ببصيص من الرؤية.. مواطن يواجه الحياة بإرادة لا تعرف الاستسلام

لم تمنع الإعاقة البصرية الخلقية عماد رمضان، من مدينة جل آغا، من خوض غمار الحياة والاعتماد على نفسه، بل دفعته الظروف إلى تحويل التحدي إلى دافع للعمل والعطاء. فمنذ سنوات، يعمل عماد، في بيع الخضار داخل سوق المدينة، متحدياً ضعف بصره ومتمسكاً بحقه في العمل وتأمين احتياجات أسرته بكرامة واستقلالية.

ببصيص من الرؤية.. مواطن يواجه الحياة بإرادة لا تعرف الاستسلام
ببصيص من الرؤية.. مواطن يواجه الحياة بإرادة لا تعرف الاستسلام
ببصيص من الرؤية.. مواطن يواجه الحياة بإرادة لا تعرف الاستسلام
ببصيص من الرؤية.. مواطن يواجه الحياة بإرادة لا تعرف الاستسلام
ببصيص من الرؤية.. مواطن يواجه الحياة بإرادة لا تعرف الاستسلام
الجمعة 14 آب, 2026   05:40
قامشلو
بسنة شمو

في سوق مدينة جل آغا بمنطقة الجزيرة، وبين حركة المارة وأصوات الباعة، يبدأ عماد رمضان البالغ من العمر 45 عاماً، يومه منذ ساعات الصباح، فيرتب صناديق الخضار التي يبيعها عند أحد مداخل السوق، قبل أن يبدأ باستقبال الزبائن ومتابعة عمله اليومي.

قد يبدو المشهد عادياً للوهلة الأولى، إلا أن قصة عماد تختزل سنوات طويلة من التحدي والإصرار؛ فهو ولد بإعاقة بصرية نتيجة فقدانه لقزحية العين، ولا يستطيع الرؤية سوى بشكل محدود جداً، إلا أن ذلك لم يمنعه من العمل أو دفعه إلى العزلة والاعتماد على الآخرين.

درس عماد حتى الصف التاسع، لكنه اضطر إلى ترك الدراسة في سن مبكرة بسبب الظروف المعيشية الصعبة التي كانت تمر بها أسرته، ليتجه إلى العمل ويساهم في تأمين احتياجاتها.

ومنذ شبابه، اختار عماد الاعتماد على نفسه، فتنقل بين الأعمال حتى استقر في بيع الخضار، وهي المهنة التي يمارسها منذ سنوات لتأمين مصدر دخل لعائلته. وعماد متزوج وأب لطفل، ويؤكد أن تحمله مسؤوليات أسرته كان أحد أهم الدوافع التي جعلته يتمسك بالعمل رغم الصعوبات التي تواجهه.

ولا يمتلك عماد محلاً خاصاً به، لكنه اتخذ من مدخل إحدى القيصريات في سوق جل آغا مكاناً لعرض بضاعته، حيث يرتب صناديق الخضروات كل صباح ويباشر عمله، مستفيداً من خبرته الطويلة في التعامل مع الزبائن ومتابعة تفاصيل المهنة.

وخلال جولة لوكالتنا في السوق، التقت عماد وهو يرتب بضاعته، فتحدث عن تجربته قائلاً: "منذ ولادتي لا أملك القدرة على الرؤية بشكل كامل، ولم أرَ الدنيا سوى ببصيص من الضوء، لكنني لم أعدّ ذلك نهاية المسير".

ويضيف: "الإعاقة لا تعني أن الإنسان يجب أن يتوقف عن الحياة ويعتمد على الآخرين، بل تعني أن لديه قدرات أخرى يجب أن يكتشفها ويطورها".

ويشير عماد إلى أنه منذ طفولته حاول دائماً الاعتماد على نفسه، قائلاً: "لم أعتمد أبداً على أحد، وكنت دائماً أبحث عن وسيلة أعمل بها وأعيش منها بكرامة، وخاصة مع ظروف الحياة الصعبة التي كانت تواجهها الأسرة".

ويرى أن الإرادة قادرة على تجاوز كثير من الصعوبات، موضحاً: "حين يمتلك الإنسان العزيمة يستطيع أن يتغلب على كثير من التحديات، وأنا أمضي في حياتي وأعمل مثل أي شخص في المجتمع، وأتحمل مسؤولياتي تجاه أسرتي وأسعى دائماً لتحقيقها".

وبالنسبة إلى عماد، لا يمثل العمل مجرد وسيلة للحصول على المال، بل هو أيضاً مساحة لإثبات الذات والحفاظ على الاستقلالية. ويؤكد أن الإعاقة لا ينبغي أن ينظر إليها بوصفها عجزاً يمنع الإنسان من المشاركة في الحياة، وإنما تحدياً يمكن تجاوزه بالإرادة والثقة بالنفس.

ويقول إن لكل إنسان طاقة وقدرة على العطاء، وإن الظروف الصعبة لا يجب أن تكون سبباً للاستسلام، مؤكداً أن الإنسان قادر على تطوير نفسه والإبداع في مجاله مهما كانت التحديات التي يواجهها.

وتختصر تجربة عماد حكاية رجل اختار العمل بدلاً من الاستسلام، والاستقلال بدلاً من الاتكال على الآخرين. ورغم أن عينيه لا تريان سوى بصيص محدود من الضوء، فإنه يرى بإرادته طريقاً أوسع للحياة، ويواصل كل يوم عمله في سوق جل آغا، مؤمناً بأن قيمة الإنسان تكمن فيما يستطيع أن يقدمه، لا فيما فقده.

(ح)

ANHA