أسعار الأدوية في سوريا تواصل الارتفاع رغم تحسن الليرة

يواجه السوريون استمرار ارتفاع أسعار الأدوية رغم تحسن سعر صرف الليرة السورية، وسط غياب أي نشرات رسمية جديدة للتسعير أو توضيحات من وزارة الصحة، ما يثير تساؤلات حول آلية تحديد الأسعار والجهة المسؤولة عن ضبطها.

أسعار الأدوية في سوريا تواصل الارتفاع رغم تحسن الليرة
الأحد 19 تموز, 2026   04:16
دمشق

خلال الشهر الماضي (حزيران) تحسن سعر صرف الليرة السورية من نحو 14500 ليرة مقابل الدولار الأمريكي إلى قرابة 13200 ليرة، إلا أن أسعار معظم الأدوية بقيت على حالها.

إذ لا يزال سعر ظرف السيتامول (الباراسيتامول) يبلغ نحو 8000 ليرة سورية وفق رصد ميداني، دون صدور أي قرار رسمي بتعديل الأسعار، كما كان معمولاً به سابقاً عبر نشرات وزارة الصحة.

ولا يقتصر ارتفاع الأسعار على صنف دوائي واحد، بل يشمل أدوية الأمراض المزمنة، وفي مقدمتها علاجات السكري والضغط والقلب، إضافة إلى المضادات الحيوية، وأدوية الربو والصرع والغدة الدرقية، فضلاً عن الأدوية السرطانية المستوردة التي تعد الأعلى كلفة.

وبالبحث في الموقع الإلكتروني الرسمي لوزارة الصحة في سوريا، الذي ينشر القرارات والأنشطة الرسمية، لم يُعثر على أي قرار حديث أو تصريح صحفي يتعلق بإعادة تسعير الأدوية أو خفض أسعارها، رغم تحسن سعر الصرف، ما يعزز الانطباع لدى مواطنين وصيادلة بأن السوق بات يعتمد بصورة متزايدة على آليات العرض والطلب وتسعيرات الشركات المنتجة والمستوردة.

وفي المقابل، كانت وزارة الصحة قد أكدت في تصريحات سابقة أن تسعير الأدوية يعتمد على دراسة تكاليف الإنتاج، بما يشمل أسعار المواد الأولية المستوردة والطاقة والنقل وسعر الصرف، بهدف الحفاظ على استمرار الإنتاج الدوائي وتجنب فقدان الأصناف من الأسواق، إلا أنها لم تصدر حتى الآن أي إعلان بشأن تخفيض الأسعار بعد تحسن قيمة الليرة.

وتشير المعطيات تعديلا للأسعار جرى خلال الفترة الأخيرة واقتصر على محافظة إدلب، حيث جرى تداول قرار يقضي بتخفيض أسعار الأدوية بنسبة 16 بالمئة داخل المحافظة، دون أن يصدر قرار مماثل يشمل بقية المحافظات في سوريا أو توضيح رسمي للأسباب والآلية المعتمدة.

ويضم سجل نقابة الصيادلة في سوريا أكثر من 52 ألف صيدلي، بينهم متقاعدون، وآخرون غادروا البلاد، إضافة إلى عاملين في المشافي الحكومية والصيدليات الخاصة في المدن والأرياف، وكان عمل الصيدليات يعتمد سابقاً على النشرات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة لتحديد الأسعار، إلا أن الصيادلة يؤكدون اليوم أن الواقع اختلف بشكل كبير.

يقول المسن مازن أبو محمد، من مدينة دمشق وهو مريض سكري مزمن، إن المريض يحتاج إلى أربعة أو خمسة أنواع من الأدوية شهرياً بحسب حالته الصحية، تبلغ كلفتها نحو 100 ألف ليرة سورية، دون احتساب ثمن الخبز الخاص أو التحاليل الطبية أو بقية المستلزمات العلاجية.

وأضاف أن ضعف الدخل يدفع كثيراً من المرضى إلى الاستغناء عن بعض الأدوية أو الفيتامينات لتخفيف الأعباء المالية، معتبراً أن "أسعار الأدوية ترتفع مع كل ارتفاع في سعر الدولار، لكنها لا تنخفض عندما تتحسن قيمة الليرة".

وتتفق معه المتقاعدة خالدة برهان، التي ترى أن أسعار الدواء تختلف بين صيدلية وأخرى، وأن هناك فروقات واضحة في تسعير بعض الأصناف، مشيرة إلى أن بعض الأدوية السرطانية المستوردة تُسعّر بالدولار، وقد يصل سعر العبوة الواحدة إلى 700 دولار أمريكي، بينما يجري احتساب قيمتها بالليرة السورية وفق هامش أمان مرتفع تحسباً لتقلبات سعر الصرف.

وتقول إن "الفوضى أصبحت هي التي تحكم أسعار الأدوية في سوريا"، متسائلة عن أسباب غياب الدور الرقابي لوزارة الصحة والجهات المعنية، في وقت بات فيه الدواء يشكل عبئاً ثقيلاً على أصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين وأصحاب الأمراض المزمنة.

وتشير الصيدلانية "ن. هـ."، التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها وانتقلت حديثاً من الريف إلى مدينة اللاذقية، إلى أن حركة البيع في الصيدليات تشهد تراجعاً ملحوظاً. وأوضحت أن "مبيعات الصيدلية لا تتجاوز في كثير من الأيام مئة ألف ليرة سورية، بسبب كثرة الصيدليات من جهة، وارتفاع أسعار الأدوية وعزوف العديد من المرضى عن شراء كامل الوصفات الطبية من جهة أخرى".

وأضافت أن العمل في المحافظة يتركز خلال فترات المناوبة أكثر من بقية الأوقات، في ظل ارتفاع تكاليف تشغيل الصيدليات، التي تشمل أجور المحال، وتأمين الأدوية، والكهرباء، والتكييف، والتبريد، فضلاً عن تكاليف المعيشة، وذكرت أن "الصيدلية اليوم أصبحت مشروعاً خاسراً".

وأوضحت أن أسعار الأدوية لم تعد تصل عبر نشرات رسمية موحدة، وإنما من خلال الشركات الدوائية ومندوبيها أو عبر مجموعات تطبيق "واتساب"، مؤكدة أنها لم تلمس أي انخفاض في الأسعار خلال الفترة الأخيرة، بل إن بعض الأصناف شهدت زيادات جديدة.

في المقابل، يرى مواطنون وصيادلة أن استمرار الأسعار عند مستوياتها المرتفعة رغم تحسن سعر صرف الليرة يطرح تساؤلات حول آليات احتساب الأسعار، ومدى وجود مراجعات دورية لها، ولا سيما في ظل غياب نشرات تسعير رسمية واضحة يمكن الرجوع إليها.

كما أن البحث في الصفحة الرسمية لنقابة صيادلة سوريا لم يظهر أي قرارات أو تعاميم حديثة تتعلق بتعديل أسعار الأدوية أو إصدار قوائم تسعير جديدة، وهو ما يعزز حالة الضبابية التي تحيط بآلية التسعير، ويترك المواطنين أمام أسعار متباينة من منطقة إلى أخرى، ومن صيدلية إلى أخرى.

ويرى مختصون أن استقرار سوق الدواء يتطلب إصدار نشرات تسعير دورية وشفافة، وربطها بمتغيرات سعر الصرف وتكاليف الإنتاج، بما يحقق التوازن بين استمرار الصناعة الدوائية وحماية المرضى، ولا سيما أصحاب الأمراض المزمنة وذوي الدخل المحدود، الذين باتوا يجدون صعوبة متزايدة في تأمين أدويتهم الأساسية.

ومع استمرار غياب أي إعلان رسمي عن تخفيض الأسعار رغم تحسن سعر صرف الليرة، تبقى تساؤلات المواطنين قائمة حول الجهة التي تحدد أسعار الدواء، وآليات الرقابة على السوق، في وقت أصبح فيه العلاج بالنسبة لشريحة واسعة من السوريين تحدياً مالياً لا يقل صعوبة عن المرض نفسه.

(أم)

ANHA