديم القادم من الهند محملاً بالبهارات زاد عبئاً على كاهل العطارين، ولكن على الرغم من جميع المعوقات يحاول أبو بشار عبر جمعه  للأعشاب بيديه وطحنه للحبوب ذات الفائدة الصحية وتجهيزه للخلطات الاستمرار في العمل مستفيداً من تجربة عمرها 60 عاماً في هذا المجال.

منقذ للوضع الطبي في الشيخ مقصود

فالبعض من أهالي حلب ينادون أبو بشار بالطبيب أيضاً إلى جانب صفة العطار، فالخلطات التي يقوم أبو بشار بتجهيزها من الأعشاب وغيرها كانت الدواء الوحيد لآلاف من المرضى خلال 60 عاماً الماضية، فخبرته بالطب العربي واستفادته من خبرة والده  القديمة بالأعشاب وتوظيفها في عمله كانت كفيلة بمواظبته للعطارة، فإلى جانب قيام المئات من المدنيين بالاستفادة من خلطاته في الأمراض الجلدية والتنفسية وحتى في أمور تخفيف الضغط والتحكم بسكر الدم، الأمر الذي يعتبر أمراً جيداً في الوقت الحالي بالحي الذي يشهد قلة في عدد الأطباء الاختصاصيين.

فيبدو من الحالة الصحية لأبو بشار بأنه يعمل في مجال صحي وطبيعي، فالعمر الكبير لأبو بشار لا يبدو واضحاً عليه، أي بمعنى آخر مهنة العطارة التي يعمل بها أبو بشار من صغره كانت سراً في بقاءه شباباً وحتى في معاملته التي تعتبر مميزة مع زبائنه  الذين يزورونه حتى ولو لإلقاء السلام فقط.

قيمة عفرين الكبيرة لدى العطارين

يتحدث أبو بشار وتبدو علامة الحسرة واضحة في عينه وكأنه من أبناء عفرين الذين يعيش معهم منذ 30 عاماً في الشيخ مقصود والذين تم تهجيرهم قسراً قائلاً بأن عفرين كسرت ظهره أيضاً، حيث يذكر بأنه كان يشتري أغلب المؤون من عفرين وخاصة زيت الزيتون والذي يعرف بأنه من النخب الأولى على مستوى الشرق الأوسط بالإضافة لشرائها من أهالي عفرين العديد من المواد الطبيعية مثل السماق ودبس العنب والزبيب والأعشاب الطبيعية التي كانت تكثر في براري وغابات عفرين لتسويقها في الأسواق الشعبية بحلب.

(س)

ANHA