مستحقات معلّقة وتمويل متعثر.. ما مستقبل المصرف الزراعي التعاوني في سوريا؟

تتزايد المخاوف بشأن مستقبل المصرف الزراعي التعاوني في سوريا، في ظل تأخر صرف مستحقات المزارعين عن أثمان القمح، وتعثر عمليات التمويل الزراعي، وغياب معلومات واضحة عن الخدمات التي يواصل المصرف تقديمها، بالتزامن مع اقتراب موسم زراعة القمح وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج.

مستحقات معلّقة وتمويل متعثر.. ما مستقبل المصرف الزراعي التعاوني في سوريا؟
السبت 24 تشرين الأول, 2026   04:00
مركز الأخبار

للمرة الأولى منذ نحو 38 عاماً، يتأخر المصرف الزراعي التعاوني الحكومي في سوريا صرف مستحقات مزارعي القمح على هذا النحو، في تطور يثير تساؤلات بشأن قدرة المصرف على مواصلة دوره التقليدي في تمويل القطاع الزراعي، في ظل أزمة مالية وإدارية وتغيرات تشهدها السياسة النقدية والمصرفية في البلاد.

ويسود في الأوساط المصرفية خلاف بشأن مستقبل المصرف الزراعي التعاوني، بين الإبقاء عليه وفق قانونه الحالي، أو تحويله إلى مصرف زراعي إسلامي، بالتوازي مع توجه الجهات المعنية إلى وقف التعامل بالفوائد، والحديث عن إدخال مصارف جديدة إلى سوريا، بينها مصارف تقدم خدمات تمويلية للقطاع الزراعي.

ويضم المصرف الزراعي التعاوني، وفق هيكليته، شبكة من 106 فروع، ما يجعله من أوسع المصارف انتشاراً في البلاد، كما اعتاد خلال سنوات عمله تقديم خدمات تمويلية وعينية للمزارعين، تشمل قروضاً قصيرة الأجل لتغطية تكاليف البذار والأسمدة والحراثة والري والمحروقات ومستلزمات الإنتاج، إلى جانب تمويل شراء الآليات الزراعية والمشاريع المرتبطة بالإنتاج النباتي والحيواني.

ووفق مصادر لوكالتنا، فأن المصرف أوقف عملياته التمويلية المعتادة المقدمة للمزارعين، بما فيها تمويل شراء الجرارات، ومشاريع الطاقة الشمسية، والمستلزمات الزراعية، ومشاريع الدواجن، ما دفع عدداً من الفلاحين إلى البحث عن بدائل تمويلية في وقت لا تزال فيه مستحقاتهم عن محصول القمح عالقة.

وأضافت أن معدلات الفائدة على القروض التي كان المصرف الزراعي يمولها بلغت نحو 16%، مقابل معدلات تصل إلى 26% لدى مؤسسات تمويلية أخرى تقدم تمويلاً محدوداً للفلاحين تحت مسمى "مشاريع أسرية".

ومع ارتفاع سعر صرف الدولار بأكثر من 800 ليرة سورية قديمة منذ بدء تسويق القمح وحتى الآن، وجد مزارعون أنفسهم مضطرين إلى شراء مستلزمات الإنتاج للموسم الزراعي المقبل وفق الأسعار الجديدة، بينما بقيت مستحقاتهم في المصرف، من دون تمكينهم من سحبها كاملة.

نقص السيولة وتداخل الصلاحيات

ويعيد عدد من المسؤولين في المصرف، حالة الجمود وتأخر المصرف الزراعي في صرف المستحقات أو ممارسة نشاطه التمويلي المعتاد إلى التخبط الإداري وتداخل الصلاحيات بين وزارة الزراعة، التي أعلنت تقديم "قرض حسن" للمزارعين، والمصرف الزراعي التعاوني التابع لوزارة المالية والخاضع لإشراف مصرف سوريا المركزي.

ويقول المصرفيون إن آلية تنفيذ القرض، والجهة المسؤولة عنه، والفئات المستفيدة منه، لم تتضح بصورة كافية، رغم الإعلان عن تمويل يهدف إلى دعم الإنتاج الزراعي، ولا سيما محصول القمح.

وفي هذا السياق، كانت وزارة الزراعة قد أعلنت في تشرين الثاني 2025 مشروع "القرض الحسن" لزراعة القمح، مستهدفاً زراعة 300 ألف هكتار، مع توقعات بإنتاج يتجاوز مليون طن، بما يؤمّن نحو 35% من احتياجات سوريا من القمح.

وقدّرت الوزارة الميزانية اللازمة للمشروع بنحو 75 مليون دولار، موضحة أن آليته تقوم على توفير مستلزمات الزراعة، بما فيها بذار القمح والأسمدة الآزوتية والفوسفاتية، على أن يسدد المزارعون قيمة القرض بعد جني المحصول من دون فوائد.

وفي 29 تشرين الثاني 2025، ناقش وزير الزراعة آنذاك أمجد بدر مع مدير المصرف الزراعي التعاوني أحمد الزهري ومديري الزراعة في المحافظات آلية تنفيذ المشروع، الذي تضمن تقديم بذار وأسمدة للمزارعين، مع التركيز على الأراضي المروية.

وفي الأول من تشرين الأول الجاري، بحث وزير الزراعة باسل السويدان مع الأمين العام لرئاسة الجمهورية عبد الرحمن الأعمى سبل تطوير القطاع الزراعي وتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية، بما في ذلك تحسين آليات التمويل الزراعي ومشروع القرض الحسن، إلى جانب ملفات تتعلق بالحبوب والمصرف الزراعي والموارد المائية.

وأشارت الوزارة وفق ما نشر على موقعها، أن للاجتماع أهمية استكمال المقترحات والتنسيق بين الجهات المعنية لتسهيل حصول المزارعين على التمويل ومستلزمات الإنتاج.

ومع ذلك، تحدثت مصادر لوكالتنا عن غموض في آلية التمويل وتداخل المسؤوليات بين الجهات المعنية، في وقت يحتاج فيه المزارعون إلى السيولة لبدء موسم جديد، وتسديد الديون المتراكمة عليهم.

تأخر الصرف يمتد إلى عدة محافظات

ولا تقتصر أزمة المستحقات على محافظة واحدة، فقد شهدت الحسكة والرقة ودير الزور، وحماة، وحمص، شكاوى متكررة من تأخر دفع أثمان القمح الذي جرى توريده إلى مراكز الاستلام، بينما تفاوتت نسب الصرف بين المحافظات تبعاً للسيولة المتاحة وآليات الدفع المعتمدة.

وفي 20 تشرين الأول، نقلت تقارير إعلامية عن مسؤول في المصرف الزراعي بالحسكة أن استمرار الصرف بالوتيرة القائمة آنذاك قد يؤخر استكمال دفع الفواتير مدة تتراوح بين أربعة وخمسة أشهر إضافية، بسبب ضعف السيولة المالية الواردة.

لكن مدير المصرف الزراعي في المحافظة، عزو حامد العلي، نفى في اليوم نفسه تحديد هذه المدة، مؤكداً أن الإدارة العامة للمصرف تتابع مع مصرف سوريا المركزي تأمين السيولة اللازمة.

تعميم جديد لتعديل آلية الدفع

وفي 21 تشرين الأول الجاري، أصدر المصرف الزراعي التعاوني تعميماً جديداً حدد بموجبه آلية صرف مستحقات مزارعي القمح للموسم الحالي، وألغى آلية الصرف السابقة الواردة في كتاب حاكم مصرف سوريا المركزي رقم 17/944 ص بتاريخ 28 حزيران، والمعممة بموجب تعميم المصرف الزراعي رقم 201/3057 بتاريخ 12 تموز.

ونصت الآلية الجديدة على صرف كامل مستحقات القمح في محافظات حمص ودمشق وحماة وطرطوس واللاذقية ودرعا والسويداء وإدلب والقنيطرة، على أن تتسلم فروع المصرف الزراعي الكتلة النقدية اللازمة من فروع مصرف سوريا المركزي في تلك المحافظات.

وفي دير الزور، حدد التعميم معدل السحب اليومي من فرع المصرف المركزي بنحو 200 مليون ليرة، قابلة للزيادة، مع استكمال المستحقات المتبقية خلال مدة أقصاها 15 يوم عمل. أما في حلب، فحدد معدل السحب اليومي بنحو 300 مليون ليرة، قابلة للزيادة، على أن تستكمل المستحقات خلال مدة أقصاها 20 يوم عمل.

وفي الحسكة والرقة، نصت الآلية على تسليم المزارعين الذين تبلغ مستحقاتهم خمسة ملايين ليرة أو أقل كامل مستحقاتهم، بينما تُصرف مستحقات من تتجاوز قيمتها هذا المبلغ على دفعتين، مع مراعاة قوائم الدور.

ويأتي التعميم الجديد بعد أشهر من شكاوى المزارعين من تأخر الصرف وتقسيط المستحقات، إلا أن أثره الفعلي في تسريع الدفع وتجاوز أزمة السيولة لا يزال مرتبطاً بحجم الأموال التي ستصل إلى الفروع ومدى الالتزام بالمواعيد المحددة.

وفي موازاة ذلك، أنهت المؤسسة السورية للحبوب موسم تسويق القمح لعام 2026 بتسلّم نحو 2.75 مليون طن، مقابل احتياج محلي مقدّر بنحو 2.55 مليون طن، بفائض يقارب 200 ألف طن.

وتصدرت الحسكة المحافظات من حيث الكميات المسوّقة، بنحو 1.16 مليون طن، أي ما يعادل قرابة 42.2% من إجمالي الكميات المستلمة.

الأسمدة والأسعار تهددان الموسم الزراعي المقبل

ومع اقتراب موسم زراعة القمح، وبدء الزراعة مبكراً في مناطق الوسط والساحل بفعل الأمطار، يقول مزارعون إن المصرف لم يؤمّن الأسمدة الآزوتية والبوتاسية التي اعتادوا الحصول عليها للموسم، ما دفعهم إلى البحث عنها في الأسواق، حيث تتوافر أنواع متفاوتة الجودة، وبعضها مجهول المصدر أو الصلاحية والفعالية.

وتُظهر الأسعار التي أوردها المزارعون لوكالتنا تفاوتاً في تكاليف الأسمدة؛ إذ يبلغ سعر كيس السوبر فوسفات نحو 30 دولاراً، وكيس السماد الآزوتي نحو 65 دولاراً، فيما يصل سعر كيس السماد العضوي إلى نحو دولارين.

ويقول المزارعون إن الشكوك بشأن جودة بعض هذه المواد تزداد، ولا سيما أن بعضها يدخل عبر التهريب ومن مصادر مجهولة.

ويرى المزارعون أن تأخر المستحقات يحرمهم من السيولة اللازمة لتأمين البذار والأسمدة والمحروقات وأجور العمال والآليات، في وقت ترتفع فيه تكاليف الإنتاج وتتراكم الديون المترتبة عليهم.

وقد حذرت تقارير سابقة نشرته وكالتنا، من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع بعض الفلاحين إلى تقليص المساحات المزروعة أو تأجير أراضيهم لمن يملكون قدرة مالية أكبر، أو ترك الزراعة عندما تصبح تكاليفها أعلى من العائد المتوقع.

مختص: تجفيف السيولة يحمّل الفلاحين خسائر تراجع الليرة

وفي تصريح لوكالتنا ANHA، اعتبر أستاذ جامعي مختص بالمصارف والتمويل في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، فضّل عدم ذكر اسمه، أن سبب التأخير في صرف مستحقات الفلاحين يعود إلى سياسة مصرف سوريا المركزي في تجفيف السيولة، والخشية من انخفاض قيمة الليرة السورية.

وقال إن الكتلة المالية المستحقة عن أثمان القمح كبيرة جداً، وتُقدّر بأكثر من 9 تريليونات ليرة، موضحاً أن صرفها دفعة واحدة قد يدفع المزارعين، وهو حق لهم، إلى تحويل جزء من أموالهم إلى العملات الصعبة، الأمر الذي قد يزيد الضغط على الليرة.

وذكر أن تقسيط الدفع يهدف إلى تخفيف الضغط على العملة، لكنه يحمّل الفلاحين عملياً خسائر تراجع قيمتها الشرائية.

وحذّر من تقييد عمل المصرف الزراعي وصلاحياته، أو ما يُعرف بـ "بنك الفلاح"، وإيصال رسالة مفادها أن المصرف فاشل، بما قد يتيح المجال أمام دخول مصارف جديدة إلى سوريا لتقديم خدمات التمويل الزراعي، وهي خدمات يرى أنها تقع في صلب اختصاص المصرف الزراعي.

وأضاف أن ما يجري من تأخير وتعثر في دفع مستحقات الفلاحين، وعدم القدرة على حماية أرصدتهم من التضخم، يمثل حادثة غير مسبوقة بحسب تقديره، ويشكّل اختباراً لقدرة المصارف القائمة على التكيف مع متطلبات المرحلة الجديدة، وسط محاولات لإيجاد بدائل عنها.

وفي تعليقه على زيادة عدد المصارف ودور المصرف الزراعي، قال إن للمصرف تاريخاً طويلاً وخبرة واسعة في تقديم الخدمات للمزارعين، وإن دوره المستقبلي ينبغي أن يُقاس بقدرته على تعبئة المدخرات وتمويل الاستثمار والإنتاج، وليس بحبس السيولة.

واعتبر أن تعثر عمل المصرف لا يعني بالضرورة انعدام الخبرة أو الفشل المؤسسي، بل يرتبط، بحسب رأيه، بسياسة المصرف المركزي في حبس السيولة، في ظل عمل المصرف الزراعي وفق توجيهاته، محذراً من أن تقليص دوره التمويلي لا يصب في مصلحة الزراعة السورية.

وأشار إلى أن زبائن المصرف الزراعي يُعدّون من أغنى الزبائن في سوريا، وأن قيمة مستحقات القمح تؤكد ذلك، لكنه قال إن القيود المفروضة على عمل المصرف بدأت تظهر نتائجها السلبية مع حبس السيولة وتأخر صرف مستحقات الفلاحين.

مستقبل المصرف بين التمويل التقليدي والصيغ الإسلامية

وتتزامن أزمة المصرف الزراعي مع توجهات أوسع نحو تطوير أدوات التمويل الإسلامي في سوريا. ففي تشرين الثاني 2025، أعلن مصرف سوريا المركزي اعتماد سياسة لإحداث "دائرة التميز في المالية الإسلامية"، بهدف "تطوير أدوات نقدية وسيولة متوافقة مع الشريعة الإسلامية وتوسيع نطاق التمويل الإسلامي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة والإسكان والبنية التحتية".

وفي 16 أيلول 2026، أُعلن عن إطلاق أول تمويل مصرفي إسلامي مجمّع بعد سقوط النظام البعثي، بمشاركة بنك البركة – سوريا، ومصرف قطر الوطني – سوريا، والمصرف التجاري السوري، وبرعاية وزارة المالية، لتمويل مشروعي نفق المجتهد – باب مصلى واستكمال المرحلة الأخيرة من مشروع رحلة قاسيون في دمشق.

وفي ظل استمرار أزمة السيولة وتأخر صرف المستحقات، يرى مزارعون أن المصرف الذي اعتمدوا عليه لعقود في تأمين مستلزمات الإنتاج والتمويل يواجه اليوم تخبطاً إدارياً وغياباً للرؤية بشأن طبيعة عمله، رغم اتساع شبكة فروعه.

ويحذرون من أن استمرار احتجاز مستحقاتهم وعدم قدرتهم على سحبها أو حمايتها من التضخم سيضعف ثقتهم بالمصرف والجهات الحكومية، وقد يدفع بعضهم إلى بيع محصولهم بطرق غير شرعية للحصول على السيولة اللازمة.

ويعود الإطار القانوني للمصرف الزراعي التعاوني إلى المرسوم التشريعي رقم 141 لعام 1970، الذي عرّفه مؤسسة عامة ذات استقلال مالي وإداري تعمل بضمانة الدولة وتحت رقابتها، ونص على اختصاصه بعمليات الإقراض والتسليف للأنشطة الزراعية.

كما ينص القانون على أن حل المصرف لا يتم إلا بقانون يحدد أصول حله وتصفيته، ما يجعل أي تغيير جوهري في وضعه القانوني مسألة تتطلب إجراءات رسمية واضحة.

(أم)

ANHA