الصحفية مهتاب أوراك: التعديلات الدستورية هي قلعة النجاة لتركيا

قيّمت الصحفية الكردية مهتاب أوراك العملية التي بدأت في شمال كردستان وتركيا، وقالت: "إذا لم تعمل الدولة على دمقرطة نفسها ولم تتخذ إرادة المجتمع أساساً لها، فإنها ستنهار. يجب على الدولة الآن أن تعي ذلك وتتحرك على الفور. إن التعديلات الدستورية هي قلعة النجاة".

الصحفية مهتاب أوراك: التعديلات الدستورية هي قلعة النجاة لتركيا
الثلاثاء 26 مايو, 2026   02:30
مركز الأخبار

مرّ عام ونصف على نداء القائد عبد الله أوجلان من أجل "السلام والمجتمع الديمقراطي"، كما مرّ عام واحد على قرار حزب العمال الكردستاني PKK بإلقاء السلاح. ومع ذلك، لم تتخذ الدولة التركية حتى الآن أي خطوة على الصعيد القانوني. وقد احتل موضوع هذه العملية مكانة هامة في أجندة تركيا، والشرق الأوسط، والعالم.

وفي السياق، تحدثت الصحفية الكردية مهتاب أوراك لوكالتنا حول هذا الموضوع.

وسلطت مهتاب أوراك في بداية حديثها، الضوء على الخطوات التي اتخذتها حركة حرية كردستان خلال عام واحد قائلة: "إن قرار حلّ حزب العمال الكردستاني PKK بات أقوى وثيقة تُثبت مدى صدق ونية النضال من أجل الحرية. لقد أظهر هذا القرار وبأكثر الأشكال وضوحاً أن الكفاح المسلح قد انتهى نهائياً، وأن النضال من الآن فصاعداً سيُدار عبر السياسة الديمقراطية فقط. إن المرحلة التي بدأت بنداء (دولت) بخجلي - رئيس حزب الحركة القومية - يجب ألا نختزلها في حدود ذلك التصريح فحسب؛ فالقائد عبد الله أوجلان يعيش ويمر بمرحلة طويلة من التعمق الفكري وتهيئة الأرضية قبل اتخاذ أي قرار حساس ومصيري. ويمكننا القول إن هذا النداء فتح الباب أمام هذه التحولات الفكرية، وقدم احتمالية لبناء أرضية صحيحة. ورغم اتخاذ خطوات متبادلة، إلا أن الدولة التركية لم تتخذ حتى الآن أي خطوة ملموسة وجادة تقابل الخطوات التي اتخذها القائد".

وتابعت مهتاب أوراك مشيرة إلى تساؤل طُرح بكثرة قبل عام من الآن: "لماذا بخجلي؟" وأردفت: "لماذا اتُخذت هذه الخطوة من قِبل بخجلي وليس من قِبل الحزب الحاكم؟ يُنظر إلى بخجلي على أنه يمثل (عقل الدولة). ومن الواضح أن الإقدام على خطوة من هذا العقل هو أكثر حملاً للمعاني من خطوة يتخذها الحزب الحاكم. كيف كان عقل الدولة هذا؟ لقد كان عقلاً أصر لسنوات طويلة على إنكار الكرد وإبادتهم؛ لذا فإن صدور تصريح من هذا العقل في هذا التوقيت كان تطوراً كبيراً، وترك أثراً لا يمكن أن يمر دون رد. وإلى جانب الخطوة التي اتخذها بخجلي، فإن العملية التي بدأت كانت على درجة من الأهمية بحيث لا يمكن حصرها به وحده دون شك. ولكي تستمر هذه الخطوة وتصل العملية إلى الحل، كان الجميع متفقين على أن هذا الأمر ممكن فقط عبر مشاركة السلطة، المعارضة، الأوساط الديمقراطية، والمجتمع. ومع ذلك، لم يتم اتخاذ الخطوات اللازمة بعد؛ إذ إن استراتيجية السلطة القائمة على مقولة (سنسير في طريق هادئ ومدروس)، دفعت بالعملية عملياً نحو الانسداد".

إذا لم تنتهِ العملية بأساس قانوني، فإن أزمة حادة بانتظار تركيا

وأضافت: "ما هي الخطوات التي كان يجب اتخاذها؟ وما هي الاستراتيجيات التي كان ينبغي تطبيقها؟ طوال عام كامل، كان حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Party) على وجه الخصوص يشرح هذه العناوين بالتفصيل. ومع ذلك، لم يقم البرلمان ولا الأطراف المعنية الأساسية بتنفيذ ما يلزم. فكانت "لجنة البرلمان" التي تم تشكيلها بمثابة الخطوة الأولى للمماطلة وكسب الوقت، ولم يتم اتخاذ الخطوات القانونية والدستورية الأكثر حساسية".

ولفتت أن القائد عبد الله أوجلان قام بهذه الخطوة في ظل ظروف العزلة المشددة، ووجه نداءً مستمراً مفاده: "إن إنهاء الكفاح المسلح لا يمكن أن يصبح دائماً ومستقراً إلا بضمانات قانونية ودستورية". وأضافت: "إلا أن النداءات التي أكدت على أن الكلام لا يكفي، ومن الضروري اتخاذ خطوات ملموسة بقيت دائماً دون استجابة؛ وهو ما يشدد عليه أيضاً البيان الصادر عن الحركة الآبوجية".

وأوضحت أنه "إذا لم تنتهِ هذه العملية المستمرة منذ عام على أرضية قانونية، فإن وضعاً يتسم بالأزمات والصراعات، وهو أشد خطورة بكثير مما مضى، سيكون بانتظار تركيا؛ فقد أثبت التاريخ مراراً وتكراراً ماذا يحدث عندما لا يتم الوفاء بالوعود المقطوعة".

"مقولة 'وحدة سوريا' أصبحت غطاءً لإبادة الكرد"

وقيّمت الصحفية مهتاب أوراك هجمات فصائل الحكومة المؤقتة في سوريا والمدعومين من الدولة التركية ضد شمال وشرق سوريا، وربطتها بالمرحلة الراهنة قائلة: "في ذروة هذا الانسداد تماماً، وقع هجوم هيئة تحرير الشام في سوريا ضد روج آفا وتحديداً حيي الشيخ مقصود والأشرفية. وقد أظهر البيان الصادر عن وزارة الدفاع التركية أن العملية التي وصلت إلى طريق مسدود بدأت تنزلق نحو الساحة العسكرية؛ حيث عادت مقولة وحدة سوريا لتصبح غطاءً لإبادة الكرد من جديد. هذا المشهد كشف بوضوح أنه لم تتشكل بعد أي إرادة أو تغيير في ذهنية الدولة التركية".

وأضافت: "رغم أن الدولة التركية قد تكون أدركت نهجها الخاطئ في القضية الكردية، إلا أنها لا تزال ضعيفة جداً في مسألة تغيير الذهنية؛ فهي لم تتقبل بعد أن هذا التغيير لا يمكن أن يتحقق إلا عبر خطوات دستورية. هناك إصرار على حصر وتضييق المانيفستو التغييري للقائد عبد الله أوجلان في مربع إلقاء السلاح فقط. إن الدساتير القائمة على الإنكار في الشرق الأوسط كانت سبباً في دفع أثمان باهظة؛ ومع تدخل القوى المهيمنة، فإن المرحلة الممتدة من فلسطين إلى إيران باتت تهدد الدول المجاورة أيضاً".

وتابعت قائلاً: "تركيا مجبرة على تغيير لغة وهوية الجمهورية التي تأسست على الإنكار. إنها تعيش حالة من العمى السياسي لدرجة جعلتها تعجز عن رؤية أن الجمهورية متعددة اللغات، ومتعددة الهويات، والديمقراطية هي التي ستمنحها روحاً جديدة. إنها لا تتجاوز ظواهر وأساليب ما قبل مئة عام؛ والسياسات والأساليب العسكرية القديمة لن تتمكن من إنقاذ تركيا من هذه العاصفة. على مدار 100 عام، تلقت الدولة التي تسير وفق البراديغما نفسها ضربات قوية في كل مرحلة، ومن خلال الخطوات التي أقدم عليها بخجلي، نرى أنهم باتوا يدركون هذه الحقيقة الآن. نحن نمر حالياً بمرحلة تاريخية تشبه الحربين العالميتين الأولى والثانية؛ فالنظام الرأسمالي، بقيادة القوى المهيمنة عالمياً، يعيش مراحله الأخيرة، ولذلك فهو بحاجة إلى أزمات وصراعات جديدة ليعزز دورة عجلة نظامه على الصعيدين الاقتصادي والأيديولوجي".

"التعديل الدستوري هو قلعة النجاة من الدمار"

أوضحت الصحفية مهتاب أوراك سبيل النجاة من هذه الأزمات قائلة: "إن الطريق الذهبي لهذا التجديد يمر عبر الشرق الأوسط. عندما انسحبت أوروبا من الشرق الأوسط بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومن أجل أن تبقي لها موطئ قدم في المنطقة، زرعت قضايا ومشكلات يستعصي فهمها وحلها منذ مئة عام. وأفضل مثال على ذلك: القضية الإسرائيلية-الفلسطينية، والقضية الكردية المزروعة في أربع دول! هذا الأمر لم يجلب أي خير لشعوب ودول المنطقة، بل على العكس، منح القوة للقوى المهيمنة وأسهم في تضخيمها".

وأضافت: "إن حل هذه القضية الممتدة لمئة عام من شأنه أن يمنح المنطقة الاستقرار، وينهي الحروب والصراعات في الشرق الأوسط. وباختصار؛ إما أن نُعد أنفسنا لقرن جديد عبر إجراء تعديل دستوري، أو أننا سندفع أثماناً باهظة. يمكن للمجتمعات أن تحافظ على وجودها وتستمر حتى لو غاب عقل الدولة، ولكن إذا انعدم الاستقرار المجتمعي، فمن المستحيل الحديث عن هيكلية الدولة. إذا لم تعمل الدولة على دمقرطة نفسها ولم تتخذ إرادة المجتمع أساساً لها، فإنها ستنهار. يجب على الدولة الآن أن تعي ذلك وتتحرك على الفور؛ لأنه من المستحيل أن تتمكن من النجاة بنفسها من حرب قد تندلع في الشرق الأوسط".

وختمت مهتاب أوراك حديثها بالقول: "إذا كانت تركيا تعتقد أنها ستخرج سالمة من هذه الحرب، وتعتمد بناءً على ذلك تكتيك المماطلة وكسب الوقت، فلتعلم أن حرب التحرر الوطني اليوم لن تشبه الحرب التي دارت قبل مئة عام؛ بل ستكون أكثر تدميراً، وستخلف دماراً لن تجد منه مخرجاً. سيكون التعديل الدستوري هو قلعتنا الأكثر فاعلية لحماية أنفسنا من القوى المهيمنة وشركائها".

(ب إ/ح)

ANHA