العجز عن تأمين لقمة العيش قصص مؤلمة من حياة الفقراء في سوريا

يعيش السوريون أزمة معيشية خانقة نتيجة الانهيار الاقتصادي وارتفاع الأسعار وفقدان فرص العمل، ما دفع غالبية السكان إلى ما دون خط الفقر المدقع، وسط عجز متزايد عن تأمين الخبز والدواء والكهرباء، وتفاقم سوء التغذية وتراجع الخدمات الأساسية، رغم توفر السلع في الأسواق دون قدرة الناس على شرائها.

العجز عن تأمين لقمة العيش قصص مؤلمة من حياة الفقراء في سوريا
الثلاثاء 12 مايو, 2026   04:45
دمشق

تستمر الأزمة الإنسانية في سوريا بالتفاقم مع التدهور الاقتصادي الذي تشهده البلاد، متأثرة بارتفاع أسعار الطاقة من جهة، وتدهور الحالة المعيشية من جهة أخرى، والفصل التعسفي وخسارة فرص العمل، بالإضافة إلى الخسائر المتلاحقة التي تلاحق الفلاحين والمربين للثروة الحيوانية.

وبينما توقعت مؤشرات الأمم المتحدة، في تقريرها الأخير، انزلاق نحو 4 ملايين سوري إلى ما دون خط الفقر، عقب التوترات السياسية في المنطقة وما رافقها من ارتفاع أسعار المحروقات والغذاء، تتصاعد أصوات المرضى في سوريا بسبب غياب الأدوية النوعية الخاصة بالأمراض المزمنة، في ظل ارتفاع أعداد المصابين بهذه الأمراض إلى مستويات غير مسبوقة.

كما زادت معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الخامسة والأمهات بأكثر من 4 مرات على مدى السنوات الأربع الماضية، وارتفع عدد الأطفال الذين يعانون من التقزم إلى مستويات قياسية، على ما ورد في تقارير اليونيسف.

وبحسب مؤشرات الأمم المتحدة، فإن أكثر من 90 بالمئة من الشعب السوري انحدر بمستوياتهم تحت خط الفقر المدقع، الذي حددته المنظمات الدولية باستهلاك الفرد أقل من 1.9 دولار أمريكي في اليوم.

وتظهر تداعيات الانحدار نحو الفقر في سوريا أمام الأفران، حيث تضطر سيدات يحملن أطفالهن الرضع لبيع الخبز من أجل تأمين لقمة العيش اليومية، وينتقل أصحاب الشهادات الجامعية للعمل في مطاعم أو أعمال يدوية من أجل الاستمرار في الحياة.

كما انتشرت البسطات في جميع الشوارع والأزقة لكسب ما يسد الرمق أمام الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة.

العجوز الذي عرّف عن نفسه باسم أبو خالد، انتظر على كوة لدفع فواتير الكهرباء، وعندما سمع عن قيمة الاستهلاك لفاتورته البالغة 870 ألف ليرة، قال لوكالتنا ويداه ترتجفان والدمعة في عينه أنا متقاعد راتبي بعد خدمة في الدولة 40 سنة 850 ألف ليرة، لا يكفي لثمن فاتورة كهرباء فقط. من أين سأعيش وأنا مريض أقوم بغسيل الكلى ومريض سكري؟

وأضاف: "الأدوية ارتفعت كثيراً ولم تعد متوفرة مجاناً كما كانت سابقاً، وربطة الخبز ارتفعت أيضاً. فتحت بسطة بمساعدة فاعل خير لبيع الجرابات، لكن صادرتها دوريات المحافظة. نشتهي الموت ونطلبه في كل صباح، وأملي ألا تطول حياتي أكثر، فقد شبعت من عيشة الذل والهوان".

بدوره، ذكر أبو جاسم، مزارع الثوم في سعسع بريف دمشق، أن سياسة الحكومة الحالية تعمل على تفقير الشعب وحرمان المزارع من العمل. وقال لأول مرة في موسم الثوم لا يوجد تصدير، وسعر الثوم انحدر إلى 1500 ليرة، أقل من تكلفة زراعته وقلعه وتسويقه. ومع ذلك، ما نشاهده من تخبط حكومي في السياسات الزراعية وروزنامة التصدير جعلنا لا نفهم ماذا تخطط هذه السلطة.

وتابع أبو جاسم: "الخسارة المتتالية للفلاح تجعله يقع تحت الديون كما حالنا في هذا الموسم، وهناك من يعمل على محاربة الفلاح وإفقار الشعب".

ورأى المهندس علاء حسان، المفصول من عمله والذي اتجه إلى فتح مطعم لتقديم الوجبات السريعة، أن مبيعاته تكاد لا تُذكر بسبب تدني الحالة المعيشية للسوريين بشكل عام.

وأضاف: "يمرّ على محلي أكثر من 10 أشخاص يومياً يطلبون مساعدات أو خبزةً حافّة حتى يسدّوا جوعتهم، وهذه الحالة تتفاقم بشكل كبير". لافتاً إلى أن مبيعاته في الشهر لا تسد إيجار المحل الذي ارتفع إلى عدة أضعاف، كون صاحب المحل خسر عمله ويريد أن يعتاش من الإيجار.

وذكر المهندس علاء أن الأزمة مرعبة في سوريا والجميع فيها ينحدر بسرعة نحو الفقر.

وفي رصدٍ لوكالتنا، في الأسواق تجد ما لذّ وطاب من الفواكه والخضار، لكن "للأسف الجمل بليرة ولا يوجد ليرة"، كما تقول السيدة خديجة نعمان، وهي متقاعدة تقوم بانتقاء بعض حبات البندورة أمام صالة سابقة للسورية للتجارة.

وأضافت: "داخل الصالة يتم عرض الخضار الطازجة بأسعار مرتفعة جداً، وهنا في الخارج يبيعون الخضار البايتة". مشيرة إلى التمييز الطبقي الذي أصبحت تحسه بسبب الفقر وتدني مستوى المعيشة وارتفاع الأسعار.

وقالت لأول مرة في حياتي منذ 70 سنة أشعر بالذل والضعف والفقر. قمت ببيع جميع مدخراتي وأستعين بالمساعدات من أجل العيش في الحد الأدنى. مشيرة إلى أن كبرتها وآخرتها ليست سعيدة. ومع كل صباح نسمع عن خسارة العشرات لوظائفهم وعن ارتفاعات جديدة ومطالبات جديدة وهموم جديدة.

وأعرب إعلامي متخصص بالشأن الاجتماعي، فضّل عدم الكشف عن اسمه خوفاً من الملاحقة، عن أن نسبة الفقراء في سوريا كانت مرتفعة جداً، وبعد الحرب في المنطقة وارتفاع أسعار المحروقات وما رافقه من ارتفاع مستويات المعيشة، زادت معاناة الشعب السوري، ما أدى إلى جرّ الملايين إلى ما دون خط الفقر المدقع.

 وأصبحَت الأبواب مغلقة في وجه الشارع السوري بالنسبة للطبابة التي كانت مجانية أو إلى وسائل النقل أو سعر الخبز والفواتير وغيرها، وفق ما أكده الإعلامي.

وحذر الإعلامي السوري من أن هذه الضغوط الكبيرة قد تولد انفجاراً مجتمعياً، وهو ما بدأنا نشاهده من ارتفاع حالات الطلاق والتفكك الأسري، بالإضافة إلى تفاقم الأمراض نتيجة عدم وجود أدوية وعدم توفر الأموال لشراء الأدوية.

(أم)

ANHA