باحثة مصرية: انتخابات إسرائيل لا تعني تغييراً في ثوابتها الاستراتيجية

ترى الباحثة دينا يعقوب أن حلف آيزنكوت لا يتبنى توجهاً أقل عسكرية من حلف نتنياهو بصورة مطلقة، ولا يُعدّ أكثر ميلاً إلى الحرب، إذ يكمن الاختلاف بينهما في أسلوب إدارة المواجهات وتوظيف الأدوات العسكرية والدبلوماسية، وليس في الأهداف الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية الأساسية، في تقييم لمدى التغيير في سياسة إسرائيل الخارجية.

باحثة مصرية: انتخابات إسرائيل لا تعني تغييراً في ثوابتها الاستراتيجية
السبت 7 تشرين الثاني, 2026   08:00
مركز الأخبار

تطرح الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 تشرين الأول 2026 تساؤلات بشأن مستقبل التوجهات الاستراتيجية لإسرائيل وانعكاساتها على توازنات الشرق الأوسط، في ظل التنافس بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت على رئاسة الحكومة، واستمرار تداعيات حرب غزة، وتصاعد التوتر مع إيران، وتعدد جبهات المواجهة في لبنان وسوريا، إلى جانب الضغوط الدولية المتزايدة على إسرائيل.

وفي هذا السياق، ترى الباحثة المصرية دينا يعقوب أن تقييم نتائج الانتخابات لا ينبغي أن يقتصر على احتمالات انتقال السلطة، بل يجب أن يمتد إلى طبيعة الاختلاف بين نتنياهو وآيزنكوت في إدارة الملفات الأمنية والسياسية، ومدى استعداد أي حكومة جديدة لإعادة النظر في الثوابت التي تحكم السياسة الإسرائيلية.

نتائج الانتخابات وأزمة تشكيل الحكومة

وتعكس هذه النتائج، بحسب الباحثة المصرية، دينا يعقوب تراجعاً واضحاً في قدرة الائتلاف الحاكم السابق على الاحتفاظ بأغلبيته البرلمانية، لكنها لا تمنح المعارضة أغلبية مستقلة تمكّنها من تشكيل الحكومة دون تفاهمات إضافية.

وتشير الباحثة دينا يعقوب إلى أنه في تطور سياسي مهم، أعلن قادة خمسة أحزاب معارضة، في 3 تشرين الثاني، دعمهم آيزنكوت مرشحاً لتشكيل الحكومة، مع الاتفاق على بدء المفاوضات بشأن برنامجها وترتيباتها الائتلافية.

وقالت: "ومع ذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول طبيعة التعاون الممكن مع الأحزاب العربية، وهو ما يمثل أحد أبرز العقبات أمام تحويل هذا الدعم السياسي إلى أغلبية برلمانية مستقرة".

وأضافت: "وبذلك، لم تعد المسألة مرتبطة فقط بقدرة نتنياهو على الاحتفاظ بمنصبه، وإنما أيضاً بمدى قدرة آيزنكوت على تحويل تحالف المعارضة إلى ائتلاف حكومي متماسك. وتظل احتمالات تشكيل حكومة وحدة وطنية أو استمرار حالة التعثر السياسي قائمة، في ظل تباين مواقف الأحزاب بشأن القضايا الأمنية والدينية ومستقبل العلاقة مع الأحزاب العربية".

إيران واستمرارية العقيدة الأمنية الإسرائيلية

وفيما يتعلق بالملف الإيراني، ترى دينا يعقوب أنه "يمثل أحد أهم محددات السياسة الأمنية الإسرائيلية، ومن غير المرجح أن يؤدي انتقال السلطة، إذا تحقق، إلى تغيير جوهري في الموقف الإسرائيلي من طهران. فنتنياهو وآيزنكوت يتفقان على اعتبار البرنامج النووي الإيراني تهديداً استراتيجياً، وعلى ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مع الاحتفاظ بالخيار العسكري ضمن أدوات التعامل مع هذا التهديد".

وتابعت في التقييم "لكن الاختلاف المحتمل بينهما يتعلق بطبيعة إدارة المواجهة وأدواتها، فقد ارتبطت سياسة نتنياهو بتوسيع نطاق الضغوط السياسية والعسكرية على إيران، بينما طرح آيزنكوت مقاربة تركز على الجمع بين الضغوط الدبلوماسية، والرقابة الدولية المشددة، والعمل الاستخباراتي، والاستعداد العسكري عند الضرورة".

وأضافت: "تشير التصورات التي نُشرت بشأن برنامجه الانتخابي إلى اهتمامه بتقييد قدرة إيران على استعادة أنشطتها النووية، وتوسيع نطاق التعامل مع قدراتها الصاروخية. ولا يعني ذلك استبعاد استخدام القوة، بل يعكس توجهاً نحو إدارة التهديد الإيراني من خلال مجموعة متكاملة من الأدوات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية".

معللة: "بأن الاختلاف بين نتنياهو وآيزنكوت لا يتمثل في الهدف الاستراتيجي الأساسي، وإنما في أسلوب تحقيقه وتقدير تكلفته وتوقيت استخدام أدوات القوة. وستظل طبيعة التنسيق مع الولايات المتحدة عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه السياسة الإسرائيلية تجاه إيران، خاصة في ظل التداعيات المحتملة لأي مواجهة عسكرية جديدة على أمن الخليج والممرات البحرية وأسواق الطاقة".

القضية الفلسطينية ومستقبل الصراع في غزة والضفة الغربية

أما على صعيد القضية الفلسطينية، فتشير الباحثة المصرية دينا يعقوب، إلى أن المواقف المعلنة لنتنياهو وآيزنكوت لا تدل على وجود اختلاف جوهري بشأن إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة. فكلاهما يعارض هذا الخيار في الظروف السياسية الراهنة، ويؤكد ضرورة احتفاظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية على المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط.

وقالت: "ففي قطاع غزة، يتبنى الطرفان موقفاً متشدداً بشأن مستقبل حكم القطاع؛ إذ يربطان الانسحاب الإسرائيلي الكامل بنزع سلاح حماس وإنهاء سيطرتها على القطاع. كما لا يستبعد كلاهما استئناف العمليات العسكرية إذا لم يتم التوصل إلى ترتيبات تحقق هذه الأهداف".

مشيرة إلى أنه قد تختلف مقاربة آيزنكوت في إدارة المرحلة التالية للحرب، إذ أبدى استعداداً أكبر للنظر في المبادرات الدولية والترتيبات السياسية التي يمكن أن تفضي إلى استبدال إدارة حماس، مع الإبقاء على الشروط الأمنية الإسرائيلية، لكن مدى نجاح هذا التوجه يبقى مرتبطاً بمدى قبول الأطراف الفلسطينية والإقليمية والدولية بهذه الترتيبات.

وقالت متابعة في الشأن الفلسطيني: "أما في الضفة الغربية، فتظهر بعض الاختلافات الأكثر وضوحاً بين الرجلين. فآيزنكوت يؤيد الاستيطان من حيث المبدأ، لكنه يدعو إلى الالتزام بالقانون الإسرائيلي، ويعارض البؤر الاستيطانية غير المرخصة وأعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون ضد الفلسطينيين. كما يعارض مشروع E1 الاستيطاني، لما قد يترتب عليه من آثار على التواصل الجغرافي الفلسطيني بين شمال الضفة الغربية وجنوبها والقدس الشرقية".

وأضافت: "لا تعني هذه المواقف تبني آيزنكوت لحل الدولتين أو الاعتراف بالحقوق السياسية الفلسطينية كاملة، لكنها تشير إلى اختلاف في إدارة ملف الاستيطان والضفة الغربية مقارنة بسياسات حكومة نتنياهو وشركائها من اليمين المتطرف".

لبنان وسوريا وإدارة التهديدات الإقليمية

وعلى الجبهة اللبنانية، ترى دينا يعقوب أنه لا توجد مؤشرات على أن وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة سيؤدي إلى إنهاء سياسة الضغط العسكري على حزب الله، مشيرة أن كلا المعسكرين ينظر إلى القدرات العسكرية للحزب بوصفها تهديداً للأمن الإسرائيلي، ويؤكد ضرورة الحد منها ومنع إعادة بناء بنيته القتالية.

وقالت في هذا السياق: "لكن آيزنكوت قد يكون أكثر استعداداً لتوسيع الدور الدبلوماسي الأمريكي والفرنسي، والعمل مع المؤسسات اللبنانية، لا سيما الجيش اللبناني، في إطار ترتيبات أمنية تهدف إلى تقليص نفوذ حزب الله. ويعكس ذلك اختلافاً محتملاً في وسائل إدارة الملف، وليس تحولاً مؤكداً نحو الانسحاب الإسرائيلي أو تسوية سياسية شاملة".

مضيفة: "أما في سوريا، فتظل الأولوية الإسرائيلية مرتبطة بمنع تشكل تهديدات عسكرية على الحدود الشمالية، والحد من النفوذ الإيراني، والحفاظ على حرية الحركة العسكرية عند الضرورة. وتشير التصورات المنشورة عن آيزنكوت إلى أنه لا يتبنى انسحاباً فورياً من المناطق التي تعتبرها إسرائيل ذات أهمية أمنية، لكنه قد ينظر إلى الوجود العسكري باعتباره ورقة ضغط يمكن توظيفها في مفاوضات مستقبلية".

وأكدت أن أي تغيير في القيادة الإسرائيلية قد يؤثر في أسلوب إدارة الجبهتين اللبنانية والسورية، لكنه لا يعني بالضرورة تغيير الاعتبارات الأمنية التي تحكم السياسة الإسرائيلية تجاههما.

العلاقات الدولية والتطبيع الإقليمي

وفيما يتعلق بالعلاقات الدولية، تعتقد دينا يعقوب أن طبيعة إدارة العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية قد تشهد اختلافاً نسبياً في حال وصول آيزنكوت إلى السلطة، لافتة لما تعرضت له إسرائيل خلال السنوات الأخيرة لضغوط دبلوماسية متزايدة بسبب الحرب في غزة، وتداعياتها الإنسانية، والخلافات المتعلقة بسياسات الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

وقالت عن ذلك: "طرح آيزنكوت خطاباً يركز على استعادة الثقة مع الحلفاء الغربيين، وتحسين التنسيق مع الولايات المتحدة، وتقليل التوتر مع الدول الأوروبية. وقد يمنحه ذلك مساحة أكبر للتعامل مع المبادرات الدبلوماسية الدولية، مقارنة بالنهج التصادمي الذي اتبعته حكومة نتنياهو في عدد من الملفات".

وأضافت في السياق نفسه: "غير أن تحسين العلاقات الدولية لا يعني بالضرورة تغييراً في المواقف الإسرائيلية الأساسية تجاه القضية الفلسطينية، فموقف آيزنكوت الرافض لإقامة دولة فلسطينية مستقلة يظل قيداً رئيساً على إمكانية تحقيق تقدم حقيقي في عملية السلام".

أما فيما يتعلق بالتطبيع العربي، قالت دينا يعقوب إن إسرائيل ستستمر في السعي إلى توسيع علاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية مع الدول العربية، خاصة في ظل المصالح المشتركة المرتبطة بالأمن الإقليمي والتكنولوجيا والطاقة. لكن استمرار الحرب في غزة وغياب أفق سياسي واضح للقضية الفلسطينية يضعان قيوداً حقيقية أمام توسيع هذا المسار، خصوصاً فيما يتعلق بإمكانية التوصل إلى اتفاق تطبيع مع المملكة العربية السعودية.

انعكاسات التحولات الإسرائيلية على الأمن القومي المصري

وتلفت دينا يعقوب إلى أن الانتخابات الإسرائيلية تكتسب أهمية مباشرة بالنسبة لمصر، نظراً لارتباط الأمن القومي المصري بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، وترتيبات الحدود الشرقية، ومستقبل القضية الفلسطينية، فضلاً عن أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط.

مشيرة إلى أن ملف غزة في مقدمة هذه التحديات، وقالت: "استمرار العمليات العسكرية أو تعثّر التوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية مستقرة قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على الحدود المصرية، ويعيد احتمالات التصعيد إلى الواجهة، وتظل القاهرة متمسكة برفض تهجير الفلسطينيين قسرياً إلى الأراضي المصرية، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، وضمان عدم تحويل سيناء إلى بديل عن الحل السياسي للقضية الفلسطينية".

مضيفة: "كما يرتبط الأمن المصري بمستقبل الترتيبات الأمنية في محور فيلادلفيا ومعبر رفح، وبأي تغييرات محتملة في طبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي بالقرب من الحدود المصرية، ومن ثم، فإن التعامل مع أي حكومة إسرائيلية جديدة سيظل مرتبطاً بالحفاظ على الالتزامات الأمنية القائمة، ومنع فرض وقائع أحادية الجانب تمس السيادة المصرية أو المصالح الفلسطينية".

منوهة إلى أنه على المستوى الإقليمي الأوسع، فإن تصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران قد ينعكس على أمن الملاحة في البحر الأحمر، وحركة التجارة عبر قناة السويس، واستقرار أسواق الطاقة، كما أن استمرار التوتر في لبنان وسوريا يضيف أبعاداً جديدة إلى معادلات الأمن الإقليمي، ويزيد من أهمية التنسيق المصري مع الشركاء العرب والدوليين لاحتواء التصعيد.

وقالت مؤكدة: "من هذا المنطلق، فإن أهمية الانتخابات الإسرائيلية بالنسبة لمصر لا تتوقف عند هوية رئيس الحكومة القادم، وإنما ترتبط بطبيعة السياسات التي ستتبناها حكومته تجاه غزة، والحدود المصرية، والقضية الفلسطينية، والتوازنات الإقليمية".

د. دينا يعقوب:

أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة بدر في القاهرة، وباحثة متخصصة في العلاقات الدولية، وتحليل السياسة الخارجية، وقضايا الأمن الإقليمي وشؤون الشرق الأوسط.

(أم)