الأمم المتحدة تفشل بعد 35 عاماً في تنفيذ مهمة الاستفتاء الذي طالبت به البوليساريو

أنهت الأمم المتحدة 35 عاماً من عمل بعثتها في الصحراء الغربية "مينورسو"، دون تحقيق الغاية المرجوة من إنشائها والمتمثلة في تنظيم استفتاء يتيح لشعب الإقليم تقرير مصيره، وسط استمرار النزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو وتعثر الجهود الدولية للتوصل إلى تسوية سياسية.

الأمم المتحدة تفشل بعد 35 عاماً في تنفيذ مهمة الاستفتاء الذي طالبت به البوليساريو
الأحد 1 تشرين الثاني, 2026   09:24
مركز الأخبار

بدأت الأمم المتحدة، اليوم، مرحلة تصفية بعثتها للاستفتاء في الصحراء الغربية "مينورسو"، عقب انتهاء ولايتها دون أن يتمكن مجلس الأمن الدولي من الاتفاق على تمديد تفويضها، في تطور يضع حداً لوجود بعثة أممية استمر 35 عاماً، كانت تتولى مراقبة وقف إطلاق النار والعمل على تهيئة الظروف لتنظيم استفتاء يحدد مستقبل الإقليم.

وبحسب بيان للمتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، اليوم، فإن الأول من تشرين الثاني يمثل بداية مرحلة تصفية البعثة، التي سيشرف عليها فريق مصغر يقدم تقاريره إلى إدارة الأمم المتحدة لدعم العمليات، ويتولى تنظيم نقل أصول الدول المساهمة بقوات إلى البلدان المعنية، والتصرف بالمعدات المملوكة للأمم المتحدة.

من جهته أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن امتنانه العميق لأفراد البعثة، مشيداً بالدور الذي أدته منذ إنشائها عام 1991 في مراقبة وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف المواتية للتوصل إلى حل سياسي، كما وجّه تحية إلى أفراد البعثة العشرين الذين فقدوا حياتهم خلال أداء مهامهم على مدى العقود الماضية.

وجاء انتهاء التفويض بعد فشل مجلس الأمن، الجمعة 30 تشرين الأول، في اعتماد مشروعي قرارين أمريكي وروسي لتمديد ولاية البعثة.

إذ استخدمت روسيا حق النقض "الفيتو" ضد المشروع الأمريكي، الذي حظي بتأييد 11 عضواً، فيما لم يحصل المشروع الروسي على الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده، بعد تأييد ثلاثة أعضاء له وامتناع 11 عن التصويت.

ودعا غوتيريش جميع الأطراف إلى التعاون الكامل لضمان إتمام عملية التصفية بصورة منظمة وفي أقرب وقت ممكن، مشدداً على أن مغادرة البعثة لا تلغي الحقوق غير القابلة للتصرف لشعب الصحراء الغربية، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير، ومطالباً الأطراف باحترام تلك الحقوق وتعزيزها.

كما أعرب الأمين العام عن قلقه إزاء الوضع الأمني في المنطقة ومخاطر تصاعد الأعمال العدائية، داعياً جميع المعنيين إلى ضبط النفس والامتناع عن أي خطوات من شأنها زيادة التوتر أو تقويض الاستقرار الإقليمي. وأكد استمرار التزام الأمم المتحدة بدعم التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول، يكفل حق شعب الصحراء الغربية في تقرير المصير، من خلال المبعوث الشخصي للأمين العام ستيفان دي ميستورا.

الصحراء الغربية.. إقليم متنازع عليه منذ عقود

تقع الصحراء الغربية في شمال غرب القارة الإفريقية، على ساحل المحيط الأطلسي، وتحدها المغرب من الشمال، وموريتانيا من الجنوب والشرق، والجزائر من الشمال الشرقي.

وكانت خاضعة للاستعمار الإسباني حتى عام 1975، حين انسحبت إسبانيا من الإقليم، لتبدأ مرحلة جديدة من النزاع حول مستقبله بين المغرب وجبهة البوليساريو، وهي حركة سياسية وعسكرية تأسست عام 1973 وتطالب باستقلال الإقليم.

وتعود جذور النزاع إلى عام 1975، عندما طالبت كل من المغرب وموريتانيا بالسيادة على الإقليم عقب اقتراب انسحاب إسبانيا، في حين رفضت جبهة البوليساريو تلك المطالب وأعلنت قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.

وأدى ذلك إلى اندلاع مواجهات مسلحة بين الجبهة من جهة، والقوات المغربية والموريتانية من جهة أخرى، قبل أن تنسحب موريتانيا من النزاع عام 1979، وتواصل المغرب السيطرة على القسم الأكبر من الإقليم.

ولا تزال الأمم المتحدة تدرج الصحراء الغربية منذ عام 1963 ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، أي الأقاليم التي لم يكتمل مسار تقرير مصيرها وإنهاء وضعها الاستعماري وفق إطار الأمم المتحدة.

ويتمحور الخلاف الأساسي حول مستقبل الإقليم، إذ تدعو جبهة البوليساريو إلى تنظيم استفتاء يتيح للصحراويين الاختيار بين الاستقلال والاندماج مع المغرب، بينما تطرح الرباط مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره أساساً لتسوية النزاع.

وتسيطر المغرب على الجزء الأكبر من الإقليم، ولا سيما المناطق الساحلية والمدن الرئيسية، فيما توجد جبهة البوليساريو في مناطق شرق وجنوب الإقليم، خلف الجدار الرملي الذي يفصل مناطق انتشار القوات المغربية عن المناطق الواقعة شرق الجدار.

كما يقيم عشرات الآلاف من اللاجئين الصحراويين في مخيمات قرب مدينة تندوف الجزائرية، منذ اندلاع النزاع، في ظل استمرار تعثر التوصل إلى تسوية نهائية تضمن تحديد الوضع السياسي للإقليم.

استفتاء لم يُجرَ ووقف إطلاق نار انهار عام 2020

وفي محاولة لإنهاء النزاع، توصلت الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية، في ثمانينيات القرن الماضي، إلى مقترحات تسوية وافق عليها المغرب وجبهة البوليساريو عام 1988، تضمنت وقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء يتيح لسكان الإقليم تقرير مستقبلهم.

وبموجب قرار مجلس الأمن رقم 690 الصادر في 29 نيسان 1991، أُنشئت بعثة "مينورسو" للإشراف على تنفيذ خطة التسوية، ومراقبة وقف إطلاق النار، والمساعدة على تنظيم الاستفتاء.

ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في السادس من أيلول من العام نفسه، إلا أن الخلافات بشأن تحديد هوية الناخبين المؤهلين للمشاركة في الاستفتاء حالت دون تنظيمه، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على إنشاء البعثة.

وظلت البعثة تؤدي مهامها في مراقبة الوضع العسكري والأمني، والتحقق من التطورات الميدانية، والعمل على الحد من التوتر بين الطرفين، إلى جانب دعم جهود الأمم المتحدة السياسية والإنسانية، بما في ذلك تسهيل التواصل بين العائلات الصحراوية التي فرّقها النزاع، ومساندة أنشطة إزالة الألغام ومخلفات الحرب.

لكن وقف إطلاق النار الذي استمر بصورة عامة منذ عام 1991 انهار في تشرين الثاني 2020، بعد تجدد المواجهات بين القوات المغربية وجبهة البوليساريو، وإعلان الأخيرة استئناف الكفاح المسلح. ومنذ ذلك الحين، تشهد المنطقة أعمالاً عسكرية متقطعة ومنخفضة الحدة، فيما واصلت البعثة الأممية مراقبة التحركات العسكرية والتطورات الأمنية والدعوة إلى وقف الأعمال العدائية.

انتهاء مهمة المراقبة ومخاوف من فراغ ميداني

ويأتي انتهاء ولاية "مينورسو" في وقت لا تزال فيه الخلافات السياسية بين المغرب وجبهة البوليساريو قائمة، من دون التوصل إلى اتفاق بشأن مستقبل الإقليم أو آلية تضمن ممارسة شعبه حقه في تقرير المصير.

كما أن فشل مجلس الأمن في تمديد التفويض يعكس استمرار الانقسام الدولي حول طبيعة التسوية، ولا سيما بين الطرح الأمريكي الداعم لمقترح الحكم الذاتي المغربي، والموقف الروسي الذي عارض صيغة المشروع الأمريكي وتمسك بتمديد ولاية البعثة.

ويثير غياب البعثة، التي ظلت لسنوات الجهة الأممية المحايدة الوحيدة التي تراقب الوضع على جانبي الجدار الرملي، تساؤلات بشأن مستقبل متابعة التطورات العسكرية والتحقق من الانتهاكات المحتملة لوقف إطلاق النار، فضلاً عن تداعيات ذلك على فرص خفض التصعيد في المنطقة.

ورغم بدء إجراءات التصفية، تؤكد الأمم المتحدة أن انتهاء وجود البعثة لا يعني تخليها عن مسؤوليتها في دعم المساعي السياسية، إذ سيواصل المبعوث الشخصي للأمين العام ستيفان دي ميستورا جهوده للتوصل إلى تسوية سلمية، في وقت لا تزال فيه الصحراء الغربية واحدة من أطول قضايا إنهاء الاستعمار العالقة على جدول أعمال الأمم المتحدة.

(أم)