تشريعات مكافحة التحريض في سوريا.. اختبار التطبيق والمساءلة

يبقى تطبيق النصوص والقرارات التي أصدرتها الحكومة الانتقالية السورية لمكافحة خطاب الكراهية والتحريض وحماية السلم الأهلي موضع تساؤل، في ظل استمرار خطابات تقسيمية ومضامين تحريضية، وما تثيره من مخاوف بشأن فاعلية المساءلة وضمان تطبيق الإجراءات دون استثناء.

تشريعات مكافحة التحريض في سوريا.. اختبار التطبيق والمساءلة
الأربعاء 14 تشرين الأول, 2026   04:00
مركز الأخبار

منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، أصدرت الحكومة الانتقالية السورية سلسلة من النصوص والقرارات والإجراءات التي تناولت حماية السلم الأهلي، ومنع التحريض على العنف والكراهية وإثارة النعرات القومية والطائفية، وصولاً إلى تنظيم الخطاب الإعلامي والديني والتربوي.

غير أن استمرار تسجيل حالات تحريض وتوترات بين مكونات المجتمع يعيد طرح مسألة الانتقال من إصدار القواعد إلى تطبيقها ومساءلة المخالفين.

ويُعد الإعلان الدستوري، الذي وقّعه رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع في 13 آذار 2025، أحد أبرز هذه النصوص.

وتنص المادة السابعة منه على التزام الدولة بتحقيق التعايش والاستقرار المجتمعي، والحفاظ على السلم الأهلي، ومنع الفتنة والانقسام والتحريض على العنف، فضلاً عن ضمان التنوع الثقافي والحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين.

وفي 9 آذار 2025، أعلنت الرئاسة السورية تشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل، بهدف كشف ملابسات الانتهاكات وتحديد المسؤوليات وإحالة من تثبت إدانتهم إلى القضاء.

وفي 13 تموز 2025، تسلّم الشرع التقرير النهائي للجنة، التي أوصت باتخاذ تدابير تشريعية وتنفيذية وتعليمية لمنع التحريض على العنف والفتنة وإثارة النعرات الطائفية، ومراقبة ذلك في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الافتراضي.

وفي 10 أيار 2025، أصدرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قراراً يحظر نشر أو تداول أو ترويج أي محتوى يتضمن تحريضاً على الكراهية أو الطائفية أو العنصرية، أو إساءة إلى الوحدة الوطنية والسلم الأهلي.

ونص القرار على تعريض المخالفين للمساءلة الجزائية والمدنية والمسلكية، مع إمكان إحالتهم إلى القضاء وفق القوانين والأنظمة النافذة.

كما أصدرت وزارة التربية والتعليم، في 17 كانون الثاني 2026، قراراً يحظر تداول أي خطاب أو سلوك أو ممارسة قائمة على أساس عرقي أو طائفي أو مذهبي أو فئوي، أو تتضمن تحريضاً أو إساءة أو تمييزاً داخل المدارس والمعاهد والمؤسسات التابعة لها، مع اعتبار المخالفات إخلالاً جسيماً يستوجب المساءلة المسلكية، وإمكان الإحالة إلى القضاء الجزائي عند الاقتضاء.

وامتدت الإجراءات إلى القطاع الإعلامي، ففي 15 شباط 2026، أشهرت وزارة الإعلام "مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026"، التي قالت إنها تهدف إلى تعزيز الدقة والشفافية والموضوعية ومواجهة الشائعات والتضليل وخطاب الكراهية.

وفي 16 شباط 2026، أطلقت وزارة الأوقاف "ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي"، بهدف توحيد الخطاب الديني العام وتعزيز الاعتدال والتماسك المجتمعي.

وتؤكد هذه الإجراءات أن مكافحة التحريض باتت جزءاً معلناً من سياسات الحكومة الانتقالية في مجالات التعليم والإعلام والخطاب الديني، إلا أن تقييم فاعليتها يبقى مرتبطاً بنتائج تطبيقها، وعدد الشكاوى التي يجري التحقيق فيها، والإجراءات المتخذة بحق من تثبت مسؤوليتهم.

كما أن استمرار ظهور مضامين تتضمن، وفق توصيفات قانونية وإعلامية، يذكرها مراقبين، تحريضاً على الكراهية والعنف والتقسيم المجتمعي، إلى جانب نشر معلومات مضللة تدفع لتأجيج التوتر بين مكونات المجتمع، ويعيد طرح مسألة الانتقال من وضع القواعد والضوابط إلى تطبيقها بصورة متسقة.

مشيرين إلى أنه بين حين وآخر تظهر منشورات وتصريحات لشخصيات عامة وإعلاميين وناشطين، تتضمن خطاباً تقسيمياً أو تحريضياً، فيما لا يبدو أن الإجراءات المعلنة قد انعكست في جميع الحالات على مستوى الملاحقة أو المساءلة، الأمر الذي يفتح نقاشاً حول معايير تطبيق القواعد التي وضعتها السلطات نفسها، ومدى شمولها لجميع الخطابات والأطراف دون استثناء.

ووفق القوانين المعمول بها دولياً والخاصة بحقوق الإنسان، لا يتعلق الأمر بتقييد حرية الرأي أو النقد السياسي، التي أكد الإعلان الدستوري كذلك في سوريا حمايتها، وإنما بالحد الفاصل بين ممارسة الحق في التعبير وبين التحريض على العنف أو الكراهية وإثارة النعرات والفتنة، وهي أفعال وضعت الحكومة الانتقالية نفسها قيوداً قانونية وإدارية لمواجهتها.

وفي تأكيد، ما باتت تشهده سوريا، حذّر نائب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، في 11 تشرين الأول الجاري 2026، من تصاعد خطاب الكراهية في سوريا، خلال ورشة تشاورية عُقدت في دمشق لإعداد مقاربة وطنية لمكافحة هذه الظاهرة.

وأشار كوردوني إلى أن خطاب الكراهية يستهدف مختلف مكونات المجتمع السوري، لافتاً إلى تعرض النساء بشكل خاص للإساءة وحملات الاستهداف عبر الإنترنت، محذراً من تداعيات ذلك على الاستقرار والتماسك المجتمعي.

وشدّد كوردوني على ضرورة التصدي للخطاب التحريضي ومنع تحوله إلى دعوات للتمييز أو العداوة أو العنف، مع ضمان حماية حرية التعبير وفقاً للقانون الدولي.

ومع تعدد النصوص والقرارات الصادرة خلال الفترة الماضية، يبقى اختبار فاعليتها مرتبطاً بمدى تطبيقها على أرض الواقع، ولا سيما تجاه الخطابات التي قد تسهم في تعميق الانقسامات المجتمعية أو التحريض على العنف، بما يجعل حماية السلم الأهلي مرتبطة ليس فقط بما يصدر من نصوص، وإنما أيضاً بآليات تنفيذها ومساءلة من يتجاوزها.

(أم)

ANHA