حروب الظل والمواجهة المباشرة.. الصراع الإيراني الإسرائيلي الأميركي في منعطف جديد

لم يتوقف الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يوماً، بل كانت تتبدل أشكالها وأساليبها باستمرار، فتارةً تدار عبر المفاوضات، وتارةً من خلال حروب الظل والعمليات غير المباشرة، وتارة أخرى عبر مواجهات عسكرية مباشرة.

حروب الظل والمواجهة المباشرة.. الصراع الإيراني الإسرائيلي الأميركي في منعطف جديد
الأربعاء 3 حزيران, 2026   04:40
مركز الأخبار

لم تكن حرب عام 2026 أول مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بل جاءت بوصفها الجولة الثانية من الحرب المفتوحة بين الطرفين خلال أقل من عام، بعدما كانت حرب حزيران 2025 قد كسرت للمرة الأولى قواعد الاشتباك التقليدية، عبر تبادل واسع للصواريخ والقصف المباشر بين الجانبين استمر 12 يوماً.

ورغم انتهاء تلك الحرب بوقف إطلاق نار هش، فإنها لم تنه الصراع، بل مهدت عملياً لانفجار أكبر وأكثر اتساعاً في العام التالي.

وفي ظل هذا التصعيد المتراكم، تحولت المواجهة في 28 شباط 2026 إلى حرب إقليمية مفتوحة، بعدما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً واسعاً على إيران، استهدف منشآت عسكرية ونووية ومراكز قيادة وقواعد صاروخية، إضافة إلى اغتيال قيادات بارزة في الحرس الثوري.

وردّت طهران بإطلاق آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو إسرائيل والقواعد الأميركية في الخليج والعراق وسوريا، لتدخل المنطقة أخطر مواجهة عسكرية تشهدها منذ عقود.

تراجع النفوذ الإيراني قبل الحرب المباشرة

خلال الفترة الفاصلة بين الحربين، واجهت إيران سلسلة انتكاسات استراتيجية أضعفت جزءاً مهماً من نفوذها الإقليمي.

ففي لبنان، تعرض حزب الله لاستنزاف عسكري كبير خلال المواجهات مع إسرائيل، وخسر جزءاً مهما من بنيته العسكرية وعدداً من قياداته الميدانية.

وفي سوريا، أدى سقوط نظام البعث إلى خسارة طهران أحد أهم حلفائها الإقليميين وخط الإمداد الاستراتيجي نحو لبنان.

أما في العراق، فتعرضت الفصائل المسلحة الحليفة لإيران لضربات أميركية متكررة وضغوط سياسية داخلية متزايدة.

وفي اليمن، واجه الحوثيون حملات عسكرية أميركية وبريطانية وإسرائيلية أضعفت جزءاً من قدراتهم، خاصة بعد الهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

كما شهدت حركة حماس تراجعاً كبيراً في قدراتها العسكرية والتنظيمية بعد الحرب الطويلة في غزة.

ورأت الولايات المتحدة وإسرائيل أن هذه التطورات وفرت فرصة استراتيجية لإضعاف إيران بشكل أكبر، وربما إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بالكامل.

بداية الحرب الثانية

في 28 شباط 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً عسكرياً واسعاً ومنسقاً على إيران، استهدف مواقع عسكرية ونووية وأمنية ومراكز قيادة وسيطرة داخل طهران وعدداً من المدن الإيرانية.

وأطلقت واشنطن على العملية اسم "الغضب الملحمي"، بينما سمتها إسرائيل "زئير الأسد"، في حين أطلقت إيران على ردها العسكري اسم "الوعد الصادق 4".

وشملت الضربات منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، إضافة إلى قواعد للحرس الثوري ومصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة ومنشآت دفاع جوي ومقار عسكرية وأمنية.

كما استهدفت الضربات قلب العاصمة طهران، إضافة إلى مدن أصفهان وكرج وقم وهمدان وكرمنشاه وتبريز ودزفول وإنديمشك، فضلاً عن منشآت نفطية ومرافئ تصدير في جزيرة خارك ومواقع مرتبطة بحقل فارس الجنوبي للغاز.

وذكرت واشنطن وتل أبيب أن الهدف من العملية يتمثل في منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية وإنهاء تهديدها الإقليمي، بينما رأت طهران أن الحرب تستهدف إسقاط النظام الإيراني نفسه وإعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة.

اغتيال القيادات الإيرانية

شكلت عمليات الاغتيال التي رافقت الهجوم واحدة من أكبر الضربات التي تعرضت لها القيادة الإيرانية منذ قيام "الجمهورية الإسلامية" عام 1979.

وأسفرت الضربات عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، والقائد العام للحرس الثوري حسين سلامي، ومحمد باكبور قائد الحرس الثوري، وعبد الرحيم موسوي رئيس الأركان، وعزيز نصير زاده وزير الدفاع، وعلي شمخاني، وعلي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، إضافة إلى غلام رضا سليماني قائد قوات الباسيج، ومجيد خادمي رئيس استخبارات الحرس الثوري، وعدد كبير من قادة الحرس الثوري والأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

ورأت طهران أن استهداف هذا المستوى من القيادات يعكس تحول الحرب من محاولة ردع عسكرية إلى مشروع يستهدف رأس النظام الإيراني نفسه.

الرد الإيراني واتساع الحرب

بعد ساعات من بدء الهجوم، أطلقت إيران عملية رد واسعة شملت آلاف الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل والقواعد الأميركية في الخليج والعراق وسوريا.

ووفق تقديرات عسكرية، أطلقت إيران وحلفاؤها أكثر من 5655 صاروخاً وطائرة مسيّرة خلال الحرب، بينها نحو 1800 صاروخ باليستي ومجنح وأكثر من 2500 طائرة مسيّرة.

واستهدفت الضربات الإيرانية قواعد أميركية ومنشآت نفطية وموانئ ومطارات في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين والعراق والأردن وسوريا، إضافة إلى أهداف داخل إسرائيل.

وفي إسرائيل، طالت الهجمات مناطق الجليل وتل أبيب وبئر السبع والنقب، واستهدفت منشآت حيوية، بينها ميناء حيفا ومحيط مفاعل ديمونا ومطار بن غوريون وقواعد عسكرية في الجنوب والشمال.

كما دخل حزب الله بشكل مباشر على خط المواجهة مطلع آذار 2026، عبر هجمات صاروخية واسعة على شمال إسرائيل، بينما نفذ الحوثيون هجمات ضد أهداف إسرائيلية وممرات بحرية في البحر الأحمر.

الخسائر البشرية

خلّفت الحرب خسائر بشرية ضخمة في مختلف دول المنطقة. ففي إيران، أفادت تقديرات حقوقية بمقتل 3636 شخصاً حتى 8 نيسان 2026، بينهم 1701 مدني على الأقل، بينما تحدثت تقديرات أخرى عن مقتل نحو 1900 مدني وإصابة قرابة 20 ألف شخص نتيجة الغارات الأميركية والإسرائيلية.

وفي إسرائيل، قتل 23 شخصاً نتيجة الصواريخ الإيرانية واللبنانية، إضافة إلى 11 جندياً إسرائيلياً خلال المعارك في جنوب لبنان.

وفي لبنان، بلغت حصيلة القتلى جراء الغارات الإسرائيلية بين 2 آذار و8 نيسان أكثر من 1739 قتيلاً و5873 جريحاً.

وبخصوص الجيش الأميركي، أعلنت القيادة المركزية الأميركية مقتل 13 عسكرياً أميركياً وإصابة نحو 400 آخرين، بينهم 6 قتلوا إثر سقوط طائرة للتزود بالوقود في العراق، و7 خلال العمليات العسكرية.

وفي العراق، قتل ما لا يقل عن 117 شخصاً، بينهم مدنيون وعناصر من الحشد الشعبي والجيش العراقي والشرطة وقوات البشمركة.

وفي دول الخليج، بلغ عدد القتلى جراء الهجمات الإيرانية 27 شخصاً، بينهم 12 في الإمارات، و7 في الكويت، و3 في البحرين، و3 في سلطنة عمان، و2 في السعودية.

الخسائر الاقتصادية وتداعيات الطاقة

اقتصادياً، تسببت الحرب باضطراب واسع في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

فقد قامت إيران بإغلاق مضيق هرمز، ثم عطلت حركة الملاحة فيه لفترات متقطعة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، قبل أن تتراجع لاحقاً إلى نحو 93 دولاراً بعد إعلان الهدنة.

كما شهدت الأسواق المالية العالمية تقلبات حادة، وارتفعت أسعار التأمين والشحن، وتأثرت سلاسل التوريد الدولية.

وقدرت خسائر الولايات المتحدة بنحو 12 مليار دولار حتى منتصف آذار، بينما بلغت خسائر إسرائيل نحو 15 مليار دولار، وفق وسائل إعلام إسرائيلية.

أما إيران، فقد تعرضت بنيتها التحتية لدمار واسع، مع توقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 10%.

وفي دول الخليج، قدرت الخسائر الاقتصادية بين 18 و20 مليار دولار بسبب اضطراب صادرات النفط والغاز وإغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقة.

التحركات الدولية والقرارات الأممية

أثارت الحرب مخاوف دولية من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تتحول إلى صراع عالمي مفتوح.

وقادت قطر وسلطنة عمان وتركيا وباكستان ومصر جهود وساطة مكثفة، بالتوازي مع تحركات أممية واتصالات غير معلنة بين واشنطن وطهران.

وفي 11 آذار 2026، أصدر مجلس الأمن القرار 2817، الذي أدان الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن، بينما فشلت مشاريع قرارات أخرى تتعلق بحماية الملاحة في مضيق هرمز بسبب الفيتو الروسي والصيني.

الهدنة والمفاوضات

في 8 نيسان 2026، أعلن عن وقف إطلاق نار مؤقت لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، بعد نحو أربعين يوماً من الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ونص الاتفاق على وقف الضربات الأميركية مقابل إعادة فتح مضيق هرمز وبدء مسار تفاوضي سياسي وأمني في إسلام آباد.

وفي 11 نيسان، عقدت جولة تفاوض مباشرة واحدة بين واشنطن وطهران ناقشت ملفات التهدئة والبرنامج النووي الإيراني وأمن القواعد الأميركية في المنطقة، إضافة إلى مطالب إيران المتعلقة برفع العقوبات والاعتراف بحقها في التخصيب وعدم استهدافها أو حلفائها في المنطقة. إلا أن المباحثات انتهت من دون اتفاق سياسي واضح أو إطار تفاوض دائم، لتتوقف بعدها اللقاءات المباشرة، بينما تولت باكستان نقل الرسائل والمقترحات بين الطرفين في محاولة للحفاظ على الهدنة الهشة، وسط استمرار التوتر والضربات المحدودة والهجمات بالطائرات المسيرة في عدة جبهات إقليمية.

حرب أعادت تشكيل الشرق الأوسط

لم تكن حرب 2026 مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية أعادت تشكيل توازنات الشرق الأوسط.

فالحرب الثانية بين إيران وإسرائيل كشفت انتقال المنطقة نهائياً من مرحلة حروب الوكالة إلى مرحلة المواجهة المباشرة بين القوى الإقليمية والدولية.

كما أظهرت أن الصراع لم يعد يتعلق فقط بالبرنامج النووي الإيراني، بل بمستقبل النفوذ في الشرق الأوسط، وشكل النظام الإقليمي الجديد، والجهة التي ستفرض موازين القوة خلال العقود القادمة.

ولهذا، فإن آثار حرب 2026 مرشحة للاستمرار لسنوات طويلة، سواء على مستوى التحالفات السياسية والعسكرية، أو على مستوى الاقتصاد والطاقة والأمن الإقليمي والدولي.

(ام)

ANHA